مسألة: أجمع المسلمون على دوام ثواب المؤمنين وعقاب الكافرين
مسألةٌ: أجمع المسلمون على دوام ثواب المؤمنين وعقاب الكافرين الأخرويين سمعاً، وأجمعوا أيضاً على حسنه، وإن اختلفوا في الاستحقاق العقلي حسبما مر، فلا خلاف بينهم في وقوع ذلك دائماً إلاَّ ما يروى عن مقاتل بن سليمان وأصحابه من إنكار عقاب الكفار أو إنكار دوامه، قال شيخنا رحمه الله تعالى: فإن صح فالإجماع قبله وبعده، يعني منعقد على خلافه.
ونقول: أما الاستحقاق فقد مر الكلام عليه.
وأما الدوام: فهو معلوم من الدين ضرورة في حق المؤمنين والكفار واستدلالاً في خلود الفساق في النار عند جمهور العدلية كما سيأتي، لكن ينبغي هاهنا معرفة وجه حسن الدوام عقلاً، فأما دوام الثواب فلا إشكال في حسنه عقلاً، لأن ذلك تكرم وتفضل وإحسان ولا يستحق الدوام ولا يجب عقلاً لكن ثبت بوعد من لا يخلف المعياد، لأن المستحق على الطاعة عقلاً إنما هو وقوع الإثابة المساوية لفعل الطاعة فالزيادة إلى عشرة أمثالها أو أكثر، والدوام ليس إلا محض تكرم وتفضل وإحسان وإلا لوجب الدوام على كل من صنع إليه معروفاً أن يكافي عليه دائماً أبداً وذلك محال ولا قائل به.
وأما حسن دوام العقاب من جهة العقل فقد استشكله الإمام عز الدين عليه السلام في المعراج في شرحه على منهاج القرشي، وروى استشكاله عن بعض العلماء وأكده بقوله أو معناه: أن المعصية سواء كانت كفراً أو فسقاً منقطعة، فكيف يستحق عليها عقاب على أبلغ العقاب وهو النار على سبيل الدوام وعدم الانقطاع مع كون المعصية لا تضره عز وجل وإن بلغت في القبح والكفر أو الفسق أي مبلغ، ثم قال: فلا يسع المكلف إلا الإيمان بذلك والتصديق به على سبيل القطع وإن جهلنا وجه حسنه.(1/1131)
هذا معنى كلامه عليه السلام أو ما يقرب منه وهو سؤال وإشكال وارد على أصول العدلية، فأما المجبرة فهم عنه في راحة لما أنكروا التحسين والتقبيح العقليين وقالوا: لا يقبح من الله شيء وإن قبح مثله في الشاهد،وما ذكره عليه السلام من الإشارة إلى وجه الجواب عن هذا السؤال والإشكال من قوله: فلا يسع المكلف إلا الإيمان بذلك والتصديق به على سبيل القطع، فهذا جواب إجمالي يعني أنه من جملة أفعال الله تعالى، وأفعاله تعالى كلها حكمة وإن جهلنا وجه الحكمة وحسن الفعل في بعضها، وهذا وإن كافأ العدلي على سبيل الجملة فللجبري المناقشة والمناظرة عليه حتى يجاب عليه بجواب مقنع لا يبقى معه إشكال، وإلا صح للجبري أن يجعل ذلك أحد أدلته على صحة مذهبه في إنكار التحسين والتقبيح وثبوت الجبر وما يتفرع عليه من جميع مقالاتهم ومذاهبهم الباطلة، فإذاً لا بد من معرفة الجواب التفصيلي الاقناعي ولم أجد من تعرض له، وتعقب كلام الإمام عليه السلام بحل ذلك السؤال وإزاحة ذلك الإشكال فينظر.(1/1132)
ويمكن الجواب وبالله التوفيق: أن يقال إن الله تعالى لما أرسل الرسل صلوات الله عليهم مبشرين ومنذرين، ونصب معهم المعجزات الدالات على صدقهم في كل ما أخبروا به دلالة لا يرتاب من نظر في تلك المعجزات مشاهدةً أو تواترت له في صدق خبرهم عن الله تعالى أنه وضع العقاب بالنار المؤبدة على من كفر به عز وجل أو فسق بارتكاب ما حرمه قطعاً، فبعد هذا الخبر خرج الإضرار الدائم بمن تمادى إلى ما وضع العقاب الدائم على مرتكبه عن كونه ظلماً أو عبثاً أو غير مستحق، لأنه يصير مع نصب الأدلة على صدق المبلغ كمراضاة مشتري السلعة التي لا تساوي إلا درهماً أو ديناراً بألف ألف درهم أو ألف ألف دينار أو أكثر، ثم قال مالكها لا يقدم إلى أخذها إلا من رضيها لنفسه بهذا الثمن ومن أخذها من دون رضاء بهذا الثمن فليعلم هو ومن أخذها راضيا به أني لا أحط عن أحد منهما درهماً ولا ديناراً، فإن الآخذ لتلك السلعة بعد علمه بصدق هذا الخبر قد أُتي من جهة نفسه ولم يكن له ظالماً سواها، ثم إذا كان البائع حكيماً بأن ما قصد في تلك الزيادة والمغالاة في الثمن إلا لينصرفوا عن شرائها لما فيها من المضرة عليهم بأن كان فيها سم أو نحوه كان محسناً إليهم بمغالاة الثمن وإرسال المخبِر المؤتمن.(1/1133)
وحينئذ اندفع السؤال وكشف عنه نقاب الإشكال ولم يبق لمجبر ولا غيره في ذلك أي مقال، وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى معنى هذا الكلام في كثير من الآيات الكريمة قال تعالى: ?رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ?{النساء:165}، وقال تعالى: ?وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ ?{الزخرف:76}، ?وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ? {هود:101}، ?وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ?{الأحقاف:34}، ?كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ o قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ?{الملك:8،9}، ?وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينoقِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ?{الزمر:71،72}، وغير ذلك من الآيات.(1/1134)
وأظهر من هذه الآيات في الدلالة على أن الله سبحانه وتعالى قد أزاح العلة و استحق العقاب على سبيل الدوام قوله تعالى: ?لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ ?{الزمر:16}، فنص سبحانه وتعالى أنه إنما ضاعف العذاب وأغلظه على العصاة لمصلحة لهم وهي أن ينزجروا من العصيان ويتقونه سبحانه بترك المعاصي وفعل الطاعات، فإذا خالفوا بعد هذا الإخبار الصادق فإنما أوتوا من جهة أنفسهم فإن أوقعوها في مقتضى دوام العقاب وإغلاظه ولا يتهم الله سبحانه في ذلك. وفي الحديث القدسي: " فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "، ثم إذا كان هذا البائع ملك للرعية ذا سلطان واقتدار وشفقة ورحمة بهم، فأمر الرسول وقال له أخبرهم مع ذلك أن ثمة سلعة عظيمة النفع تساوي ألف ألف دينار أو أكثر ولا ضرر فيها على أحد وقد بذلناها لهم بدرهم واحد أو دانق كان إذاً محسناً إليهم الجميع إحساناً آخر شامل لهم الجميع على سواء الذي شرى هذه والذي شرى تلك، لكنه أتى ذاك من جهة نفسه بسوء الاختيار لها، ثم إذا ألزم الرسول أن يرغبهم ويحسن القول لهم في شراء هذه ويحذرهم ويرهبهم عن شراء تلك مبالغة من الملك في إرادة نفعهم ودفع الضرر عنهم كان إذاً محسناً إليهم الجميع إحساناً ثالثاً على سواء ?وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ?{إبراهيم: 34}، نسأل الله التوفيق والعصمة من النار.(1/1135)