وهو أن الأمة أجمعت على صحتها في الآل الطاهرين واختلفت في صحتها وجوازها فيمن عداهم من الناس الآخرين، وما أجمعت عليه الأمة فهو الحق والأحوط، وما اختلفت فيه تطرق إليه الخطأ والخوف والشطط،وسلوك ما لا يؤمن خطأه مع وجود مأمون الخطأ قبيح عقلاً سيما فيما يتعلق بالنفوس والأموال والفروج، فإن هذه الأمور خطرة الإقدام والتصرف فيها فلا ينبغي ولا يحل لعاقل الإقدام إليها والتصرف فيها إلا مع العلم اليقين أن ولايتها إليه، ولا يحل لمسلم إجابة ولا إعانة من حاول التولي عليها إلا مع العلم بصحة إمامة الداعي والقائم بأمرها، ولا معلومية ضرورية ولا دلالة قطعية على إمامة أحد إلا الإمام الكامل الشروط من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا واضح لكل من تبصر الحق وأنصف دون من تعامى عنه وتعسف، وقد قال تعالى: ?وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً? {الإسراء:36}، وقال تعالى: ?فَبَشِّرْ عِبَادِ o الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ? {الزمر: 17،18}، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا يبك".(1/1066)


دليل ثامن: وهو أيضاً مركب من العقل والسمع:
وهو أنا لو جوزنا الإمامة في غيرهم لجوزنا سفك دمائهم وأخذ أموالهم وخراب ديارهم وذمهم ومعاداتهم وإفزاع أولادهم وحريمهم، وكل هذا خلاف ما ورد به الشرع الشريف من وجوب مودتهم وموالاتهم وحفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، فيجب أن يكون ما أدى إليه باطلا، لأن ما أدى إلى القبيح فهو قبيح عقلاً، وما لا يمكن ترك القبيح وفعل الواجب إلا بفعله وجب فعله، وما لا يتم تركه أو فعل الواجب إلا بتركه وجب تركه، وإنما قلنا لوجوزنا الإمامة في غيرهم لجوزنا سفك دمائهم الخ، لأنا إذا صححنا إمامة من قام أو بويع له من غيرهم ثم تخلف عنه السادة الفاطميون أو بعضهم كانوا مبطلين عاصين لله ولرسوله بعدم طاعتهم خليفته وجاز بل وجب نصرة ذلك القائم عليهم وقتالهم وأخذ أموالهم وخراب ديارهم وإفزاع أولادهم وحريمهم، ووجبت معاداتهم حتى يفيئوا إلى أمر الله فيعودوا على الغرض المقصود من افتراض مودتهم وموالاتهم وحفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم بالنقض والإبطال، وما عاد على الغرض المقصود بالنقض والإبطال فهو بالإبطال أولى، فلزم إبطال القول بصحة إمامة غيرهم وعدم جوازها في ذلك الغير، ولزم حصرها فيهم لأنه لا يتم ترك ذلك القبيح وهو قتالهم ومعاداتهم، ولا يتم فعل ذلك الواجب وهو مودتهم وحفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم إلا بأمرين: القول بحصر الإمامة فيهم، وترك القول بصحة إمامة غيرهم.
لا يقال: بل يمكن فعل هذا الواجب الذي هو مودتهم وحفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم وترك هذا القبيح وهو قتالهم ومعاداتهم بأن نوجب عليهم التسليم والطاعة لذلك القائم والمبايع من غيرهم، فيحقن بذلك دماءهم وتجب حينئذ مودتهم وموالاتهم وحفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم.(1/1067)


لأنا نقول: هذا باطل من وجوه:
أحدها: أن هذا عمل بالفرع قبل تقرير أصله المتنازع فيه، وذلك لا يصح.
ثانيها: أن هذا تقييد للأمر المطلق من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بلا دليل، وتقييد الأوامر المطلقة من الله ورسوله بلا دليل لا يجوز، وذلك أن الأوامر من الله ومن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بمودتهم ووجوب موالاتهم حفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم وردت غير مفروطة ولا مقيدة بطاعة من قام أو بويع من غيرهم، فاشتراط ذلك وتقييده بناء على المذهب المتنازع فيه لا يجوز.
ثالثها: أنا نقول: هب أن الأمر كما ذكرت من أنا نوجب عليهم التسليم والطاعة لذلك القائم أو المبايع من غيرهم، فما جوابك لو لم يسلموا بناء على معتقدهم ومذهبهم أنهم أحق وأولى بالأمر من ذلك القائم أو المبايع من غيرهم، أيجب التسليم إليهم وطاعتهم دون ذلك المعارض ؟ فهو الذي نقول وهو مقتضى مذهبك في جواز الإمامة وصحتها في كل قريش أو في كل العرب والناس، أم تجب نصرة ذلك القائم أو المبايع من غيرهم ولو أدت إلى قتالهم ومعاداتهم ؟ عاد آخر الأمر إلى أوله من الإخلال بمودتهم وطاعتهم وارتكاب معاداتهم وقتالهم وهو خلاف ما علم من الدين ضرورة، فلم يبق إلا القول بحصرها فيهم دون غيرهم وهذا واضح.
فإن قيل: هذا الدليل يلزم عليه جواز قتل بعض العترة حيث يقوم أحدهم ويتخلف عنه الآخرون أو بعضهم ؟ فما أجبتم به فهو جوابنا.(1/1068)


قلنا: لا سواء، فإنه إذا قام إمام من العترة كامل الشروط صار غيره من الفاطميين مكلفاً بطاعته، فإذا تخلف عصى، فإذا أدى عصيانه إلى إنزال ضرر به فقد أتي من جهة نفسه بخلاف ما إذا كان القائم من غير العترة، فلا يلزم الفاطمي طاعته، فإذا وقع به شيء من الضرر لم يكن أُتي من جهة نفسه بل التعدي عليه وقع من جهة المُدَّعِيْ عليه ما لا يلزمه له كما قد جرت به عادة الظلمة والفجار والفساق دعواهم الخلافة والرئاسة وعضدهم على ذلك علماء السوء في الفتوى بصحة إمامتهم وبغي من عارضوه من أئمة العترة عليهم السلام من لدن أمير المؤمنين عليه السلام إلى يومنا هذا، فقتلوا العترة النبوية تحت كل حجر ومدر، وحصدوا الشجرة الفاطمية في كل بدو وحضر، وأخافوا السلالة العلوية وأتباعهم من بين سائر الخلق والبشر، حتى أن عباد الأصنام والعكاف على الأوثان والآثام يأمنون في أوكارهم، والفاطميون ومن تبعهم مشردون في جميع أقطارهم ولله القائل:
وكم قتلوا من آل أحمد سيداً .... تُزَاحم هامات النجوم مناكبه
ولله الآخر:
أمةُ الغي أَيُّ نُكْرٍ أتيتي .... بعد طه وأيُّ أمرٍ أََبيتي
وعن الرشد أي نَأيٍ نأيتي .... أَوَمَا قال: عترتي أهل بيتي؟
فاحفظوني في بِرِّها وَوَلاَهَا(1/1069)


الفرق التي خالفت الزيدية في مسألة الإمامة
تنبيه: قد علم مما مر أن طريق الإمامة عند أئمة الزيدية عليهم السلام وشيعتهم الأعلام هو القيام والدعوة مع الكمال، وأن الخلاف في ذلك مع:
المعتزلة والأشعرية فقالوا: بل طريقها العقد والاختيار، ومنصبها كل قريش. ومع الحشوية والخوارج فقالوا: طريقها القهر والغلبة،ومنصبها كل الناس.
ومع العباسية فقالوا: طريقها الإرث، ومنصبها العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وذريته.
وقالت الإمامية: هي محصورة في اثني عشر إماماً، وطريقها فيهم النص والتعيين من الشارع وهم: أمير المؤمنين، والحسنين، ثم زين العابدين علي بن الحسين، ثم ولده محمد بن علي الباقر، ثم ولده جعفر بن محمد الصادق، ثم ولده موسى بن جعفر الكاظم، ثم ولده علي بن موسى الرضا، ثم ولده محمد بن علي الباقر الصغير، ثم ولده علي بن محمد، ثم ولده الحسن بن علي العسكري، وثم ولده محمد بن الحسن وهو المهدي المنتظر بزعمهم أنه غاب وسيعود يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
والذي يدل على بطلان هذه الأقوال المخالفة لمذهب الآل على الجملة دليلان:
أحدهما: أنها مخالفة لمذهب العترة الطاهرة وإجماعهم، وكلما هذا شأنه فهو باطل قطعاً لما تقرر من أن الحق بأيديهم وأن إجماعهم حجة قطعية.
ثانيها: أنها أقوال لا دلالة عليها من عقل ولا نقل، وكلما هذا شأنه فهو باطل قطعاً سيما في المسائل المتعلقة بمهمات الدين، وما المطلوب فيه العلم اليقين، ثم نتبع كل واحد من هذه الأقوال بالإبطال بما نخصه فنقول:(1/1070)

214 / 311
ع
En
A+
A-