قلت: قد علمت أيها المطلع أن هذا الحديث روي بألفاظ وطرق مختلفة فما ذكره رحمه الله أولاً من أنه مستفيض وفي آخر الكلام من أنه مشهور لا تنافي بين ذلك ولا ينافي في دعوى تواتره أو تلقيه بالقبول، لأن كونه مستفيضاً يعود إلى ما ذكره أولاً بلفظ: " أهل بيتي كمثل النجوم " إلى آخره، ومن نظر وفتش في جميع الألفاظ والطرق والروايات ودوران هذا الحديث في السنة كثير من العلماء موالفيهم ومخالفيهم علم تواتره، لذلك أدخلناه في الضرب الأول وهو المتواتر والله أعلم، ولكل أحد نظره، فليس من شأن المتواتر أن يتواتر عند جميع العلماء بل قد يتواتر للبعض دون البعض كما هو مقرر في أصول الفقه.
وأما الضرب الثاني: وهو الآحاد التي بلغت حد التواتر المعنوي في المطلوب، فأخرج الهادي إلى الحق عليه السلام ، والمؤيد بالله في الزيادات، والمنصور بالله عليهم السلام في الشافي عن علي عليه السلام قال صلى الله عليه وآله وسلم: " من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله على منخريه في قعر جهنم "، ولفظ المؤيد بالله داعينا، والواعية: الصوت المؤذن بالقتال.
وأخرج الإمام زيد بن علي،والناطق بالحق، والمنصور بالله عن علي عليهم السلام: " إن عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإسلام ولياً من أهل بيتي مُوَكَّلاً يعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله ".
وأخرج أبو عبد الله العلوي والموفق بالله والمرشد بالله عن أبي سعيد الخدري: " إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة من دخله غفر له "، ذكره شيخنا رحمه الله تعالى في السمط، وذكر أحاديث كثيرة تدل على ذلك، فلا نطيل بذكرها فلتؤخذ منه.(1/1061)
وذكر ابن حجر في صواعقه بعد روايته لحديث: " إني تارك فيكم " ما لفظه: وفي رواية صحيحة: " إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي " زاد الطبراني: إني سألت ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، إلى أن قال: وفي رواية عند الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " اخلفوني في أهل بيتي "، وفي أخرى عند الطبراني وأبي الشيخ: " إن لله عز وجل ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته. قال: حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي " وفي رواية للبخاري عن أبي بكر: يا أيها الناس أرقبوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته - أي احفظوه فيهم فلا تؤذوهم، وأخرج ابن سعد والملا في سيرته أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: " استوصوا بأهل بيتي خيراً فإني أخاصمكم عنهم غداً ومن أكن خصمه أخصمه ومن أخصمه دخل النار "، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من حفظني في أهل بيتي فقد أتخذ عند الله عهداً "، وأخرج الأول: يعني ابن سعد: " أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً " والثاني: يعني الملا حديث: " في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ألا وإن أئمتكم وفدكم على الله تعالى فانظروا من توفدون " وأخرج أحمد خبراً: " الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت " وفي خبر حسن: " ألا إن عيبني وكرشي أهل بيتي والأنصار، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم"، وقال: في موضع آخر وأخرج الطبراني: إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه وأن الله جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب، وقال في موضع آخر، أخرج الديلمي عن أبي سعيد: " اشتد غضب الله على من آذاني في عترتي " وورد أنه صلى الله عليه وآله(1/1062)
وسلم قال: " من أحب أن يُنَسَّى - أي يؤخر في أجله - وأن يمتع بما خوله الله فليخلفني في أهل بيتي خلافة حسنة فمن لم يخلفني فيهم بتر عمره وورد علي يوم القيامة مسوداً وجهه "، وحكى عن الحاكم والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي "، وحكى عن ابن ماجه عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " ما بال أقوام إذا جلس إليهم أحد من أهل بيتي قطعوا حديثهم والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرء الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتي ".
قلت وبالله التوفيق: فهذه الجملة مما نقله ابن حجر عن علماء المخالفين وروايتهم تدل على ما ذهبنا إليه من حصر الإمامة في الآل الطاهرين لنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن التقدم عليهم، والتأخر عنهم وهو عدم إجابة داعيهم، فكيف بتقديم غيرهم عليهم!، ولأن من تقدم عليهم أو قدم غيرهم عليهم لم يحفظ حرمته صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، وقد آذاه فيهم ولم يخلفه في أهله بخير وصار خصماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يتخذ عند الله عهداً ولا سبيلاً، ولم يرقب محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته، ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنهم العدول من كل خلف وفي كل عصر، وأنهم الحافظون للدين عن التحريف والانتحال والتأويل الباطل، فتجب متابعتهم وتأخير من عارضهم، ولأنهم موضع عيبته وسره وذريته وعترته الذين اشتد غضب الله تعالى على من آذاهم.(1/1063)
ولاشك أن من نازعهم الأمر بعده صلى الله عليه وآله وسلم ومن فضل عليهم غيرهم وترحم على من قاتلهم وسبهم ولم يترك مجهوداً في عداوتهم أنه قد آذاهم واستحق أن يبتره الله عمره، وأن يرد يوم القيامة مسوداً وجهه، وأنه لم يحب الله لما يغذوه من نعمه، ولم يحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أهل بيته عليهم السلام، وإن زعم ذلك فهي دعوى يكذبها الواقع من الأذية للآل عليهم السلام بتقديم غيرهم وتفضيله عليهم وموالاة أعدائهم، غير أن هؤلاء القوم يروون الأحاديث النبوية والآثار المروية عن السلف الصالح كما روى ابن حجر عن زين العابدين خبراً طويلاً إلى أن قال: فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكم إلاّ أهل الكتاب وأبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده ولم يدع الله الخلق سدىً من غير حجة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وأبرأهم من الآفات وافترض مودتهم في الكتاب؟ وكذلك روي عن ولده الباقر وولده الصادق عليهما السلام من قول الأول: نحن الناس المحسودون، وقول الثاني: نحن حبل الله الذي قال: ?وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً?، {آل عمران:103}، ثم لا يعلمون بشيء من ذلك ?فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا? {النساء:78}، وكذلك فقد وردت الأحاديث الثلاثة المتواترة التي مر ذكرها: إني تارك فيكم الثقلين، وأهل بيتي كسفينة نوح، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء.(1/1064)
ثم لا تجد أيها المتأمل لها عند هؤلاء القوم أدنى نتيجة، ولا أقل ثمرة حيث قدموا غيرهم عليهم في الإمامة والتفضيل، وحكموا على من خالفهم في ذلك بالرفض والتضليل، وتركوا مذهب الآل الطاهرين أصولاً وفروعاً، ووالوا أعداءهم الفاجرين محبة وولوعاً، ولله القائل فلقد أجاد وأفاد رحمه الله تعالى وهو القاضي العلامة أحمد بن سعد الدين المسوري رحمه الله تعالى:
لهم فرض المودة والولايه
وهل من بعد آي الله آيه
معالمها لكل أخي هدايه
عُلِمَت بهم أسانيد الروايه
أما فيهم لذي عقلٍ كفايه
يراد سواه حَكَّمَ فيه رايه
وأظهر ميلَه عنها ونأَيه
ضلالاً فهو يركض في العمايه
لهم أبدا التوجعَ والشِّكَايه
ـباعهمُ سلامةُ والوقايه
يدين بما استبان من الغوايه
عجبت لمن يدين بحب قومٍ
ويتلو فيهمُ آيات ربي
ويروي فيهمُ سنناً أنارت
إذا ما أُسنِدَت فإلى رجالٍ
تناقلها أئمة ذو هُدَاءٍ
فلما استُنتِجَت فيهم بما لا
إذا ذُكرت خلافتُهم أَبَاهَا
وإن ذكرت روايتُهم رواها
وإن سمع القراءةَ في كتابٍ
ونَقَّصَ أئمةَ الحقِ الذي في اتـ
ودعوى الحق والتحقيق فيما
دليل سابع مركب من العقل والسمع:(1/1065)