قلت: وبأكاليم هؤلاء الأئمة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أن الإمامية وكل من لم ينصر العترة النبوية عليهم السلام هم الروافض المرادون في الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الأطهار الكرام، كما صرح به الحديث السابق برواية الإمام زيد بن علي عليهما السلام برواية الهادي عليه السلام عن أبيه عن جده القاسم بن إبراهيم نجم آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: " سيكون من بعدي قوم يرفضون الجهاد مع الأخيار من أهل بيتي "، ولأن الرفض هو الترك، ثم غلب على من ترك الحق واتبع الباطل، فيشمل كل من تخلف عن متابعة العترة عليهم السلام من إمامي وجبري ومرجي، ومن والى أعداءهم وخرج عن مذاهبهم في العدل والتوحيد والوعد والوعيد وسائر المسائل المتعلقة بأصول الدين وأصول الفقه والتزم مذهب غيرهم في الفروع وإن خالف إجماعهم، لا كما يزعمه الحشوية وغيرهم ممن يتسم بالسنية أن الروافض من تبرأ من إمامة أبي بكر وعمر للزوم أن يصير جميع العترة عليهم السلام الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة كلهم روافض، لأن كلهم يتبرؤون من إمامة أبي بكر وعمر ويرونها باطلة كما مر تقرير ذلك عنهم وقد مرت الأبيات في هذا المعنى:
ورفضُكُم سابق يا عصبة البُكُمِ

سمَّيتم الآلَ والأتباعَ رافضةً

إلى آخرها، فلا يهولنك ما يزعمه هؤلاء القوم وانخدع لأجله بعض متأخري الزيدية، فروي عن الأصمعي أنه حكى أن سبب تلقيبهم بالرفض هو أن زيد بن علي عليهما السلام لما خرج لله تعالى جاءه قوم وسألوه البراءة عن الشيخين فأبى ذلك فرفضوه وعزلوا إمامته، وقيل: إنهم سموا بذلك لرفضهم أبا بكر وعمر إلى آخر ما ذكره.(1/1081)


وكيف يصح مثل هذا الكلام والحال أن أول من رفض أبا بكر وعمر سيدة النساء بإجماع الأمة، أنها هجرتهما وماتت وهي غاضبة عليهما، وكذلك أمير المؤمنين وولده الحسنان بلا خلاف بين عترتهم الأطهار خلفاً عن سلف، فيلزم عليه أن سيدة النساء وجميع أهل الكساء وجميع من اقتدى بهم وتأسى روافض، وكيف وقد تواترت الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغضب على من أغضب بضعته الشريفة وفُصَّ تاج عترته المنيفة، ولله القائل رحمه الله تعالى:
ومن يصد إلى العليا من الرُّتَبِ
إلى النجاةِ دليلاً لا إلى العَطَبِ
أرجو النجاةَ غداً إن متَّ في غَيبي
في أمرِ فاطمَ قولاً ليس بالكَذِبِ

يا من أتانا بقولٍ باطلٍ كذب
هلا سلكت طريقاً كنت تعهدُها
أعني بهم آلَ بيتِ المصطفى فبهِم
وأنهم وسواهم صح عندهمُ

إلى قوله:
لمغضبِ فاطماً قد باءَ بالغَضَبِ
من أفضل الخلقِ إقداماً بلا سَبَبِ
فقلت ما كان في إبليس من عَجَبِ
وبعدُ ذاك بغى عن تلكمُ الرُّتَبِ
لعناً وبيلاً كما قد صح عن كُتُبِ

قالوا الرسول يقول الويل أجمعه
ومن به حسدٌ للآل صيره
قلتم: له صحبَتَه في المصطفى سَبَقَتْ
قد كان طاووسُ أهل السبع يقدُمُهُم
بل صار في الناسِ مطروداً وإنَّ له

وبعد فإن ما حكاه الأصمعي بما رواه أبو الجارود رحمه الله تعالى عن الإمام زيد بن علي عليهما السلام أن المعتزلة قالوا له: سلم لمن مضى وننصرك فقال: كل لواء عقد في الإسلام لغيرنا فهو لواء ضلالة.
وبما ذكره صاحب أنوار اليقين عليه السلام قال ما لفظه: والمحكي عن زيد بن علي عليهما السلام أنه نسب ما أصابه من ظلم هشام إلى الشيخين لكونهما أول من سن ظلم العترة عليهم السلام والتقدم على الأئمة.
وعن عبد الرحيم البارقي عن زيد بن علي عليهما السلام قال: الإمامة والشورى لا تصلح إلا فينا، قال: رويناه من كتاب السفينة.(1/1082)


وقد روي في أنوار اليقين عن الإمام زيد بن علي عليه السلام نحواً من هذا الكلام في شأن الشيخين وعثمان كثيراً، وروي له كتاب تثبيت الإمامة وهو الرسالة التي رواها بالإسناد إلى الإمام زيد بن علي عليهما السلام قال: هذا قول من خاف ربه واختار لنفسه ودينه وأطاع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم واجتنب الشك، ثم حكى الرسالة إلى آخرها أورد فيها من الحجج العقلية والسمعية ما يفيد القطع بتثبيت الإمامة لأمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فاصل، ثم ساق كلاماً في شأن عثمان أنه مال إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء فاستنزلوه فنكث على نفسه، فاجتمع في أمره المهاجرون والأنصار فاستعتبوه فأبى إلا تمادياً فيما لا يوافق الكتاب ولا السنة التي أجمعوا عليها فقتلوه، قال الراوي: فقلت له: أكل المسلمين قتلوه يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: لا ولكن بعض قتل وبعض خذل، والقاتل والخاذل سواء، فمكث ملقى جثته لا يدفن أياماً ثلاثة، قلت: فما منعهم من دفنه يا ابن رسول الله ؟ فقال: لو أنهم أرادوا دفنه لم يروا قتله، فأقام ثلاثة أيام على المزبلة فكان الصبيان يمشون على بطنه ويقولون:
رماك الله بالجمرِ
مكاناً ضيق القعرِ
إذا أحدرت في القبرِ

أبا عمرو أبا عمرو
ولقاك من النار
فما تصنع بالمال(1/1083)


إلى آخر ما ذكره، وقد ذكر نحو هذا الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام في الشافي، وهذا إلى ما مر نقله من الأساس عن الإمام نجم آل الرسول وترجمان بني البتول وغيره: فأين يتاه بمن يذهب إلى موالاة المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام ، ويقول: إن منكر إمامتهم رافضي والساب لهم زنديق ?إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى ? {النجم: 23}.(1/1084)


الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على شروط الإمامة
قال عليه السلام [ وأما الذي يدل على اعتبار سائر خصال الإمامة التي ذكرنا ] من كونه عالماً سخياً شجاعاً مدبراً إلى آخر الشروط التي مر ذكرها [ فهو إجماع المسلمين. ] ولعله عليه السلام يعني من يعتد بهم إذ قد مر الخلاف في بعض تلك الشروط أو قبل حدوث مذهب المخالف [ فإن قيل: فسروا لنا كم ] القدر المحتاج إليه من [ هذه الخصال. ] اللازمة في الإمام متى أحرز ذلك القدر فهو إمام حق واجب الطاعة [ فقل: أما العِلْمُ، فإنه ] لا بد أن [ يكون عارفاً ] بأصول الدين الواجب معرفتها، فيجب أن يكون عالماً [ بتوحيد الله تعالى وعدله، ] كما مر تفصيله في بابي التوحيد والعدل [ وما يدخل تحت ذلك، ] من مسائل النبوة والقرآن والإمامة كما مر، ومسائل الوعد والوعيد وما يتصل بذلك كما سيأتي [ و ] لا بد أيضاً [ أن يكون عارفاً بأصول الشرائع ]، أي أدلتها الجملية التي تؤخذ منها الأدلة التفصيلية على المسائل الفرعية قطعية كانت أو ظنية، فيعرف الأصول [ و ] يعلم [ كونها أدلة ] على الأحكام الشرعية من الوجوب أو الحرمة أو الندب أو الكراهة أو الإباحة [ وهي ] أي الأصول المعروفة لدى العلماء بأصول الشرائع [ أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس ].
الأدلة من الكتاب والسنة
أما الكتاب والسنة: فلا خلاف بين الأمة أنهما أصلان ومرجعان لثبوت الأحكام الشرعية.
الأدلة من الإجماع والقياس(1/1085)

217 / 311
ع
En
A+
A-