مسألة: إذا قام قائم غير كامل الشروط في ديار لم يكن فيها إمام
الثانية: إذا قام قائم غير كامل الشروط في ديار لم يكن فيها إمام قائم كامل أو كان ولم يقم ولم يدع إلا أنه موجود صالح لها.
فلا يخلو حال ذلك القائم إما أن يكون فاطمياً أو غيره، إن كان فاطمياً وكان ورعاً مدبراً ومعه من العلماء والصلحاء من بهم تقوم الشريعة المطهرة وجب على الناس طاعته من باب الحسبة والتعاون على البر والتقوى، أو من باب الإمامة إن لم يفقد فيه سوى الاجتهاد ويكون على القول بجواز إمامة المقلد، ولا أظن مخالف يخالف في وجوب طاعته والحال ما ذكر سيما حيث يخشى تناول الأمر من ليس له بأهل من الظلمة وسلاطين الجور، فأما القطع بصحة إمامته أو بطلانها فلا ميل إلى أيهما ولا ثمرة لذلك إلا في الحدود، إن قلنا إنه لا يصح إقامتها إلا ممن ثبتت إمامته، كمن إذا كان الحال ما ذكر من وجود العلماء المحقين العارفين بكيفية إقامة الحدود، فلا ينبغي تعطيل الحدود ونحوها لمجرد اختلال الاجتهاد في ذلك القائم، والتردد في صحة إمامته، لأن وجوب إقامة الحدود قطعي وإسقاطها لأمر مختلف فيه يؤدي إلى تعطيلها، ويؤول إلى ترك القطعي لأمر ظني وهو لا يجوز، وأما إذا كان القائم غير فاطمي أو فاطمي غير ورع بل فاسق ظالم فيقطع ببطلان إمامته لما تقرر من الأدلة على عدم صحة إمامة غير الفاطمي، وبطلان إمامة الفاسق والظالم كائناً من كان، ثم إن كان غير الفاطمي ورعاً مدبراً كان محتسباً ووجبت طاعته وإعانته ونصرته في تنفيذ كل معروف واجب، وإزالة كل منكر، وليس له ولاية على قبض الزكوات ونحوها بل ولايتها إلى المالك المرشد وولي غيره يصرفها في مصارفها، فإن منعها وجب على ذلك المحتسب إجباره على إخراجها، وفي أخذها منه كرهاً وصرفها في مصرفها إن لم يخرجها بالإجبار خلاف، فقال الأستاذ والفضل بن شَرْوِين والقاضي جعفر: يجوز، وقال غيرهم لا يجوز لأن شرطها النية.(1/1106)
نعم فلو كان المحتسب غير عدل لكنه مقتدر مدبر حسن السيرة والمعاملة للناس، فالأظهر أن لا ولاية له من باب الحسبة لقوله تعالى: ?لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ?، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ليس لعرق ظالم حق لكن تجب إعانته على إقامة معروف أو إزالة منكر " كما نص عليه أهل المذهب الشريف، وهو محمول على ما إذا قد كان ثمة معروف أو منكر معلومان لا نصبه عموماً لكل أمر بمعروف ونهي عن منكر، إذ لا يؤمن مع فسقه أن يخون ويظلم ويتعدى ما ليس له.(1/1107)
مسألة: هل للإمام أن يتنحى عن الإمامة؟
الثالثة: هل للإمام أن يتنحى عن الإمامة بعد أن قام بها وتحمل أعباءها ؟
قال في شرح الأساس: فالذي نعرفه من مذهب أئمتنا عليهم السلام أنه لا يجوز له التنحي مهما وجد أعواناً أو كان راجياً لذلك لأنه قد تعلق به تكليف فلا يسقطه عنه إلا عدم الاستطاعة، فإن وجد من هو أنهض منه بالأمر وأنفع للمسلمين وجب عليه التنحي والله أعلم انتهى.
قلت: وقوله: فلا يسقطه عنه إلا عدم الاستطاعة، يعني سقوط الجهاد ونحوه من إقامة الحدود وأخذ الحقوق، فأما خروجه عن كونه إماماً واجب الطاعة فلا، وإن عجز عن تنفيذ ما أمره إليه لتغلب الظلمة ومنعه من جهة سلاطين الجور كما في حال الحسن عليه السلام بعد الصلح، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا "، فكذلك غيرهما ممن قد ثبتت إمامته بالقيام والدعوة ثم طرى بعد ذلك ما منعه التصرف.(1/1108)
مسألة: بماذا تبطل إمامة الإمام بعد انعقادها؟
الرابعة: بماذا تبطل إمامة الإمام بعد انعقادها ؟
قال في شرح الأساس: فهي تبطل بثلاثة أشياء:
الأول: من فعل الله تعالى، وهو ما كان مانعاً لمخالطة الناس ومباشرتهم ومعرفة أحوالهم كالعمى والجنون المطبق والصمم الشديد والجذام ونحو ذلك.
الثاني: من فعله كالفسق، وذلك بعيد في حق من كملت فيه شروط الإمامة والقيام بما يجب عليه من ثمرة الإمامة والتأثير في منابذة الظالمين والقيام بأمور الدين.
قلت: ولا بد أن يكون فسقاً مجمعاً عليه وإلا فلا لئلا يؤدي إلى خذلان الإمام لمجرد قول الغير أنه قد فسق، لأنه يؤدي إلى ترك المعلوم وهو وجوب الطاعة بأمر مختلف فيه، وذلك لا يصح ولا يجوز، والله أعلم.
الثالث: ما يرجع إلى فعل غيره كالأسر المأيوس، والعبرة في ذلك بأيأس الرعية والله أعلم.(1/1109)
مسألة: ما حكم الأمة والرعية في دولة الظلمة وسلاطين الجور؟
الخامسة: ما حكم الأمة والرعية في دولة الظلمة وسلاطين الجور ؟ وما الذي يلزمهم وما الذي يجوز من معاملتهم وما الذي لا يجوز ؟
وهذه المسألة طويلة الذيول والأطراف لكنا نشير في هذا المختصر إلى ما لابد من معرفته:
الطرف الأول: في حكم تولي القضاء من جهتهم وتولي الأوقاف وأموال اليتامى المنقطعة الولاية الخاصة، والجهاد على حفظ ثغور المسلمين، ونصب ولاة المصالح الدينية ونحو ذلك مما أمره إلى الأئمة عند وجودهم وإلى من صلح من المسلمين عند عدمهم، فالذي حكاه في القلائد عن المعتزلة وبعض الزيدية قال الشارح: وهم الهادي والناصر والسيد أبو طالب والداعي والمشهور عن المؤيد بالله وغيرهم من أهل البيت عليهم السلام أنه لا يجوز التولي من جهتهم ولا ينفذ حكم الحاكم المولى منهم، ولا يعتمد على ما حكاه من مقدمات الحكم من المبررات من شهادة ونحوها ويؤسس على قواعده بنظر جديد لذي الولاية الصحيحة، وقيل بل يجوز التولي من جهتهم وتنفيذ أحكامهم ونحو ذلك، وهو قول بعض الفقهاء وأحمد بن عيسى عليه السلام وأحد قولي المؤيد بالله قديماً، وروي عن الهادي عليه السلام واحتجوا على ذلك بأن كثيراً من الفضلاء تولوا القضاء من جهة بني أمية وبني العباس ولم ينكر عليهم، فكان إجماعاً، واحتج الأولون بقوله تعالى: ?وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ ?{هود:113}، قال أبو علي وأبو هاشم:والتولي من جهتهم فسق.(1/1110)