قال عليه السلام [ فإن قيل لك: ] أيها الطالب الرشاد [ فما تدين به في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ ] أي ما تعتقده ديناً تدين الله تعالى به، وتحكم أنه من دين الله الذي شرعه لعباده، [ فقل: أدين الله تعالى أنه يجب الأمر بالمعروف الواجب والنهي عن كل منكر. ]، نص عليه السلام على وجوب فعل الأمر والنهي ولم ينص على وجوب اعتقاد ذلك، لكنه أدخله ضمناً في قوله: أدين الله تعالى الخ، قال في الأساس: يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إجماعاً، ومثله في شرحه أنه إجماع الأمة، وكذلك في منهاج القرشي حيث قال: ولا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن اختلف في كيفيته هل يجب بالقول والفعل أو بأحدهما، وكذلك حكى شيخنا رحمه الله تعالى في حاشيته عن المؤيد بالله والدواري وغيرهما أنه إجماع، وبه جزم المؤلف عليه السلام في المختصر بقوله: لإجماع المسلمين على ذلك، لكنه يفهم منه أن الإجماع بالنظر إلى النهي عن المنكر فقط دون الأمر بالمعروف، فلا تصريح فيه بوقوع الإجماع عليه كما يظهر لمن تأمل كلامه الآتي، وحكى الإمام المهدي عليه السلام في القلائد والشارح عن الحشوية أنهما لا يجبان مطلقاً، وعن الإمامية أنهما لا يجبان إلا مع وجود الإمام، ومثله ذكر شيخنا رحمه الله تعالى في السمط، وحينئذ فالرواية عن الحشوية مضطربة هل يجبان أم لا، ولعلهم يوافقون في وجوب ذلك بالقول فقط ويخالفون في وجوبهما بالفعل والإكراه كما في بعض الروايات عنهم، وعليه يحمل ما حكاه عنهم من ذكرنا جمعاً بين الروايات والله أعلم.(1/1116)
نعم واختلف في الدلالة على وجوب ذلك هل عقلاً وسمعاً أم سمعاً فقط ؟ فالذي عليه الجمهور من الزيدية والمعتزلة وغيرهم: أن ذلك سمعاً فقط، وقال أبو علي: إن ذلك يجب عقلاً وسمعاً، وقال أبو هاشم: لا يجب عقلاً إلا في صورة واحدة وهي حيث يلحق الرائي للمنكر برؤيته غم وتضرر، فيجب دفع ذلك المنكر عقلاً لإزالة ما وقع في النفس من الضرر، لأن ذلك واجب عقلاً بلا إشكال.
والدليل على ذلك من السمع: أدلة كثيرة منها ما ذكرها عليه السلام بقوله [ لقوله تعالى: ?وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ? ] ، وقوله تعالى: ?لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ o كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ?{المائدة:78،79}، وقوله تعالى: ?وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ?{لقمان:17}.
ومن السنة أدلة كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل ".
وأخرج محمد وأبو طالب والمرشد بالله من طريق زيد بن علي عليهما السلام: " لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم ".
وأخرج الناطق بالحق والمرشد بالله عن الحارث بن محمد وابن أبي حاتم عن جرير مرفوعاً: " ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع فلم يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من عنده ".(1/1117)
وأخرج الناصر للحق والمرشد بالله وأحمد والترمذي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطاناً جائراً لا يجل صغاركم ولا يوقر كباركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم ".
وأخرج الناطق بالحق والمرشد بالله والحارث بن محمد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " من أنكر المنكر بقلبه فقد أنكر بخصلة من الحق، ومن أنكر بقلبه ولسانه فقد أنكر بخصلتين من الحق، ومن أنكر بقلبه ولسانه ويده فقد أنكر بالحق كله، ألا أنبؤكم بميت الأحياء من لم ينكر المنكر بقلبه ولا بلسانه ولا بيده ".
وأخرج السيلقي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا ".
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة إذا أقيمت استقامت السنن، أخرجه المرشد بالله عليه السلام .
[ وإنما قلنا: يجب الأمر بالمعروف الواجب. ] دون المندوب، وإن كان اسم المندوب يشملهما [ لإجماع المسلمين أنه لا يجب الأمر بالمعروف المندوب، ]، وقد حكى في القلائد خلافاً لأبي القاسم البلخي فقال: بل الأمر بالمندوب واجب أيضاً إذ هو معروف، وقال القرشي في المنهاج: كان المتقدمون من شيوخنا يطلقون القول بوجوب ذلك إطلاقاً حتى جاء الآخرون ففصلوا فجلعوا الأمر بالواجب واجباً والأمر بالمندوب مندوباً قالوا: لأنه لا يزيد حال الأمر على حال المأمور به، فلعل ما ذكره عليه السلام من الإجماع محمول على انقراض خلاف أبي القاسم والله أعلم. [ فلم يبق إلا القضاء بالأمر بالمعروف الواجب مع الإمكان، ] واجتماع الشرائط التي ذكرت شرطاً في وجوب ذلك كما سيأتي تفصيلها [ وإلا ] أي وإن لم نقل بوجوب الأمر بالمعروف الواجب والنهي عن المنكر [ بطلت فائدة الآية، ] ودلالتها على ذلك [ ومعلوم خلاف ذلك، ] لأن إبطال دلالة الأدلة وتعطيل فائدتها لا يجوز لغير ناسخ ولا مانع لأنه إهمال لكلام الحكيم وهو لا يجوز.(1/1118)
[ وإنما قلنا: يجب النهي عن كل منكر ] على سبيل الإطلاق من دون تقييد كما في الأمر بالمعروف، لأن المعروف انقسم بين واجب ومندوب بخلاف المنكر فلا ينقسم، إذ ليس المكروه قسم منه بل قسم برأسه أو قسم من المباح بأن يكون المباح قسمين ما يستوي فيه الفعل والترك، وما يرجح فيه الترك على الفعل، فقلنا: يجب النهي عن كل منكر، [ لإجماع المسلمين على ذلك، ] أي على وجوب النهي عن المنكر، وهذا يدل على ما قدمناه من حمل الإجماع على النهي عن المنكر دون الأمر بالمعروف، فيحمل خلاف الحشوية في الوجوب على الأمر بالمعروف أو على أن خلافهم في النهي عن المنكر أنه لا يجب بالفعل بل بالقول فقط [ ولأن المنكرات كلها قبائح فيجب النهي عن جميعها مع الإمكان، ] وقوله [ كما يلزم الأمر بالمعروف الواجب مع الإمكان ] زيادة في الإيضاح، وليس المراد به الاحتجاج بالقياس، لأن النهي عن المنكر أشد وآكد في الوجوب لما فيه من وجوب الدفع عن فعل القبيح للآحاد ولو بالقتال، بخلاف الأمر بالمعروف الواجب، فلا يجب ولا يجوز القتال عليه إلا لأولي الأمر من الأئمة الهادين ومن يلي من جهتهم أو المحتسب على قول حسبما مر تفصيله.(1/1119)
شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأشار عليه السلام بقوله: مع الإمكان. إلى اشتراط الشروط اللازمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي خمسة:
الأول: أن يعرف الآمر والناهي أن الذي يأمر به واجب أو مندوب، وأن الذي ينهى عنه منكر قبيح، إذ لو لم يكن عارفاً بذلك لم يؤمن أن يكون آمراً بمنكر أو ناهٍ عن معروف.
الثاني: أن يعلم أو يظن أن لأمره أو نهيه تأثير وإلا كان عبثاً إلا أن يكون نبياً أو إماماً فيحسن، هذا قول الجمهور، وقال الإمام القاسم عليه السلام في الأساس: يجب وإن لم يظن التأثير على كل من إمام أو غيره لتبليغ الحجة وإسقاط المعذرة لقوله تعالى: ?قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ o فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ? {الأعراف:164،165}، أخبر الله عن أصحاب بئيس القرية التي كانت حاضرة البحر بأنه ابتلاهم بمجيء الحوت يوم السبت والاصطياد محرم فيه وعدم مجيه فيما عداه من سائر الأيام، فأعملوا الحيلة لاصطياده بنصب الشباك يوم الجمعة فتأتي يوم السبت فتحبس فيها إلى يوم الأحد فيأخذوها، فانقسموا ثلاث فرق عند ذلك منهم من قال: إن ذلك لا يجوز وأنه منكر فنهوا عنه، ومنهم من قال: إنه كذلك ولم ينهوا لعدم ظن التأثير، ومنهم المقترف لذلك الإثم بتلك الحيلة، فأخبر تعالى بنجاة من نهى، وإهلاك من عداهم وسماهم ظالمين، هذا وجه استدلاله عليه السلام بالآية، ولعل أن من يشترط ظن التأثير يقول إن الناهين إنما نهوا لظنهم التأثير مع المعذرة لقوله تعالى: ?وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ?، وقوله: ?فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ ?، يدل على نجاة من أنكر بقلبه وإن لم ينه بلسانه، فلم يبق إلا أن المراد بقوله: ? وَأَخَذْنَا الَّذِينَ(1/1120)