وأما الإجماع والقياس: فقد خالف في كونهما كذلك قوم كما ذلك مذكور في كتب أصول الفقه، وقولهم مردود بما تقرر من الأدلة الدالة على حجية الإجماع، نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لن تجتمع أمتي على ضلالة "، " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه "، وأن أهل البيت عليهم السلام قرناء الكتاب، وسفينة نوح، وباب حطة، وباب السلم، وهم حجة الإجماع، فيجب أن يكون ما أجمعوا عليه حقاً وكل حق حجة واجبة الاتباع، ولما تقرر من أن النصوص على جميع ما يتعلق بأفعال المكلفين من العبادات والمعاملات لا تفي بجميع حوادث الدهور والأزمنة إلى منقطع التكليف، كيف وكثير من الحوادث إنما وقعت بعد مضي الصدر الأول من الصحابة ومن يلونهم من التابعين، فلم يبق إلا معرفة الحكم الشرعي فيها إلا القياس على ما قد نص عليه الشارع صلوات الله عليه، وعلم من الكتاب أو السنة باعتبار استنباط واستخراج العلة المقتضية للحكم المنصوص عليه في الأصل المقيس عليه، فإذا نظرنا في الفرع وعلمنا أو ظننا وجودها في الفرع الذي لم نجد عليه نصاً في كتاب ولا سنة ولا إجماع ألحقنا حكمه بحكم الأصل المنصوص عليه، فهذا الدليل يثبت أن القياس أصل وحجة من أصول الشرائع وحججها التي تثبت بها الأحكام الشرعية، وهذا فيما كان يتعلق بالمسائل الشرعية.(1/1086)
فأما المسائل الأصولية: كمسائل أصول الدين، فلا خلاف بين المتكلمين أن القياس هو الأصل المعتمد عليه والمتوصل به إلى معرفة الأحكام العقلية من حدوث العالم وافتقاره إلى الصانع المختار جل وعلا، وتوحيده وتنزيهه عن مشابهة الخلق وصفات النقص،وعدله وصدق كلامه، ونبوة أنبيائه، وقد أرشد الله الخلق إلى استعماله وأكثر من الاحتجاج به على الكفار من أهل الإلحاد ومنكري المعاد فقال عز من قائل: ?يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ? الآية{الحج:5}، فنبه بهذا سبحانه إلى قياس إمكان الإعادة والبعث ووقوع ذلك لا محالة على خلق الناس من تراب وتنقيلهم من النطفة إلى المضغة إلى العظام، وقال: ?وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? {فصلت:39}، وقال: ?فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ? {الأعراف:57}، وقال: ?اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا? {الطلاق:12}، ?فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ?{الطلاق:5}، ليعلم أنه تعالى على رجعه لقادر، وغير ذلك،وقال: ?فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ? {الحشر:2}، وقال: ?وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ? {النساء:83}، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن القياس معتبر وحجة في العقليات والسمعيات أصولها وفروعها فمنكر كونه حجة لا يعول على خلافه.(1/1087)
الصفات المعتبرة في الإمام
قال عليه السلام [ والمراد بذلك ] الإشارة إما إلى اللفظ وهو قوله: عارفاً بأصول الشرائع وكونها أدلة أو إلى المعنى وهو بيان القدر المحتاج إليه من العلم، وهذا هو الأنسب بقوله، [ أن يكون فَهِماً في معرفة أوامر القرآن والسنة ]، وفَهِمْ من أمثلة المبالغة على فَعِل - أي كثير الفهم أو سريعه - ويحتمل أن المراد حصول الفهم مع قطع النظر عن كثرة أو سرعة مهما حصل القدر اللازم فهو فَعِل بمعنى فاعل، وأوامر القرآن والسنة الصيغ الموضوعة لطلب الفعل وما في معناها نحو: ?كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ ? {البقرة:216}، ?وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ? {آل عمران:97}، ولعل مراده عليه السلام أن يعرف صيغة الأمر وهل أريد بها إيجاب الفعل نحو: ?وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ? {البقرة:43} أو أريد بها الندب نحو: كل مما يليك أو مجرد الإباحة نحو: ?وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ? {المائدة:2}.
[ و ] كذلك [ نواهيهما، ] يكون عارفاً وفهماً للمراد من الصيغ الموضوعة للزجر عن الفعل سواء كان بصيغة النهي نحو: ?وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ? {البقرة:188}، أو بما في معناه نحو: ?حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ ? {المائدة:3}، ?وَمَنْ يَظلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ? {الفرقان:19}، وسواء أريد به التحريم كما مثل أو الكراهة نحو: " لا يبولن أحدكم قائماً " وكذلك يعرف ما ورد من الأوامر والنواهي، وليس المراد به شيئاً من الأحكام الخمسة كالتهديد والتحقير والتخيير والتسخير والتسوية ونحو ذلك مما يرد بصيغة الأمر والنهي من سائر المعاني، وكذلك لا بد أن يكون عارفاً بسائر أحكام الأوامر والنواهي من إفادتهما الفور أو التراخي أو التكرار أو عدمه أو الصحة أو الفساد إلى غير ذلك مما هو مذكور في أصول الفقه.(1/1088)
[ وعَامِّهما، وخَاصِّهما، ] فيكون عارفاً بصيغ العموم، فصيغ العموم: كل لفظة دالة على متكثر غير منحصر، وقلنا: غير منحصر. تخرج أسماء الأعداد، فإنها وإن دلت على متكثر لكنها منحصرة فلا عموم فيها، ونحو أسماء الأعداد مما دل على الكثرة لكنه ينحصر إلى حد كأسماء المدن والبلدان فإنها تطلق على متكثر لكن ينتهي إلى حد وهو ما شمله ذلك الاسم من الحارات والأزقة والأسواق فلا عموم فيها، وإنما العموم فيما يتناول كثرة غير منحصرة نحو: الجمع المعرف بلام الجنس، ومن، وما وغير ذلك من صيغ العموم وصيغ الخصوص ماعدا ذلك كأسماء الأعلام والنكرات في غير سياق النفي، وأسماء الأعداد والمدن والبلدان، وكذلك الأنواع الداخلة تحت الأجناس الشاملة لها ولغيرها، فإنها وإن كانت عامة بالنسبة إلى ما دخل تحتها فهي خاصة بالنسبة إلى ما دخلت تحته كالحيوان والإنسان بالنسبة إلى الجسم، ونسبة الإنسان إلى الحيوان، فلا بد أن يكون عارفاً بصيغ العموم وصيغ الخصوص، وعارفاً بكيفية العمل بهما مهما تعارضا وتواردا على محل الحكم، فيعمل بالخاص فيما تناوله وبالعام فيما بقي نحو: ?قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ ? {التوبة:123}، فهذا عام يتناول الذمي والحربي، ثم ورد النهي عن قتل الذمي فهذا خاص، فيعمل بهذا الخاص فيما تناوله وهو من أُعطي الذمة فلا يقتل، وبالعام فيما بقي وهو كل كافر غير ذمي كالمعطلة وعباد الأصنام والكتابيين الذين أنفوا عن تسليم الجزية والدخول تحت الذمة، وكذلك يعرف سائر الأحكام المتعلقة بباب العموم والخصوص المذكورة في أصول الفقه.(1/1089)
[ ومجملهما ومبينهما، ] فالمجمل: ما دلالته غير واضحة، والمبين بخلافه، قال في شرح الغاية: وإنما لم يقل لفظ ليعم القول والفعل، فلا يبطل عكس الحد بالفعل، فإنه قد يكون مجملاً كقيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الركعة الثانية من غير جلوس للتشهد الأوسط لتردده بين العمد الدال على ترك الجلسة الوسطى، وبين السهو الذي لا دلالة له على الجواز، وقوله: دلالته. ليفيد أن له دلالة فيخرج المهمل إذ لا دلالة له، وقوله: غير واضحة خرج المبين لوضوح دلالته انتهى.
فعلم أن الإجمال والبيان يقعان في القول والفعل، مثال المجمل من القول: قوله تعالى: ?وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ? {آل عمران:50}، ومثال المبين: منه قوله تعالى: ?أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ?، ?وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ? {المائدة:96}، ومثال المجمل من الفعل: ما ذكره من القيام من الركعة الثانية، ومثال المبين منه: ترك التشهد الأوسط مع العمد لتركه بعد أن فعله أو تقرير تاركه فإنه يكون بياناً لكونه غير واجب، ولا بد أن يعرف سائر أحكام المجمل المبين المذكورة في كتب الأصول نحو: أن المبين إذا اقترن به ما يقتضي إجماله صار مجملاً كقوله تعالى: ?وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ? {الحج:30}، فإن قوله: ?وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ ? مبين لأن دلالته على حل كل الأنعام واضحة، فلما اقترن به الاستثناء في قوله تعالى: ? إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ? صار مجملاً فلم يعلم بعده ما يحل منها وما يحرم حتى تبين بما عدا هذه الآية من سائر الأدلة.(1/1090)