مسألة: العقاب يستحق على الكبيرة والصغيرة
مسألة: العقاب يستحق على الكبيرة والصغيرة لانقسام المعصية إليهما خلافاً لقوم فقالوا: لا يستحق على الصغيرة.
لنا: لو لم يستحق عليها عقاب لما كانت معصية، فأما إسقاط عقابها في حق المؤمن فلا دلالة فيه على عدم الاستحقاق، بل على عدم إيصاله لما استحق المؤمن الثواب تعذر معه إيصال العقاب لما بينهما من التنافي، لأن الثواب منافع مقرونة بالتعظيم والتجليل، والعقاب مضار مقرونة بالاستخفاف والإهانة.
فإن قيل: يتعاقبان فلا تنافي.
قلنا: إن صح التعاقب في المنافع والمضار ما صح في لازم كل منهما وهو أن التعظيم والتجليل لازم الثواب، والإهانة والاستخفاف لازم العقاب، لأن التعظيم والاستخفاف يدومان ويستحقان من عقيب فعل الطاعة أو المعصية كالمدح والذم.
وبعد فاسقاط عقاب الصغيرة إنما هو في حق المؤمن فقط دون صاحب الكبيرة فهو مُؤاخذ بهما معاً.
فثبت ما قلنا من استحقاق العقاب على الصغيرة كما ثبت على الكبيرة، وإن سقط الإيصال على الصغيرة في حق المؤمن فلعارض كما ذكرنا.
وبعد فسقوطه في الصغيرة الواقعة من المؤمن إنما سقط من جهة الإضرار به والاستخفاف والإهانة لا من جهة تنقيص ثواب طاعاته أو أعواض آلامه، وإلا لزم الاستواء بين من أفرط من فعل الصغائر وبين من لم يفعلها رأساً أو فعل شيئاً منها غير مفرط وهو باطل كما مر.
هذا وأما انقسام الطاعة إلى صغيرة وكبيرة فلا يتأتى ولا يعلم في طاعة كونها صغيرة ولا أنها كبيرة إلا التوبة العامة لكل ذنب النصوح الخالصة عن كل ما يشوبها من الكدر كالعجب وإساءة الظن والقنوط من رحمة الله، وذلك أمر استأثر الله بعلمه، ذكر معنى ذلك المنصور بالله عليه السلام في حديقة الحكمة شرح الأربعين السيلقية.(1/1136)


مسألة: اتفقت العدلية على استحقاق الطاعة والمعصية والثواب والعقاب
مسألة: اتفقت العدلية على استحقاق الطاعة والمعصية الثواب والعقاب وعلى عدم صحة إسقاط الثواب، واختلفوا بعد ذلك بالنظر إلى صحة إسقاط العقاب عقلاً، فقالت البغدادية وبعض ائمتنا عليهم السلام: لا يصح إسقاطه بحال لما فيه من الإغراء بفعل القبيح.
قلت: ولما في القول بصحة إسقاطه من نقض الأصل المتفق عليه وهو استحقاق العقاب عقلاً على المعصية. وقالت البصرية وبعض أئمتنا عليهم السلام وبعض الزيدية: يجوز إسقاطه بالعفو عقلاً إذ لا مانع إلا السمع وهو ما علم من الدين ضرورة أن مصير الكافر إلى النار ولو خلي العقل وشأنه ولم يرد الشرع بخلود الكافر في النار لحكم في العاصي بصحة أن يعفو عنه وصحة أن يعاقب، وكالدين فإنه يصح إسقاطه بلا تناكر،وقالوا: لا يسلم أن تجويز العفو يؤدي إلى الإغراء بفعل القبيح، وإنما الذي يؤدي إليه دعوى العلم بالإسقاط كما في دعوى بعض المرجئة ذلك في حق المسلم مرتكب الكبيرة، وقالوا: إن الإسقاط بعد الثبوت لا يدل على عدم الاستحقاق كالدين.
هذا وإذا تأملت المسألة لم تجد ثمرة للخلاف بعد قطعهم الجميع بمصير الكافر إلى النار وخلوده فيها، واتفاقهم على عدم وقوع عفو عنه إلا ما ذكره عنه صاحب شرح الأساس حيث قال: ثم اختلفوا هل يعلم أنه يفعل ويقطع به أي العقاب عقلاً أم لا.
فقالت البصرية: لا يعلم بذلك إلا سمعاً فقط لا عقلاً فإن العقل يُجوِّز العفو عنه.
وقالت البغدادية: يعلم من جهة العقل أنه يفعل لا محالة وأنه لا يُجوِّز العفو أصلاً، قال الإمام المهدي عليه السلام : وهو بناء على أن العقاب لطف للمكلفين فلا بد من وقوعه حينئذ.
وفي الأساس: ويحسن العفو عن العاصي إن علم ارتداعه كالتائب اتفاقاً، ولا يحسن العفو عنه إن علم عدم ارتداعه عن العصيان وفاقاً للبلخي وبشر بن المعتمر وخلافاً للبصرية.(1/1137)


قلت: وهذا التفصيل جيد إلا أن قوله: كالتائب، ينظر ما المراد به هل المراد أنه يحسن العفو عن التائب، والكاف ليست للتشبيه بل للتمثيل من الذي يحسن العفو عنه فهذا لا نزاع فيه بل الإجماع قائم عليه، لأن التائب لا خلاف في حسن العفو عنه ووقوعه أو المراد أنه يحسن العفو عن المرتدع كما يحسن العفو عن التائب، فما المراد بالمرتدع اللهم إلا أن يقال: المرتدع من يندم على الفعل لما لقي عليه من الوبال لا التائب المقلع، استقام الكلام لكنه رجوع إلى كلام البصرية، والله أعلم.
مسألة: وحيث أن العقاب عن المعصية شُرِع للزجر عنها ولم يصح إسقاطه مع الإصرار عليها وكان فيه على مرتكبها الضرر والنكال، شرع الله تعالى التوبة فرجاً ومخرجاً للعاصي لتكون له سبيلاً إلى تلافي النفس عن الهلاك، ولا خلاف في سقوط العقاب بها فتجب على العاصي عقلاً لما فيها من حفظ النفس وتلافيها عن التهلكة وذلك واجب عقلاً، وهل يجب على الله شرعية التوبة وقبولها ممن فعلها على شرائطها، أما شرعيتها فلم أجد لأحد نَصَّاً في إيجابه فينظر.
ويمكن أن يقال: لما خلق الله في المكلف شهوة فعل القبيح كان كالمسبب لإيقاعه فيه فوجب عليه شرعية التوبة.(1/1138)


ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه وإن خلق فيه شهوة القبيح فليست موجبة لفعله، فلم يؤت المكلَّف إلا من جهة نفسه فلا تجب على الله شرعية التوبة، بل ذلك تفضل كشرعية غيرها من الواجبات ولا شك في حسن شرعية التوبة، وإنما الكلام في وجوب ذلك من عدمه، وأما قبولها فقد مر الكلام على ذلك، فجمهور المعتزلة وبعض أئمتنا عليهم السلام يقولون بوجوب ذلك على الله تعالى، وبعض أئمتنا عليهم السلام يقولون: يفعله قطعاً، قال جمهور أئمتنا عليهم السلام: ولا يسقط عقاب المعصية شيء سوى التوبة، وقال أهل الموازنة من أئمتنا عليهم السلام وبعض الزيدية وبعض المعتزلة: بل وزيادة الطاعات أو زيادة ثوابها يسقط عقاب المعاصي في حق أهل الصلاة دون الكافر فلا تسقط طاعاته شيئاً من عقابه، وفي التوبة وتكفير السيئات مسائل ستأتي، وإنما قدمنا ما يلزم تقديمه من المسائل المتعلقة بالاستحقاق وسقوطه لما ينبني على ذلك من ثبوت أصل الوعد والوعيد من حيث هما، وحيث قد كمل المراد من ذلك فلنعد إلى الكلام في شرح مسائل المختصر.
قال عليه السلام : [ فصل ](1/1139)


[ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ فما تدين به في الوعد والوعيد ؟ ] وقد عرفت حقيقتهما بما مر غير أنه لم يتقدم لهما ذكر من المؤلف، فاللام فيها للعهد الذهني أي المعلوم عند المخاطب ذهناً، وقد ذكر في هذا الفصل مسألتين من مسائلهما، وأصل الوعد والوعيد إنما يتناولان أربع مسائل من المسائل التي جرت عادة المتكلمين بذكرها في باب الوعد والوعيد وهي: مسألة مصير المؤمنين إلى الجنة، ومسألة مصير الكفار إلى النار، ومسألة مصير الفساق إلى النار، ومسألة الشفاعة، وما عدا هذه الأربع إنما ذكرت في هذا الباب لما لها به من التعلق كونها أنسب بالذكر فيه من غيره من الأبواب التي مر ذكرها، وبعض المؤلفين يفرد لها أبواباً على حدتها والكل مناسب، وأما مسألة فناء العالم ومسألة إعادته فإنما ذكرا في هذا الباب لترتب الوعد والوعيد وقوعاً عليهما دون العلم بثبوتهما فمترتب على الاستحقاق العقلي دون العلم بوقوعهما، فمترتب عليه وعلى ثبوت النبوة التي هي أصل لكل ما يذكر بعدها في هذا الفن.(1/1140)

228 / 311
ع
En
A+
A-