مسائل العدل
المسألة الأولى: مصير المؤمنين إلى الجنة وخلودهم فيها أبداً
أشار إليها عليه السلام بقوله: [ فقل: أدين الله تعالى بأنه لا بد من الثواب للمؤمنين ] وهم كل من أتى بالواجبات واجتنب المقبَّحَات عند أئمتنا عليهم السلام وجمهور المعتزلة حسبما سيأتي لهم من أن الإيمان: هو الإتيان بالواجبات واجتناب المقبحات، وهو الصحيح من أقوال عشرة في حده كما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، ويدخل في المؤمن المَلَكُ والنبي وجميع الأولياء والشهداء لأنه اسم أعم، إذ يتناول كل من أتى بالواجبات واجتنب المقبحات مَلَكاً كان أو نبياً أو غيرهما، ولا بد من تسامح في قولهم: واجتنب المقبحات، بأن المراد كبائر الإثم والفواحش، إذ لا يخلو البشر عن الصغائر، وإنما يكون الثواب للمؤمنين [ إذا ماتوا مستقيمين، ]على الإيمان لقوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ ?{فصلت:30}الآية، وهذا الشرط إنما تظهر له ثمرة فيما عدا المَلَك والنبي والمعصوم، أو باعتبار التقدير كقوله تعالى: ?لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ?{الزمر:65}، وكقوله تعالى في الملائكة:?وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ?{الأنبياء:29}، لأن المعلوم أن المَلَك والنبي والمعصوم مستقيمون على الإيمان جميع مدة حياتهم إلى مماتهم ولا مدخل للاشتراط إلا فيما يمكن تغييره وتنقله دون ما عداه فلا دخل للاشتراط إلا على سبيل الفرض والتقدير ليُعلم حكم الحال في ذلك لو كان خلاف الواقع، وقوله [ ودخولهم جنات النعيم ]، يحتمل أن العطف لتفسير الثواب فيكون من عطف المترادف، ويحتمل أنه من عطف الخاص على العام وهو أنه إذا نالهم شيء من الثواب قبل دخولهم الجنة كالشرب من الحوض ونحو ذلك مما ينالهم من الكساء والحباء في عرصة المحشر،(1/1141)


وركوب النجائب إلى جنة الكوثر [ ?لا يمسهم فيها نصب ? ] أي تعب [ ?وما هم منها بمخرجين خالدين فيها أبداً ? ]، وهذه المسألة لا يُعلم فيها خلاف بين أهل الإسلام، وهي معلومة من الدين ضرورة.(1/1142)


الإيمان بصحة ما وعد الله به من أوصاف الجنة
وقل أيها الطالب الرشاد [ وأدين الله بصحة ما وعد به ] أي أخبر به [ من ] أوصاف الجنة في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم من [ سِعَة الجنة، ] قال الله تعالى: ?وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ?{آل عمران:133}، [ وطِيْب مساكنها، ] في قوله تعالى: ?جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً ?{التوبة:72}، [ وحياتها ] معطوف على مساكنها أي وطيب مساكنها وطيب حياتها، والمساكن: جمع مسكن، والحياة: المراد بها حسن اللبث والإقامة لا المقابلة للموت لاشتراكها بين أهل الجنة وأهل النار [ وسرُرِها ] جمع سرير: وهو ما يوضع للجلوس على أربع قوائم وأكثر، وما يتخذ للملوك للقعود عليه والاستراحة قال الله تعالى: ?إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ?{الحجر:47}، من ذهب وزبرجد وياقوت [ الموضوعة، ] بمحلاتها المعدة للمؤمنين، [ ومآكلها ] جمع مأكل وهو معطوف على مساكنها أي وطيب مآكلها، فيكون قوله [ المشتهيات ] صفة مؤكدة أو على سعة الجنة أي بصحة ما وعد به من سعة الجنة ومن مآكلها المشتهيات، فيكون قوله: المشتهيات، صفة مؤسسة [ وفواكهها ] وهي كلما يستفكه من الثمار كالأعناب والرمان والنخيل والزيتون، [ الكثيرة ] الأصناف والألوان والطعوم اللذيذة، قال الله تعالى: ?كلما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ?{البقرة:25}، وفي الحديث أنه يؤتى إليهم بصحاف من ذهب فيها الفواكه تشابه ما قد مر عليهم قبلها، فيقولون هذا الذي رزقنا من قبل، فيقال: كلٌ فاللون اللون والطعم غير الطعم، [ التي ليست بمقطوعة ] كما تنقطع ثمار الدنيا في الشتاء أو غيره من سائر فصول السنة [ ولا(1/1143)


ممنوعة، ] عنهم بأي مانع من استحقاق الغير لها أو وجود صارف عن أكلها من خشية ضرر أو تخمة، [ وأنهارها ] وهي السواقي، وقوله [ الجارية ] يصح فيه أن يكون فاعل الجري ضمير راجع إلى الأنهار فإسناد الجري إليها مجاز، ويصح أن يقدر له فاعل أي الجارية فيها المياه وهو الأظهر ليناسب الأوصاف المذكورة بقوله [ التي ليست بمستقذرة ولا آسِنَةٍ، ولا متغيرة ولا آجِنَة، ] فإن هذه الأوصاف غالبة في المياه لا في السواقي نفسها، وإن كان الأول يصح على الجميع، والمستقذر ما تستقذره النفس لخبثه في شمه أو طعمه أو ضرره، والآسن والآجن على وزن فاعل والكل متغير، لكن الآجن يمكن شربه، والآسن لا يمكن شربه لفرط تغيره قاله شيخنا رحمه الله تعالى، والأظهر العكس لقوله تعالى: ?مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ?{محمد:15}، ليكون من باب التنبيه على انتفاء الأعلى بانتفاء الأدنى، ولم يذكر في الكشاف فرقاً بينهما قال فيه: يقال أسِنَ الماء وأجِنَ إذا تغير طعمه وريحه، ومثل ما ذكره شيخنا ذكره صاحب المصباح، لكن كلام الله تعالى يجب أن يحمل على أبلغ الوجوه وأفصحها، [ وملابسها الفاخرة، ] من سندس وإستبرق، [ وزوجاتها الحسان ] جمع حسناء وهي ذات الحسن [ الطاهرة، ] عن الأدناس والأقذار كالفضلات الرديئة كدم الحيض ونحوه والمخاط وغير ذلك مما هو شأن أهل الدنيا، فأزواج أهل الجنة مطهرات أي منزهات عن أن يكون بهن شيء من ذلك وهو يعم الأزواج التي خلقها الله تعالى لهم من الحور العين، وأزواجهم المؤمنات التي كانت معهم في الدنيا فتصير الواحدة منهن كإحدى الحور العين، قال الله تعالى: ?ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ?{الزخرف:70}، وقد ورد في السنة ما يدل عليه والغرض الاختصار، [ والبهية ] من البهاء وهو شدة الإنارة [ الناضرة، ] من النضارة وهي الحسن قال الله تعالى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ?{القيامة:22}، أي حسنة ذات حسن وجمال [ ونحو ذلك(1/1144)


مما بينه الله تعالى ] من أوصاف الجنة [ في كتابه المجيد، ] وعلى لسان نبيه الصادق صلى الله عليه وآله وسلم، ولو لم يكن من وصفها إلا قوله تعالى: ?وَلكم فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?{الزخرف:71}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر "، لكفى [ وهو حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ].
فهذا هو الكلام على المسألة الأولى من مسائل الوعد والوعيد وهي مسألة مصير المؤمنين إلى الجنة وخلودهم فيها أبداً وهي معلومة من الدين ضرورة.(1/1145)

229 / 311
ع
En
A+
A-