قلت وبالله التوفيق: الاحتجاج بالآية محتمل ويحتمل أن المراد بالركون إليهم الميل إليهم بالمحبة والمعاونة على ظلمهم فلا دلالة فيها على ما نحن بصدده لأن ذلك من باب فعل الخير، وقد قال تعالى: ?فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ?{الأنبياء:94}، ?وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ?{آل عمران:115}، ولابد مع ذلك من اشتراط عدم مقارنة مفسدة من خذلان الإمام إن كان، واغترار العامة بمن تولى ذلك أن فيه صحة ولايتهم، وإذا كان في الزمان إمام وجب أخذ الإذن منه مع الإمكان، فإن لم فيفعل ذلك من انتصب له من باب الصلاحية، ولا يعتد بالتولية من جهتهم وإنما تكون له عوناً وعضداً على تنفيذ ما انتصب له، وقد روي عن بعض العلماء أنه سئل عن ما هذه شأنه فقال: إذا لم يتولى هذه الأمور خياركم تولاها شراركم، وعليه يحمل ما وقع من الصحابة من التولي من الظلمة فلا دلالة فيه على الجواز مطلقاً، وأما تنفيذ الأحكام الواقعة ممن أخذ الولاية فيها منهم فإن أخذها على الوجه المذكور صح الاعتماد عليه، وعليه يحمل قول الهادي عليه السلام أنه لا ينقض من أحكامهم ما وافق الحق وإن لا فلا، فإن التبس غلب الأحوط بحسب الحال، فإن كان قد أجري الحكم ثم وقع الترافع إلى الحاكم الموجود المولى من الإمام لينقض ما سبق من الحكم والإجراء فالأحوط عدم المساعدة إلى ذلك، وإن لم يكن قد أجري فالأحوط الإعادة ويؤسس الحكم على قواعده بنظر جديد، والله أعلم.(1/1111)
الطرف الثاني: تولي قبض الزكوات والأخماس وما يحتاج إليه الإمام من الجبايات والقتال لمن لم يدخل تحت ولايتهم من الرعية وتقويتهم بالمعاضدة والمناصرة فلا شك في تحريم ما هذا شأنه، والظاهر من الآية الكريمة الدلالة على ذلك ولا وجه لقصرها على الركون إلى الكفار فقط كما هو دأب علماء السوء، لأن اللفظ عام ولا وجه للتخصيص بل قام الدليل على منعه كقوله تعالى: ?إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?{الشورى:42}، وقال تعالى: ?وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ?{الفرقان:19}، ولاشك أن مطالبة من لا ولاية له على الزكوات ونحوها ممن وجبت عليه وإجباره على تسليمها تعدٍ وظلم، ثم تسليمها إلى الظلمة يقاتلون بها أهل الحق وينفقونها في المعاصي وفي غير مصارفها الشرعية ظلم آخر وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة فيجمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في جهنم "، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " المعين للظالمين كالمعين لفرعون على موسى "، ذكرهما في شرح الأساس.(1/1112)
الطرف الثالث: إذا غلب السلطان الجائر على أهل دار الإسلام ولم يكن معهم إمام يذب عنهم ويقاتلون العدو معه، فإن أمكنهم نصب محتسب يجمع شوكتهم ويلم شعثهم ويدفع عنهم ذلك السلطان الجائر وجب عليهم نصب المحتسب وإعانته بالمال والرجال، ويجوز الاستعانة بخالص أموالهم وبما مصارفه المصالح، ولو أخذ ذلك كرهاً مهما لم تتم المدافعة إلا به، ولا يجوز لهم الاستسلام والدخول تحت طاعته اختياراً أو تثاقلاً عن قتاله وكف يده لأن باستيلائه عليهم من المفسدة في الدين والدنيا ما يصغر عنده كلما يقاسوه من الشدة وجمع المال والرجال لمدافعته، لأن بولاية الظلمة تنطمس رسوم الشريعة المطهرة وتعطل الحدود والأحكام وترتكب الفجور والآثام، وقد قال تعالى: ?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ o مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ o بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ?{الصافات:24،25،26}، يعني كما استسلموا لظالم في الدنيا وانقادوا له عوقبوا بمثل ذلك من باب وجزاء سيئة سيئة مثلها مشاكلة، فإن كان معهم إمام وجب عليه وعليهم مدافعة الظالم عن حوزتهم وتناول ديارهم، فإن لم يكن ولا أمكن نصب محتسب يكون به دفع الظالم وحفظ الديار وجبت عليهم الهجرة إلى محل خلي عن مثل ما يظهر من الفساد فيما استولى عليه الظالم لقوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا ?{النساء:97}، وقال تعالى: ?وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ?{النساء:140}، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " لا(1/1113)
يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل " رواه في الأساس، ثم لا يجوز الوقوف إلا لمن له عذر شرعي كأن يرى في بقائه مصلحة لتعليم العلوم والفتوى وإرشاد الخلق أو لم يكن إمام ورأى من نفسه ذلك أو يخشى مع خروجه ضياع واجب أهم من تعطيل أوقاف ووصايا وأموال يتامى بنظره أو انقطعت ولايتها ولا يقوم بها غيره أو خشية ضياع عائلته ومن تلزمه مؤنتهم إن خرج بهم أو تركهم، فإن لم يخش عليهم ذلك وجبت عليه الهجرة بأهله إن أمكن أو بدونهم إن لم يضيعوا وإلا سقطت عنه مع انعزاله عن مواقف الظلمة إلا لمصلحة راجحة بحيث لو لم يحضر لكثر الفساد وتركت الواجبات أو بعضها، فإن لم يكن في حضوره مصلحة ولا ظن تأثيراً وجب الانعزال عنهم ومباينتهم، ويدل على جميع هذه الأطراف والصور قوله تعالى: ?فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنْفُسِكُمْ ?{التغابن:16}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
I(1/1114)
فصل في الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المخوف
قال الإمام المهدي عليه السلام : الوجه في إدخال هذه المسألة مع مسائل أصول الدين أنها مما يجب على المكلف العلم بها مع كونها أصلاً من أصول الشرائع، فإن قلت: فما وجه اختصاصها بالذكر دون الصلاة والزكاة ونحوها مع الاشتراك في كون الكل من أصول الشرائع ؟ قال: قلت: إن تلك العلم بها ضروري لا يفتقر إلى نظر، بل من علم نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم علم أنها من دينه ضرورة، بخلاف هذه فحسن ذكرها مع مسائل أصول الدين. انتهى كلامه والمسك ختامه، ذكره عنه في سمط الجمان.
قلت: ولكونها من أصول الدين، وجب على كل مكلف اعتقاد وجوب الأمر بالمعروف والنهي، فلذلك ذكرها أهل علم الكلام في المسائل الواجب معرفتها على كل مكلف، ولكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ومعرفة ما يتفرع على هذا الأصل من الصور والمسائل الاجتهادية من فروض العلماء، ذكرها العلماء في كتب الفقه مع سائر مسائل الفروع، فكان لهذه المسألة تعلقاً وارتباطاً لأن تذكر في الفنين المذكورين علم الكلام وعلم الفروع، لما افترق الحال فيها بين العلم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين فعلها، حيث صار العلم بالوجوب على الجملة فرض عين على كل مكلف دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعرفة ما يتصل بهما من التفريع فكفاية ومن فروض العلماء دون العوام.(1/1115)