فهو معلوم البطلان من حيث أن العباس وأولاده رضي الله عنهم لم يقل بذلك أحد منهم، بل كانوا يدينون ويعتقدون أن علياً عليه السلام هو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فاصل، وقال العباس لأمير المؤمنين: أمدد يدك أبايعك فيقول الناس بايع العباس ابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان. وأيضاً فإن هذا القول حادث في أيام العباسيين أحدثه ابن الراوندي يتقرب به إلى ملوكهم الفجار، ولأنه يلزم منه أن تقسم الإمامة بين جميع الورثة فتعطى الزوجة الثمن والجدة السدس.
وأما قول الإمامية: إن الإمامة محصورة في الإثني عشر الذين مر ذكرهم أو في أربعة فقط كما هو رأي الكيسانية: أمير المؤمنين، والحسنان، ومحمد بن الحنفية عليهم السلام.(1/1076)


فهو باطل بأنه لا نص يعلم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أحد ممن ذكروه غير أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام وإلا لنقل وعلمه جميع الأمة، كما نقلت النصوص في الثلاثة المذكورين لأن الإمامة مما تعم به البلوى علماً وعملاً، وأيضاً فإن هذا قول حادث بعد الصدر الأول من الصحابة، وبعد التابعين أحدثه الذين خذلوا الإمام زيد بن علي عليهما السلام ونكثوا بيعته، وتبعهم الذين خذلوا الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية عليهما السلام، قال في شرح الأساس: قال الهادي عليه السلام : وروي عن جعفر الصادق عليه السلام لما جاءه خبر قتل عمه وأصحابه أنه قال: ذهب والله زيد كما ذهب علي بن أبي طالب والحسن والحسين وأصحابهم شهداء إلى الجنة، التابع لهم مؤمن، والشاك فيهم ضال، والراد عليهم كافر، وإنما فرق بين زيد وجعفر قوم كانوا بايعوا زيد بن علي عليهما السلام، فلما بلغهم أن سلطان الكوفة يطلب من بايع زيداً ويعاقبهم خافوا على أنفسهم فخرجوا من بيعة زيد ورفضوه مخافة من هذا السلطان، ثم لم يدروا بما يحتجون على من لامهم وعاب عليهم فعلهم فقالوا بالوصية حينئذ، فقالوا: كانت الوصية من علي بن الحسين إلى ابنه محمد ومن محمد إلى جعفر ليموهوا به على الناس فضلوا وأضلوا كثيراً، وتبعهم على قولهم من أحب البقاء وكره الجهاد في سبيل الله، ثم جاء قوم من بعد أولئك فوجدوا كلاماً مرسوماً في كتب ودفاتر فأخذوا بذلك من غير تمييز ولا برهان بل كابروا عقولهم ونسبوا فعلهم هذا إلى الأخيار منهم من ولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كما نسبت الحشوية ما روت من أباطيلها وزور أقاويلها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليثبت لهم باطلهم على من اتخذوه مأكلة لهم وجعلوهم خدما وخولا إلى قوله عليه السلام : فلما كان فعلهم على ما ذكرنا سَمَّاهم بعد ذلك زيد بن علي عليهما السلام روافض، ورفع يديه فقال: اللهم اجعل لعنتك ولعنة آبائي وأجدادي ولعنتي على(1/1077)


هؤلاء الذين رفضوني وخرجوا عن بيعتي كما رفض أهل حرورا علي بن أبي طالب حتى حاربوه، قال: فهذا خبر من رفض زيد بن علي عليهما السلام وخرج من بيعته، قال وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام : " يا علي إنه سيخرج قوم في آخر الزمان لهم نبز يعرفون به يقال لهم الروافض فإن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون فهم لعمري شر الخلق والخليقة "، إلى قوله عليه السلام: فمن ثبت الله فيه الإمامة واختاره واصطفاه وبين فيه صفات الإمامة فهو عندهم يعني آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمام مستوجب الطاعة لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله ، قال: من ذريتي. فَوَلَدُ الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: عليكم بأهل بيتي فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ردى " انتهى كلام الهادي عليه السلام من شرح الأساس مع اختصار ما لا حاجة له.(1/1078)


وروى فيه عن صاحب المحيط رحمه الله تعالى بإسناده إلى الهادي عليه السلام عن أبيه عن جده قال: لما ظهر زيد بن علي عليهما السلام ودعا الناس إلى نصرة الحق فأجابته الشيعة وكثير من غيرهم قعد قوم عنه وقالوا: لست الإمام، قال: فمن هو ؟ قالوا: ابن أخيك جعفر، فقال لهم: إن قال جعفر هو الإمام فقد صدق فاكتبوا إليه وسلوه، فقالوا: الطريق مقطوعة ولا نجد رسولاً إلا بأربعين ديناراً، قال هذه أربعون ديناراً فاكتبوا إليه وأرسلوا، فلما كان من الغد أتوه فقالوا: إنه يداريك، قال: ويلكم إمام يداري من غير بأس أو يكتم حقاً أو يخشى في الله أحداً اختاروا إما أن تقاتلوا وتبايعوني على ما بويع عليه علي والحسن والحسين عليهم السلام أو تعينوني بسلاحكم وتكفوا عني ألسنتكم، فقالوا: لا نفعل، فقال: الله أكبر أنتم والله الروافض الذين ذكرهم جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " سيكون من بعدي قوم يرفضون الجهاد مع الأخيار من أهل بيتي ويقولون ليس عليهم أمر بمعروف ولا نهي عن منكر يقلدون دينهم ويتبعون أهواءهم "، انتهى.(1/1079)


وقال الدامغاني في رسالته في شأن الإمامية مالفظه: فمنها أن أهل المقالات اتفقوا أنهم لم يأخذوا مذهبهم عن أئمتهم ولا عن الثقات، وإنما هو موضوع وضعه المنصور أبو الدوانيق بعد قتل محمد بن عبد الله النفس الزكية وأخيه إبراهيم عليهم السلام، وعدة من فضلاء العلوية عليهم السلام، فظن أبو الدوانيق أنه لا يزال يخرج عليه قائم منهم بالخلافة فأعمل الحيلة، ورأى جماعة من الشيعة ينكر قيام القائم بالإمامة ويعتقد أن إمامها منصوص عليه وأنه غائب وهم الكيسانية فلاحت له الحيلة، وبعث إلى الأقطار التي يظن أن فيها من جهال الشيعة من تطرأ عليه الشبهة وأمر بثبت هذا المذهب فيهم وصنع له نسخة وجعلها مع بعض أتباعه، وأمرهم بإظهار التشيع والقائها إلى جهال الشيعة، ومضمون ما في النسخة: أن بني إسرائيل كان لهم اثني عشر نقيباً وبعد عيسى اثني عشر في أمته، وأن جبريل أتى بلوح فيه أسماء الخلفاء على الأمة وأنهم اثني عشر بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد مضى منهم خمسة إلى جعفر الصادق وهذا جعفر سادسهم لما علم أن جعفر متزهد، والستة الباقون من ولده. فاعتقد الجهال منهم ذلك المذهب، ولما سمع به جعفر الصادق أنكر ذلك على الشيعة فأبوا وقالوا: إن جعفراً ينكر علينا تقية على نفسه، واستمروا على ذلك، وكل من ادعى الخلافة بعد هذا يكون أعدى الأعداء له وأحرص الناس على إتلافه، وأخذل الناس لاعتقادهم أن النص في غيره، وحصل بذلك مراد أبي الدوانيق انتهى كلام الدامغاني من شرح الأساس بلفظه.
وقد ذكر في شرح الأساس عن الحاكم في السفينة كلاماً عن جعفر الصادق عليه السلام يقتضي تبرأه عن هذه المقالة وتبرأه عمن خذل زيد بن علي عليهما السلام أو تبرأ منه، وذكر فيها عن جابر يعني الجعفي عن الباقر عليه السلام أنه قال: ليس منا إمام مفترض طاعته أرخى عليه ستوره والناس يظلمون خلف بابه، إن الإمام المفترض طاعته منا من شهر سيفه ودعا إلى سبيل ربه انتهى.(1/1080)

216 / 311
ع
En
A+
A-