الطريق إلى معرفة أن الإمام على تلك الصفات المشروطة
فصل:في الطريق الموصلة للمكلف إلى العلم بكون الإمام على تلك الصفات المشروطة فيه حسبما مر:
قال عليه السلام [ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ فما النظر ] أي الطريق الموصلة لنا إلى العلم بوجود تلك الصفات المعتبرة في الإمام ؟ وأصل النظر: الفكر والتأمل فاستعمل فيما يقع فيه الفكر والتأمل من إطلاق اللازم على الملزوم لما كان النظر طريقاً [ إلى إثبات كونه ] أي إمام العصر الموجود فيه ذلك المكلف [ على هذه الخصال ؟ ] التي مر تعدادها، [ فقل: أما كونه عالماً ] فلا يخلو إما أن يكون المكلف من الحاضرين بلد الإمام الذي قام ودعا فيه أو من الغائبين النائين عن بلده، فإن كان من الحاضرين [ فيحصل العلم به ] أي بكونه عالماً [ للعلماء ] الحاضرين [ بالمباحثة والمناظرة، ] للإمام في أبعاض المسائل العلمية من أصول وفروع وحديث وتفسير ونحو ولغة وصرف، فمتى كان عارفاً بما وقع فيه المباحثة والمناظرة وأدلتها وترجيحات ما اختلف فيه منها مهما لم يكن من مسائل المعاياة والمسائل الغريبة والمستغنى عن معرفتها، فقد حصل القدر اللازم من العلم فيه فتجب إجابته وطاعته، ولو احتاج في بعضها إلى تجديد نظر وبحث وتفتيش ومذاكرة غيره من العلماء حتى تتقرر المسألة لديه لا عن تقليد ومجازفة، [ وتحصل لغيرهم ] أي لغير العلماء [ من ] سائر [ الأَتْبَاع ] العوام وأهل الالتماس ببعض المسائل الدينية، ولم يبلغ درجة من يعد في العلماء، فإن هؤلاء يحصل العلم لهم [ بكونه عالماً بوقوع الإِطْبَاق ] من الكافة [ والإجماع من العلماء ] المحقين دون علماء السوء ومخالطي السلاطين، فلا اعتداد بمخالفتهم في كون القائم عالماً، إذ لو اعتبرناهم في هذا لأدى ذلك إلى القدح في إمامة الأئمة الهادين، إذ ما من إمام إلا وفي عصره من علماء السوء من يجحده العلم والصلاحية، ومن يميل إلى من بغى عليه، أو يقعد عن نصرته لعصبية(1/1101)


أو عدم عطية، وقد قال تعالى في شأن الأنبياء عليهم السلام: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا?{الأنعام:112}، فما بالك بحال الأئمة عليهم السلام نسأل الله التوفيق والعصمة، فمتى وقع الإطباق والإجماع حسبما ذكر [ على كونه كذلك. ] أي عالماً على الجملة عند الكافة، مجتهداً عند العلماء المحقين، ثبتت إمامته ووجبت طاعته مع كماله في سائر الخصال، [ وأما سائر الخصال ] المعتبرة في الإمام [ فلا بد من حصول العلم ] للمكلف [ بكونه ] أي الإمام [ عليها، ]، والطريق الموصلة إلى العلم بذلك [ إن كان غائباً فإنه يحصل العلم التواتري ] أي الذي سببه الأخبار المتواترة [ بذلك ] أي بكونه جامعاً لسائر الخصال لكن مثل النسب إلى أحد البطنين مما لا يتأتى التواتر فيه بل الشهرة والإطباق على انتسابه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، [ وكذلك الحكم إذا كان غائباً أن طريق العلم به ] في الإمام [ الأخبار المتواترة للعلماء وغيره، ] فإذا تواترت الأخبار بكونه عالماً أو وجدت القرائن المقتضية لذلك كالرجوع إليه فيما استشكل من المسائل والأحكام فيجيب فيها ويقرر الأحكام ويدرك وجوهها، ويُنكِّت عليها بالنُّكَت الصحيحة، وينبه على وجوه خلل المختل منها، وما يلزم من تبيين ما أبهم فيها، وما يلزم استيفاؤه من جميع أطرافها، فإنه يعلم كونه عالماً ثابتاً، [ وإن كان حاضراً فلا بد من حصول العلم بكونه جامعاً لها، ] وهو يحصل بما ذكرنا من الممارسة ومشاهدة أحواله التي يعلم معها كمال ذاته وسلامتها من العليات وأفعاله التي يعلم ورعه وحسن تدبيره واقتداره والمناظرة والمباحثة والرجوع إليه حسبما ذكر، وإنما اشترط حصول العلم بها [ لأنها ] أي الإمامة وما يتعلق بها من الشروط والخصال اللازمة للإمام [ من أصول الدين، فلا تؤخذ بالأمارات المقتضية للظن كونه(1/1102)


جامعاً لها ].(1/1103)


تتمة لمسائل الإمامة تشتمل على مسائل:
مسألة: إذا قام ودعا إمامان أو أكثر في عصر واحد
الأولى: إذا قام ودعا إمامان أو أكثر في عصر واحد.
فلا يخلو إما أن تتصل البلدان والأقطار والأقاليم التي قاما فيها بحيث يمكن جمع الجميع على إمام واحد، وجب تقديم الأسبق بالدعوة، ولا تصح دعوة المتأخر منهما إلا إذا كان أكمل وأنهض ولم يحصل الغرض بالأول، فإذا كان كذلك وجب تقديمه وتنحي الأول له وانضمامه إليه بالمعاضدة والنصرة وجمع الكلمة وعدم شق العصا والاختلاف، وإما أن تتباعد الديار والأقطار والأقاليم ويفصل بينها سلاطين الجور ونحوهم من أهل الفساد بحيث لا يمكن اتصال الكلمة وجمع الجميع على إمام واحد استمر كل منهما فيما هو فيه، ووجب على كل من الرعية إجابة من هو في بلده أو قطره أو إقليمه، فلا مانع من قيام كل منهما مع الموالاة والمحبة للآخر، وتحرير نية الاجتماع لو أمكن، وهذا لا ينافي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا تعارض إمامان فاقتلوا الآخِر منهما "، لأنه لا معارضة على هذه الصفة فيؤخذ بمنطوق الحديث فيما إذا اتصلت الديار ووقع الاختلاف والتعارض والتشاجر، ويؤخذ بمفهومه فيما إذا تباعدت الديار ولم يكن اجتماع الناس على كلمة وإمام واحد، إذ لا تعارض وتشاجر حينئذ، كما كان في زمن الإمامين الهاديين المهديين: الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليهما السلام في اليمن، والناصر للحق الحسن بن علي الأطروش عليهما السلام، وغيرهما ممن بعدهما من أئمة اليمن وأئمة الجيل والديلم، وهذا هو الموافق للقواعد والأصول والأنسب بما فرضت الإمامة لأجله وهو القيام بالشريعة المطهرة وإقامة الحدود وحفظ بيضة الإسلام ومعالم الدين، وحكى وقوع إجماع قدماء العترة عليهم السلام عليه الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عليهم السلام، فأما ما ذهب إليه بعض المتأخرين من أنه لا يصح إمامان في عصر واحد بكل حال، فلا مأخذ له إلا اتفاق الصحابة أنه لا يصح(1/1104)


ذلك، لكنه مبني على زمنهم ومقتضى حالهم من اتصال بلاد الإسلام على وجه يمكن معه إمام واحد، ولا خوض لهم ولا كلام يؤخد عنهم فيما ذكرنا وهو إذا تباعدت الديار على الوجه الذي لا يمكن معه الاتفاق على إمام واحد.(1/1105)

221 / 311
ع
En
A+
A-