ظَلَمُوا ? الفاعلين ومن لم ينكر بقلبه ولا بلسانه فلا دلالة في الآية على الوجوب مع ظن عدم التأثير حيث قد أنكر بقلبه.
قلت: الأظهر والله أعلم أنه يدخل تحت المسألة صور ثلاث: أحدها: ظن التأثير. ثانيها: ظن عدم التأثير. ثالثها: استواء الأمرين، وذلك بأن لا يظهر له ولا يظن تأثيراً ولا عدمه بل شك أو لم يخطر بباله ذلك، فإن جعلنا الشرط ظن التأثير سقط الوجوب عند استواء الأمرين، وعند ظن عدم التأثير من باب الأولى، وإن جعلنا الشرط أن لا يظن عدم التأثير وجب مع الاستواء وهذا هو الأَوْلَى، والتعليل بقولهم: وإلا كان عبثاً إنما يستقيم عليه لأنه لا عبث مع استواء الحالين إنما العبث مهما علم أو ظن عدم التأثير،وقد حكى القرشي في المنهاج الاتفاق أنه إذا علم أو ظن عدم التأثير أنه لا يجب، وأن عند استواء الأمرين يجب، وقيل: يحسن فقط.
الثالث: أن لا يعلم ولا يظن أن أمره ونهيه يؤديان إلى إتلاف بنفسه أو عضو منه أو ضرر بطول حبس أو مال مجحف هذا قول الجمهور، وفي الأساس: أن الضرر والتشريد وانتهاب المال غير مرخصة لترك الأمر والنهي، وإنما جاز ترك الأمر والنهي عند ما ذكر لأنه قد جاز له فعل المنكر عند الإكراه وأكل الميتة عند الاضطرار فبالأولى ترك الأمر والنهي المؤديان إلى ذلك.
الرابع: أن لا يعلم ولا يظن أن أمره ونهيه يؤديان إلى ترك واجب أهم أو أعظم مما أمر به أو إلى منكر أنكر مما نهى عنه، فإن علم أو ظن ذلك فمع عدم ظن التأثير لزوال المنكر الأول أو لحصول المعروف الذي سيأمر به لا يجب الأمر ولا النهي إجماعاً لأنه يصير كالإغراء بفعل المنكر أو تضييع المعروف الآخر وجب عليه الأمر والنهي فيهما ما استطاع، هذا قول القاسم عليه السلام في الأساس وهو الصحيح، وقال غيره إنه إذا ظن حصول ما هو أنكر أو ضياع ما هو معروف أعظم سقط عنه وجوب ذلك من غير فرق بين ظن تأثير وعدمه.(1/1121)


الخامس: أن لا يكون الفاعل مقرراً على الفعل كالخمر في حق الذمي وكالمختلف فيه على من هو مذهبه، هذا الشرط الخامس عند بعض العلماء ولا بد منه، وبعضهم لم يذكره ويجعل الشرط الخامس: أن يعلم أو يظن أنه إن لم يأمر بالمعروف فات وضاع وإن لم ينه عن المنكر وقع، أما إذا ظن أن المعروف سيقع من حيث أن الغير سيأمر به أو أن المنكر لا يقع من أن الغير سينهى عنه فلا يجب عليه الأمر والنهي حينئذ، وهذا ليس بشيء لأنه في الحقيقة إن قد قام به الغير فقد سقط الوجوب، وإن لم يكن قد قام به الغير فالوجوب باق عليه على سبيل الكفاية، فلم تتحقق ثمرة لهذا الاشتراط، والله أعلم.
واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب يجب أن يكونان عليها فتجب معرفتها، وإلا أدى إلى أن يأمر بالمعروف على صفة يقبح الأمر معها، وينهى عن المنكر على صفة يقبح النهي معها:
المرتبة الأولى: أن يبدأ بالقول الرفق والكلام اللين، لأن العدول عنه مع كونه كافياً إلى ما فوقه من الإغلاظ والشدة عبث وظلم لأنه ضرر لا حاجة إليه،وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ?فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ?{طه:44}، وسواء ظن أو علم أن القول اللين والرفق يحصل عندهما التأثير أو ظن أو علم أنه لا أثر لهما فإنه يحسن تقديمهما بكل حال، لكن إذا علم أو ظن أنهما كافيان وجب الاقتصار عليهما وإلا حسن تقديمهما كما في الآية الكريمة.
المرتبة الثانية: حيث علم أو ظن أن الرفق والقول اللين لا يؤثران فقد قلنا يحسن تقديمهما، لكن إذا لم يفعل ذلك أو فعل ولم يؤثر وجب الانتقال إلى القول الشديد والزجر بالتهديد والوعيد إن لم يمتثل أو ينزجر.(1/1122)


المرتبة الثالثة: إذا لم يؤثر الإغلاظ والشدة بالقول والتهديد، فلا يخلو إما أن يكون من باب الأمر بالمعروف فلا يجوز مجاوزة ذلك إلى الضرب بسوط أو ما فوقه إلا لذي الولاية كالإمام والولاة من طرفه، وفي المحتسب خلاف، وكولي الصبي والمرأة والعبد في إجبارهم على الصلاة ونحوها من الواجبات، وأما الآحاد فلا يجوز لهم الضرب ونحوه على فعل الواجبات، قال في الأساس: لعدم الدليل عليه.
قلت: ولأن في فعل المعروف للمأمور به جلب نفع وضربه عليه إضرار به، والإضرار بالغير لا يجوز وإن فاته النفع، وإما أن يكون من باب النهي عن المنكر، فإما أن يكون من المحرمات القطعية كأن يرى إنسان مسلماً يتناول الخمر ليشربها أو يأخذ امرأة أو نحوها ليفجر بها أو يحاول قتل نفس محرمة أو نحو ذلك وجبت المدافعة عن هذا المنكر ولو بالسيف ولو إلى حد القتل وإن لم يكن مما علم تحريمه قطعاً، بل هو من المحرمات النظرية كبعض صور الربا وتلقي الجلوبات وبيع حاضر لباد لم تجز الزيادة على القول والوعظ والتذكير لما فيه من ارتكاب الإضرار بالغير لمجرد الظن بكونه منكراً، فلا تجوز إلا لذوي الولاية العامة أو الخاصة كولي الصبي والمرأة والعبد والله أعلم، فأما المختلف فيه على من هو مذهبه فلا يجوز الإنكار بحال إلا على سبيل المذاكرة والمباحثة في المسألة لقصد معرفة وجه الحق فيها وطلباً للاتفاق وارتفاع الخلاف وحصول الائتلاف.
I(1/1123)


الباب الرابع في الوعد والوعيد وما يتصل بهما
من الإحباط والتكفير، وأحوال الآخرة والأسماء والأحكام المتعلقة بالمكلفين من أهل الطاعات والمعاصي، وذكر الشفاعة وبيان أهلها ومستحقيها وما يتصل بذلك
واعلم أن الوعد: هو الإخبار بالثواب، والوعيد: الإخبار بالعقاب، هذا في أصل اللغة، ثم صارا خاصين عند أهل هذا الفن بما إذا كان ذلك الإخبار من جهة الله تعالى لعباده سواء كان بواسطة كإخباره المؤمنين والمجرمين بواسطة الرسل، أو بلا واسطة كإخبار الملائكة بما لهم من الثواب، والأنبياء إن أوحى الله إليهم بلا واسطة ملك، وهذا يعم سواء كان ذلك الثواب أو العقاب في الدنيا أو في الآخرة، ثم قصر على ما إذا كانا في الآخرة وهو المراد بما عقد له الباب، وتعلقت به العقائد والمعارف اللازم معرفتها على كل مكلف.
وهذه مسائل ينبغي تقديمها قبل شرح مسائل المختصر لترتبها عليها:(1/1124)


مسألة: الثواب
مسألة: الثواب: هو المنافع المفعولة على وجه الإجلال والتعظيم المستحقة بمقابل فعل الطاعة، فقولنا المفعولة على وجه الإجلال والتعظيم. خرجت الأعواض على الأمراض والنقائص، فلا يقال لها في الاصطلاح ثواب بل أعواض لاستحقاقها من لا يصح إجلاله وتعظيمه كالبهائم والفساق والكفار على قول، لكن لما لم يصح إيصالها إلى الفساق والكفار لمنافاة المنافع العقاب أسقط من عقابهما بقدر تلك الأعواض على الصحيح، وقد تقدم الكلام على ذلك في فصل الآلام، وقولنا: المستحقة بمقابل فعل الطاعة خرج به التفضل، فلا يقال له ثواب.(1/1125)

225 / 311
ع
En
A+
A-