الرد على المخالفين في مسألة الإمامة
أما قول المعتزلة والأشعرية: إن طريقها العقد والاختيار، وإن منصبها كل قريش.
· فلا مأخذ له إلا من فعل أهل السقيفة ولا حجة في فعلهم، لأنهم بعض الأمة كيف والخارج عنهم خيار الأمة والراشدين من الصحابة وهم عامة بني هاشم أجمع وعمار وسلمان والمقداد وغيرهم ممن مر ذكرهم رضي الله عنهم، وأما أنها محصورة في كل قريش، فلئن قُدِّر عدم الدلالة على حصرها في البطنين فقط حسبما مر من الأدلة الثمانية التي مر ذكرها وفرضناها على التنزل لم يقم دليل على الحصر في قريش البتة بل تصير مطلقة وجائزة في جميع الناس، إذ لا عمدة على الحصر المدعى إلا ما يروونه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الأئمة من قريش "، وأين ثبوت هذا الحديث ودلالته على مدعاهم من الأحاديث الواردة في العترة الطاهرة التي انقسمت بين متواتر صريح الدلالة وآحادي تواتر معناه على الحصر في آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أما ثبوته: فقد نازع بعض أصحابنا في صحته، بل جزم الإمام القاسم بن محمد في الأساس بعدم صحته لقول عمر: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لما خالجتني فيه الشكوك - يعني في صلاحيته للإمامة عند أن عين أهل الشورى - وإنما عينها فيهم وحصرها شورى بينهم وهم: علي عليه السلام وطلحة، والزبير،وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وقال: لو كان سالم حياً لاستخلفته فإن سألني عنه ربي قلت: يا رب سمعت نبيك يقول: إن سالماً شديد الحب لنا، فلو كان حديث: " الأئمة من قريش " صحيحاً لما ساغ لعمر هذا القول ولأنكره الحاضرون وغيرهم من الصحابة، فَلَمَّا قال عمر هذه المقالة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة عُلم أن الحديث لا أصل له،وهذه دلالة قوية على عدم صحته.
ثانيا: إن سلمنا صحته فهو آحادي لا يصح الاعتماد عليه في ما المطلوب فيه اليقين والعلم.(1/1071)


ثالثاً: أنه مطلق وعام و لا يمتنع تقييده وتخصيصه بالأحاديث الدالة على حصر الإمامة في الآل المطهرين مع الأدلة العقلية التي مر ذكرها على حصرها في البطنين عليهم السلام.
رابعاً: أنه قد وجد المقيد لهذا الحديث بلفظه وهو ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في النهج، ولا خلاف بين أولاده في صحة ذلك عنه: أن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح الولاية إلا فيهم ولا تصلح الولاة إلا منهم. ويشير بقوله: هذا البطن. إلى بطن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فصارت محصورة في أولاده عليهم السلام إلى منقطع التكليف.
لا يقال: هذا آحادي وليس بمرفوع وللاجتهاد في المسألة مسرح فلا دلالة فيه.
لأنا نقول: بعد ثبوت أدلة عصمة أمير المؤمنين عليه السلام كل هذا غير قادح في ثبوت الحديث عنه عليه السلام باتفاق العترة عليهم السلام، لأنه إن قاله حاكياً عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثبتت الدلالة، وإن قاله اجتهاداً فهو مع الحق والحق معه كما تظاهرت بذلك السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
فإن قيل: كيف قلتم إن العقد والاختيار ليس بطريق شرعي لإثبات الإمامة ودليل عليها مع أن العقد والبيعة مما فعل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيعة الرضوان وذكر ذلك في آي القرآن، ومع أن أمير المؤمنين وسائر الأئمة خلفاً عن سلف كل أحد منهم يبايع له وتعقد له الإمامة وتثبت له بعد ذلك الولاية والزعامة، فكيف تنكرون ما دل عليه الكتاب والسنة وهو فعل أئمتكم من أولهم إلى آخرهم ؟(1/1072)


قلنا: لأن ولاية هؤلاء المذكورين عليهم السلام لم تثبت بنفس وقوع العقد والبيعة بل بالقيام والدعوة مع كمال الشروط، وإنما يفعلون العقد ويطلبونه ممن أجاب دعوتهم توثقاً وتأكيداً وطلباً لإظهار المجيب من المتخلف، وإشهاداً على القيام والإجابة، ليكون الأمر بعد ذلك أبعد عن الانفصام والانفتال، وتكون الحجة أَأكد على من نكث البيعة من شرار الرجال، وإنما قلنا: إن القيام والدعوة هو المثبت والموجب لإمامة من قام ودعا مع الكمال لقوله تعالى: ?وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ ? {آل عمران:104}، وقوله تعالى: ?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ? {فصلت:33}، وقوله تعالى: ?يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ?{الأحقاف:31}، وقوله تعالى: ?أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ?{النساء:59}، فأمر سبحانه بالدعوة والإجابة والطاعة من دون شرط تقدم عقد قبل ذلك، ثم بعد ذلك أن طلب الإمام العقد والبيعة للاستيثاق ونحوه وجب ذلك لدخوله فيما يجب طاعة أولي الأمر فيه، وإلا فقد ثبتت إمامته وتحتمت طاعته بالقيام والدعوة، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من بلغه داعيتنا أهل البيت فلم يجبْها كبه الله على منخريه في قعر جهنم " الحديث ونحوه، ولأن المعلوم وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وثبوت ولايته على الخلق أجمعين سواء بايعوه وعقدوا له الأمر أم لا، وإنما كان يأخذ البيعة استيثاقاً وتأكيداً وطلباً لتمييز المجيب من المتخلف، وإشهاداً على ذلك ليكون الأمر أثبت وألزم في الحجة وأبعد عن الانفصام وأقرب إلى جمع الكلمة والالتئام، وهذا واضح ولله الحمد.(1/1073)


يزيده وضوحاً أنه لو لم يكن الطريق إلى ثبوت الإمامة إلا العقد والاختيار لما كان على الممتنع عن العقد والبيعة إثم ولا ملامة ولا حق لأحد يطلبه بالبيعة، ولا ما يتفرع على ذلك من إلزام الطاعة، والمعلوم من فعل السلف والخلف خلاف هذا، فإنهم كانوا يكلفون الممتنع أن يبايع ويدخل تحت الطاعة إلا ما كان من نحو ترك أمير المؤمنين عليه السلام سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مَسلَمة وغيرهما ممن توقف عنه فتركهم عليه السلام ، لأن العقد عنده مستغنى عنه مع النص أو ما كان من غيره من الأئمة من عدم إكراه أحد على البيعة لأن القيام والدعوة عندهم كافٍ في ثبوت الإمامة ولا حاجة إلى الإكراه على البيعة بل هي راجعة إلى نظر الإمام إن شاء طلبها وإن شاء أجبر وإن شاء ترك، ولهذا قال أصحابنا: وتجب له البيعة إن طلبها وتسقط عدالة من طلبت منه البيعة فأباها، وأيضاً فلا تخلو البيعة قبل فعلها إما أن تكون واجبة أم لا، إن قيل بعدم الوجوب، سقط فرض الإمامة، وإن قيل: واجبة، فكيف يجب مبايعة من ليس بإمام، فلم يبق إلا القول بأن البيعة واجبة لمن قام ودعا إن طلبها مع كمال الشروط، وإلا عاد على وجوب الإمامة بالنقض والإبطال فهو بالإبطال أولى.
لا يقال: هذا وارد عليكم في القيام والدعوة بأن يقال: لا يخلو القيام والدعوة قبل فعلهما إما أن يكونا واجبين أو لا، إن قيل: بعدم الوجوب، سقط فرض الإمامة، وإن قيل: بالوجوب، فكيف يجب القيام والدعوة على من ليس بإمام، فما أجبتم به فهو جوابنا ؟(1/1074)


لأنا نقول: إن بعد موت الإمام الأول أو ما هو بمنزلة الموت من الأَسْر المأيوس أو حدوث علة أو حدث أوجب بطلان إمامته يجب على من صلح للإمامة أن يقوم ويدعو فرض عين إن لم يصلح غيره أو كفاية إن كان ثمة صُلَحَاء آخرون، وبعد قيامه ودعوته يلزم الكافة الإجابة والطاعة ولا اختيار لأحد منهم في العدول عنه إلى غيره، ولا يتوقف وجوب الطاعة على المكلف على كونه قد بايع بخلاف العقد والاختيار، فإن مقتضى ذلك أن المكلف مخير بين أن يبايع ذلك الطالب له بالبيعة وبين أنه يبايع غيره ممن يختاره، ومخير بين أن يبايع شخصاً يدخل تحت طاعته وبين أن لا يبايع أحداً، فافترق الحال بلا ريب ولا إشكال.
وأما قول الحشوية والخوارج: إن الإمامة جائزة في كل الناس، وإن طريقها القهر والغلبة.
فهو باطل من حيث أن ذلك يؤدي إلى أن لا تستقر إمامة الإمام، لأن الإمام تارة غالباً وتارة مغلوباً، وكذلك كان الأنبياء عليهم السلام، فلو اعتبرنا الغلبة لأدى إلى جواز خذلان الإمام بعد وجوب نصرته وإلى جواز قتله بعد وجوب احترامه وطاعته، ولما كان على الناكث والعاصي إثم، وكل ذلك معلوم البطلان، فيلزم بطلان ما يؤدي إليه وهو القول: بأن الطريق هو القهر والغلبة، ولأنه قول صادر من أهل البدع وأعوان الظلمة وأعداء العترة المطهرة، فلا يلتفت إليه إلا على وجه التحذير منه.
وأما قول العباسية: إن منصب الإمامة في العباسيين وطريقها الميراث.(1/1075)

215 / 311
ع
En
A+
A-