[ وناسخهما، ومنسوخهما ]، فالناسخ: هو ما دل على حكم شرعي لزم لذاته إزالة حكم سابق مثله مع تراخ بينهما ممكن معه العمل بالأول، فقوله: ما دل. يشمل النسخ بالقول والفعل والتقرير، وقوله: لزم لذاته. خرجت الأحكام المبتداة بالتشريع، فلا يقال فيها ناسخ، وقوله: مثله. أي في كونه شرعياً فلا دخل للنسخ في الأحكام العقلية، وقوله: مع تراخ الخ، يخرج البدأ والعبث لو نسخ الفعل قبل مضي وقت يمكن فيه العمل لكونه تعالى متعال عنهما للزوم الأول القدح في التوحيد، والثاني: القدح في العدل والحكمة، والمنسوخ: هو الحكم الشرعي المرفوع بمثله مع تراخ الخ ما ذكر في حد الناسخ، فخرج بالشرعي العقلي فلا ينسخ ولا ينسخ به، وقوله: بمثله مع تراخ، يخرج رفع الحكم بالغاية نحو: ?وَلا تَعزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ? {البقرة:235}، ?ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ? {البقرة:187}، ويخرج بآخر الحد لزوم البدأ والعبث، فلابد أن يكون عارفاً بأحكام النسخ وما الذي لا يصح أن ينسخ، وما الذي يصح أن ينسخ به، وما لا يصح النسخ به على حسب ما هو مفصل في موضعه.(1/1091)
ولابد أيضاً أن يكون [ عارفاً بمواضع الوفاق، ] فيعرف المسائل التي وقع عليها الإجماع ممن سبق من العلماء رحمهم الله تعالى [ وطرف من مواضع الخلاف في ] مسائل [ فروع الفقه، ] من العبادات والمعاملات [ لئلا يجتهد في مواضع الإجماع، ] فيعرف حكم المسألة المتعلقة بالحادثة هل هي إجماعية فالإجماع حجة فيها وأكبر دليل على ثبوت حكمها فلا يجوز له الاجتهاد فيها بخلاف ما وقع عليه الإجماع فيها، بل قد قيل: يفسق مخالف الإجماع مع العلم به، وإنما قال: عارفاً بمواضع الوفاق، وطرف من الخلاف. لأن مسائل الإجماع يسيرة يمكن الوقوف عليها، وقد ذكرت مجموعة في حواشي مقدمة الأزهار بخلاف مسائل الخلاف فلا حصر لها فاشتراط معرفة جميعها لا يتأتى، فإذا حدثت حادثة نظر هل ثمة إجماع على حكمها كفاه ذلك عن البحث والنظر على حكمها من الكتاب والسنة والقياس والاجتهاد، أم لم ينقل فيها إجماع بحث عن دليلها فيطلب النصوص عليها أو الظواهر من الكتاب أو السنة، فإن لم يجد نظر في نظائرها مما قد نص عليه فيهما أو في أحدهما أو دلت عليه دلالة ظاهرة كذلك فيستنبط العلة التي لأجلها ثبت الحكم ويستخرجها من الأصل المنصوص عليه، وينظر وجودها في الفرع الذي يريد معرفة حكمه هل هي موجودة فيه على الحد الذي وجدت عليه في الأصل [ فيتحرى في معرفة القياس ] حتى يعلم أو يظن عدم الفارق بينهما، فالعلم حيث العلة منصوص عليها في الأصل ووجدت في الفرع قطعاً كما إذا قال الشارع: حرمت الخمر لإسكاره، ثم علمنا وجود الإسكار في النبيذ والحشيشة والبنج، والظن حيث العلة مستنبطة كتحريم بيع الجنس بجنسه متفاضلاً في الكيل والوزن، فإنه بطريق السبر والتقسيم يحصل الظن أن لا علة للتحريم إلا الاتحاد في الجنس والتقدير دون الطعم والاقتيات ودون الاتحاد في الجنس وحده أو التقدير وحده، لاطراد وجود الحكم عند اجتماع الاتحاد في الجنس والتقديم، وانخرامه عند وجود أحدهما أو غيرهما مما ذكر.(1/1092)
[ و ] كذلك يتحرى في معرفة حكم المسألة المأخوذ فيها من دون نص ولا قياس وإنما أخذ من [ الاجتهاد، ] والاستنباط لذلك الحكم من وجود وصف مناسب للحكم كما في استنباط داود وسليمان عليهما السلام: ?إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ? {الأنبياء:78}، فإن داود عليه السلام اجتهد أن تؤخذ الغنم بما أكلت وأذهبت من ذلك الزرع، وسليمان عليه السلام اجتهد أن يؤخذ من أصوافها وألبانها بما أكلت وأذهبت، فقرر الله حكم سليمان عليه السلام كونه أنسب بالعلة وهو عدم الاضرار بجانبي صاحب الغنم وصاحب الحرث، بخلاف حكم داود عليه السلام ففيه مراعاة جانب صاحب الحرث دون جانب صاحب الغنم فلم يكن فيه من المناسبة كما كان في حكم سليمان، وهذا أحد الأدلة للقائلين بأن الحق في الفرعيات مع واحد والمخالف مخطٍ معذور، قال تعالى: ?وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ? {الأنبياء:79}، دفعاً لتوهم قصور داود عن رتبة الاجتهاد في سائر المسائل والأحكام وإن أخطأ في هذه فليس من شأن العالم المجتهد أن لا يخطي في شيء، فالإنسان محل الخطأ ولكن الشرط هو الإصابة في أكثر ما يرد عليه، بحيث لا يحصل الخطأ منه إلا في القليل النادر البعيد المدرك، وكيف وقد وقع الخطأ في اجتهادات الأنبياء عليهم السلام كما في قصة آدم ويونس وداود فيما ذكر في امرأة أوريا، وسليمان في شأن ولده حتى ألفى على كرسيه جسداً ثم أناب وقال رب اغفر لي، وكما في قصة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الأعمى وأخذ الفدى من الأسرى وغير ذلك، فلا ينبغي لرصين عقل أن يجعل ما يصدر من الخطأ في اجتهادات الأئمة الهادين من عترة سيد المرسلين ذريعة إلى القدح في إمامتهم ومعذرة عن التخلف عن طاعتهم مع علو درجتهم وسمو مرتبتهم، ونزاهتهم عن كبائر الإثم والفواحش، وقيامهم بما يجب من نصرة الشريعة المطهرة، وإقامة الحدود، وحفظ بيضة الإسلام، ولو جعلنا ذلك قادحاً لما(1/1093)
انعقدت إمامة إمام، وإنما ذلك دأب أهل الشقاق والعمى في الدين المقتفين من سبق منهم من المتمردين الذين تركوا أمير المؤمنين واعتزلوه أو قاتلوه كأهل الجمل والخوارج ومن حذا حذوهم من سائر المعاندين على أولئك الأئمة الهادين، نسأل الله اللطف والعصمة والهداية إلى ما فيه النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين.
وإنما اشترط كونه عارفاً بالقياس والاجتهاد [ ليمكنه رد الفرع إلى أصله. ] عند الاشتباه أو التعارض، فإذا وقع الاشتباه في حكم الفرع بأن كان فيه وصفان يمكن التعليل بكل منهما أحدهما يقتضي التحريم والآخر يقتضي التحليل أمكنه رد الفرع إلى الأصل المقيس عليه، فيُعلم له الحكم بعد ذلك من تحريم أو تحليل، كما إذا قلنا في تحريم النبيذ بكونه يزيل العقل كالخمر ولكونه يقذف بالزبد أو رائقاً كالخمر، فإن هذه الأوصاف الثلاثة محتملة لأن يكون كل واحد منها هو علة التحريم أو أن مجموعهما هو علة التحريم، فمتى أمكنه بعد ذلك استنباط العلة المناسبة للتحريم بطريق الإبطال واستعماله في أيها أو في مجموعها، فما جرى فيه الإبطال علم بطلان كونه العلة المقتضية للتحريم وما لم يجر فيه الإبطال علم كونه هو العلة، فينظر في علة تحريم الخمر أن كونه مزيلاً للعقل مناسباً للتحريم لأجل حفظ العقل الذي بزواله يرتكب الإنسان المقبحات وتفوته المصالح ويقع في المهالك، بخلاف كونه يقذف بالزبد أو كونه رائقاً فلا مناسبة في أيهما، إذ لا يترتب على ذلك شيء مما يترتب على زوال العقل، ولأنه قد حل لنا تناول ماعداه مما يقذف بالزبد أو كونه رائقاً، وبخلاف كون العلة هو مجموع الثلاثة الأوصاف، إذ قد حرم علينا ما لم يجتمع فيه الثلاثة الأوصاف كالحشيشة والبنج مع تقدير وجود نص فيهما دون النبيذ مع تقدير عدم نص فيه، فإنا بعد هذا السبر والتقسيم والإبطال نعلم أن ليس علة التحريم في الخمر إلا كونه يزيل العقل، فنرد هذا الفرع الذي هو النبيذ إلى هذا الأصل الذي هو الخمر(1/1094)
بتلك العلة الجامعة بينهما، فنحرم بعد ذلك كل مسكر ونحلل ما عداه من سائر ما يقذف بالزبد والريقان.
هذا وقد اشترط في المجتهد أن يكون معه من علم العربية من النحو والصرف واللغة ما يتمكن معه من استنباط الأحكام الشرعية، لأن الكتاب والسنة الذين هما أصل مأخذ الأحكام الشرعية لما كانا باللسان العربية، وإنما تتم معرفة المراد من الخطاب بمعرفة أحوال الكلمات من كون الرفع علامة للفاعل ونحوه، والنصب علامة للمفعول ونحوه، والجر علامة الإفضاء بمعنى الكلمة إلى ما يليها، فاشترط لذلك معرفة علم النحو، ومن كون حروف الكلمة أصلية أو مزيد فيها أو محذوف منها شيء لإعلال أو نحوه، فاشترط لذلك معرفة علم الصرف، ومن كون الكلمة وضعت للدلالة على المعنى المراد وحده أو مع إتيانها لغيره، فاشترط لذلك معرفة علم اللغة، فلا بد أن يكون مجوداً في هذه الفنون الثلاثة ليتمكن من استنباط الحكم الشرعي،وزاد بعض العلماء معرفة علم البلاغة من المعاني والبيان والبديع، وبعضهم علم المنطق، والجمهور على خلافه، لكن إذا كان له لمسة ومعرفة بهذين العلمين فهو أثبت وأولى لأن العلم خير من الجهل بكل حال وزين لصاحبه بأشرف الخصال.
قلت: ولابد أيضاً أن تكون له لمسة ومعرفة بالسيرة النبوية على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، وكذلك سيرة الوصي عليه السلام ،وسير الأئمة الهادين بعده من عترة سيد الأنام صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً إلى يوم الدين، ليكون عارفاً بكيفية تدبير الحوادث المتعلقة بالجهاد ونحوه، ويتمكن من السيرة في الرعية على منهجهم القويم وصراطهم المستقيم فهم قرناء القرآن، وحلفاء الإيمان، وتبصرة الحيران، ومغاث اللهفان، وهم سفينة نوح، وباب السلم المفتوح.(1/1095)