[ وأما الفضل، ]: فلما لم يكن للعلم طريق بكونه أفضل أهل زمانه ثواباً عند الله وأعظم رفعة بعد الحسنين عليهما السلام فاعتبر في ذلك [ أن يكون أشهر أهل زمانه بالزيادة على غيره في خصال الإمامة ] فإن فرض التساوي في جماعة يصلح كل واحد منهم للإمامة [ أو ] كان الأشهر والأكمل غير مساعد لتحمل أعباء الإمامة لعذر أو زهادة أو لاشتغاله بتدريس العلوم وغيره يقوم مقامه في الإمامة كفى فيمن يقوم بالإمامة أن يكون [ كأشهرهم. ] أي أشهر المتساوين أو كأشهر الآخرين ولو لم يساو ذلك الذي اعتذر ولم يساعد للقيام مهما كان هذا الذي سيقوم جامعاً لخصال الإمامة.
[ وأما الشجاعة، ]: فلما كانت تتفاوت في الخلق وهي من الصفات الغريزية وربما تزايد بممارسة الحروب والقتال [ فـ ]اعتبر فيها [ أن يكون بحيث لا يجبن عن لقاء أعداء الله، ] تعالى من الكفار والبغاة وأهل الشقاق [ وأن يكون ] عند التحام القتال ومنازلة الأبطال [ ربط الجأش ] أي مستقر الخاطر والبال بحيث لا يندهش ويعمى عن حسن التدبير ولا يعتريه الفشل فيكون منه الفرار لغير موجب أو مرجح للانتقال من محل إلى ما هو أحصن وأبعد عن تناول العدو أو أيسر وأقرب إلى الناس، وقد اختلف في القدر المحتاج إليه من الشجاعة في الإمام، والصحيح ما ذكره المؤلف وهو الذي ذهب إليه الجمهور من العلماء [ وإن لم يكثر قتله وقتاله. ] وفي الأزهار مقدام حيث يجوز السلامة، وحكى شيخنا رحمه الله تعالى عن الناصر عليه السلام : أن يكون معه من رباط الجأش ما يصون به أن تتحطم جيوش المسلمين عند لقاء العدو، وهو قريب من الأول، وعن الهادي عليه السلام معنى الشجاعة: أن يخلط الصفوف ويحمل على الألوف، قال بعضهم: وهذه الصفة لا توجد إلا في ثلاثة على بن أبي طالب وزيد بن علي والهادي عليهم السلام.(1/1096)


[ وأما السخاء، فإنه ] محل نظر للإمام ويختلف باختلاف الأحوال من المصلحة في البذل أو المنع ووجود المال مع القلة أو الكثرة، وحصول المنفعة من المعطى والمصلحة الراجعة إلى الدين من تأليف من به النصرة أو تأمين الطرق أو كف أذاه عن الإمام أو الرعية أو مخاذلة العدو أو نحو ذلك، وعلى الجملة فالواجب أن [ يكون سخياً بوضع الحقوق في مواضعها. ] التي دل عليها الشرع واقتضاها نظر الإمام بحيث لا يبخل ولا يبذر في مال الله تعالى، وأما مال نفسه فلا كلام.(1/1097)


[ وأما جودة الرأي، ] وحسن التدبير [ فـ ] الواجب [ أن يكون بالمنزلة التي يُرجع إليه عند التباس الأمور. ] فيكون عنده من فك المشكلات وقطع علائق المعضلات ما فيه الصلاح للمسلمين والفلاح يوم الدين، ولم شعث المؤمنين، وصلاح ذات البين، ورضا رب العالمين، وإن لم يكن أشد الناس وأحذقهم وأدهاهم رأياً، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: والله ما معاوية بأدها مني، ولكن كل دهاية فجرة، وكل فجرة غدرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة. والدهاية أن يؤتى إلى الباطل على صورة ظاهرها الحق والصواب، كما في رفع معاوية لعنه الله المصاحف عند أن ضاق به الخناق لما أحاطت به جنود الوصي عليه السلام وأنصار الله، فبذل التحاكم إلى الكتاب ورفع المصاحف على رؤوس الرماح وأمر المنادي ينادي أن هذا كتاب الله حكم بيننا وبينكم، فانخدع لذلك طائفة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام فحذرهم الاغترار بما أظهره عدو الله من الإنصاف مع إصراره على الخلاف، وقال لهم عليه السلام : إنها كلمة حق أرادوا بها باطلاً. وأمرهم بإتمام منازلة عدو الله، فلم يمتثلوا حتى اختلفت الكلمة فيما بينهم وانفتل الأمر وكف القتال عن العدو، ثم وقع التحكيم للحكمين فلم يزل معاوية اللعين يكاتب عمراً ويسارره وأمير المؤمنين واقف على مقتضى التحكيم للكتاب العزيز وغير مباحث ومتابع بعد ذينك الحكمين اللذين هما أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص وهما يكتمان الأمر عنه حتى اتفقا على خلع الرجلين ويختار المسلمون لأنفسهم غيرهما، فلما كان يوم الميعاد لإظهار الحكم خدع عمرو أبا موسى بأن يتقدم في الكلام وقد حذره الوصي عليه السلام ذلك فلم يمتثل فتقدم بالكلام وخلع أمير المؤمنين عليه السلام ومعاوية لعنه الله عن الإمامة، فقال له عمرو بن العاص لعنه الله: إنما عليك خلع صاحبك فأما صاحبي فأنا أخلعه. فاغتر بذلك واقتصر على خلع الوصي عليه السلام ، فلما تكلم عمرو قال: قد(1/1098)


سمعتم أيها الناس خلع أبي موسى لصاحبه علياً كما خلع خاتمه من خنصره وأنا قد أثبتها في صاحبي معاوية كما أثبت خاتمي في خنصري، فتساب أبو موسى وعمرو، فقال أبو موسى لعمرو: إن مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث، فقال عمرو لأبي موسى: إن مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، ولام الناس أبا موسى على ما ساعد عليه عمراً حتى خدعه، وصارت هذه القصة من أدل الدلالة على فجور معاوية وعمرو بن العاص لعنهما الله تعالى.
[ وأما القوة على تدبير الأمور، ] فيريد بذلك عليه السلام كمال الخلقة في الإمام [ فلا يكون منه ] أي فيه [ نقص في عقله ولا آفة في جسمه، ] من جذام أو برص أو عمى أو صمم،والأولى حمل القوة على الاقتدار، فيكون أعم من أن يكون بجسمه آفة كما ذكر أو كان به عجز أو كسل أو ملل أو ميل إلى الرفاهية [ يضعف لأجل ذلك عن النظر في أمور الدِّين وإصلاح أحوال المسلمين. ] والذب عنهم، وجمع كلمتهم، ولم شعثهم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " مامن أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة "، أخرجه مسلم وأخرج في معناه أحاديث أخر، وأخرج ابن السمان عن أبي سعيد الخدري قال صلى الله عليه وآله وسلم: " أيما راع لم يرحم رعيته حرم الله عليه الجنة "، وفي بعض الأحاديث: " أيما أمير لم يحظ رعيته بالنصيحة حرم الله عليه الجنة "، أخرجه المرشد بالله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.(1/1099)


[ وأما الورع، ]: فالقصد من ذلك [ أن يكون ] بحقيقة الإيمان الشرعي وهو: أن يكون [ كافَّاً عن القبائح، قائماً بالواجبات. ]، فلا يكون ذو جرأة في دينه لا صريحاً ولا تأويلاً كالعقائد الردية الموجبة جرفه من باب التأويل كعقائد المجسمة والمجبرة والخوارج والمرجئة وسائر أهل البدع دون ما هو محل خلاف بين أئمة العترة عليهم السلام كإثبات عذاب القبر وتفسير معنى الصراط والميزان ونحوهما من أحوال الآخرة، ونُدِب كون الإمام من أهل الزهادة، والعفة، وملازمة الذكر، وحسن الأخلاق، والرفق بالمؤمنين، والإغلاظ والشدة على المجرمين إلا لمصلحة من تأليف أو مكافأة أو استجلاب ما يعود نفعه لمصلحة المسلمين دينهم أو دنياهم.(1/1100)

220 / 311
ع
En
A+
A-