ذكره القرشي أيضاً: وهو ما حكاه عن صاحب المحيط في التعليل لاعتبار المنصب المخصوص للإمامة بأن مع المنصب يكون أقرب إلى التمكن من القيام بالأمر.
قلت: وتحقيقه: أنا إذا جعلنا الإمامة محصورة في منصب مخصوص معين كان ذلك أيسر وأقرب لاجتماع المسلمين على إمام معين، بخلاف ما إذا جعلناها شركة بين الأمة عجميها وعربيها وقرشيها وفاطميها، والأراذل والأخدام وسائر أفناء الناس صارت عرضة وطلبة لكل من أراد الحياة الدنيا وزينتها فلا بد من اعتبار منصب لها مخصوص، ولهذا أجمعت الأمة على اعتباره ما عدا الخوارج فإنهم يقولون: تصح في جميع الناس. فأما من عداهم من فرق الإسلام فكل يعتبر المنصب، فقال بعض المعتزلة: يكفي أن يكون عربياً. وقال سائر المعتزلة والأشعرية والمحدثون: يجب أن يكون قرشياً. وقيل: يجب أن يكون عباسياً. وقيل: يجب أن يكون علوياً. وقالت الزيدية والإمامية: يجب أن يكون فاطمياً.(1/1051)
وإذا نظرنا إلى العلة المقتضية لاعتبار المنصب وأعملنا فيها طريقة الإنصاف والأحوط بطلت هذه الأقوال كلها ما عدا كونه فاطمياً، لأنا إن عللنا بكون الناس أقرب إلى التمكن من نصب إمام محق عند موت الأول وبطلان إمامته لأمر ميؤوس أو علة مخلة، فلا شك أن المنصب الذي يقل فيه الاشتراك والأخص أنسب بالتعليل من الأعم لأنه يحصل فيه مرام الجميع من شرطه الذي يعتبره، فإن من اشترط العربية أو القرشية أو ما هو أخص منهما من كونه هاشمياً أو علوياً قد حصل في الفاطمي، فإذا قصرناها عليه كان الحكم بالقصر عليه أنسب بالعلة المطلوبة للجميع، وهو عدم مشاركة من خرج عن شرط كل لمن حصل فيه شرطه، وهذا واضح لا ينكره إلا مكابر أو حاسد، وإن عللنا ذلك بكون العربي أثبت في الديانة واستنباط الأحكام الشرعية من العجمي، حيث أن الكتاب والسنة على لغته أو بكون القرشي أثبت في ذلك من سائر العرب والموالي وأخلاط الناس وأراذلهم أو بكون العلوي أثبت من القرشي في ذلك كان الفاطمي حينئذ هو الأنسب والأولى والأحق بكونه منصب الإمامة، لأن حظه مما علل به كل من أهل هذه الأقوال الحظ الوافر ونصيبه من ذلك السهم القاهر، هذا مما يكاد يعلم ضرورة، سيما مع اشتراط الأفضلية والعلم والورع، وإن عللنا بالقرب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث أن العربي أقرب من العجمي، والقرشي أقرب من العربي والموالي ونحوهم، والهاشمي ثم العلوي أقرب من القرشي، فلا شك أن الفاطمي أقرب من الجميع، ولهذا قال الوصي عليه السلام : فيا عجباه أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة، وقال عليه السلام في رداً على أبي بكر:
فكيف تليها والمشيرون غُيَّبُ
فغيرك أولى بالنبي وأَقْرَبُ
فإن كنت بالشورى ملكت أمورَهم
وإن كنت بالقربى حَجَجْتَ خصيمَهم
دليل خامس سمعي:(1/1052)
واعلم أن الآيات الدالة على ذلك من القرآن كثيرة قد ذكر منها العلماء رحمهم الله تعالى جماً غفيراً ومنهم: الحاكم رحمه الله تعالى في شواهد التنزيل وغيره، وهي في شأنهم عليهم السلام على ثلاثة أضرب:
منها: ما يدل على حصر الإمامة فيهم.
ومنها: ما يدل على كون الحق بأيديهم وأن مخالفهم ضال لا محالة.
ومنها: ما يدل على وجوب مودتهم وطاعتهم والانتماء إليهم، وتقليد أئمتهم في الفروع والاعتزاء إليهم في الأصول لا على سبيل التقليد، بل متى أجمعوا على شيء جعل إجماعهم دليلاً وحجة لا تجوز مخالفتها.
إذا عرفت ذلك فقد جعلت الاستدلال في هذه الجملة على الثلاثة الأضرب لتلازمها ووجوب اعتقادها جميعاً والعمل بها معاً.
فأقول وبالله التوفيق والهداية إلى خير طريق: قال الله تعالى: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? الآية{البقرة:143}، قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى في السمط: المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن الله تعالى إيَّانَا عنى بقوله: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?، فرسول الله شاهد علينا ونحن شهداء على خلقه وحجته في أرضه قال: أخرجه الحُسْكَاني.
قال: وأخرج المرشد بالله والحافظ بن عقدة عن علي عليه السلام في قوله تعالى: ?ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ? {البقرة:208}، قال: ولايتنا أهل البيت.
وأخرج المرشد بالله وابن عقدة عن الباقر عليه السلام : ?ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً?، قال: ولاية آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.(1/1053)
وأخرج الحاكم أبو سعيد والحاكم الحسكاني وغيرهما عنه صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ? {النساء:59}، هم آل محمد، عن علي والباقر وعكرمة وغيرهم، واتفق أئمتنا على الاحتجاج بها خلفاً عن سلف على وجوب طاعتهم، ولا يخلو من الاحتجاج بها مؤلف أو دعوة إمام.
وأخرج الثعلبي والحاكم الحسكاني عن الصادق في قوله تعالى: ?أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ? {النساء:54}، قال: الملك أن جعل فينا أئمة من أطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله، فهذا ملك عظيم. وعن ابن عباس: نحن الناس وفضلة النبوة، وعن الباقر عليه السلام : نحن المحسودون.
وأخرج الحاكم أبو سعيد أثراً في قوله تعالى: ?وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ ? {النساء:83}، أنهم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وأخرج المرشد بالله وأبو الشيخ والحسكاني عن الباقر عليه السلام : ?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى? {طه:82}، قال: إلى ولايتنا أهل البيت.
وأخرج ابن السَّرِي ومحمد بن سليمان عن زين العابدين عليه السلام قال: ? ثُمَّ اهْتَدَى?، قال: إلى ولايتنا أهل البيت.
وأخرج المرشد بالله والحسكاني عن ثابت البناني في قوله تعالى: ?ثُمَّ اهْتَدَى? قال: إلى ولاية أهل بيته، وأخرجه ابن عقدة وابن المغازلي والمنصور بالله وأبو الفتح الديلمي.
وأخرج الحسكاني وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: " ? ثُمَّ اهْتَدَى? قال: إلى ولايتنا أهل البيت ".(1/1054)
وأخرج الحاكمان أبو القاسم وأبو سعيد وابن المغازلي في قوله تعالى: ?فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ o وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ? {الشعراء:100،101}، يقولون ذلك إذا رأوا شيعتنا نشفع لهم قالوا: مالنا من شافعين الخ أو كما قال.
وأخرج الحسكاني عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: ?وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ?{القصص:5}، والذي نفسي بيده لتعطفن عليكم هذه الآية عطف الضروس على ولدها، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " يا بني هاشم أنتم المقهورون المستضعفون بعدي " أخرجه الحسكاني، والمرشد بالله نحوه.
وأخرج المرشد بالله وابن المغازلي والحاكمان أبو سعيد وأبو القاسم في قوله تعالى: ?مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ o وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ? {النمل:89،90}، عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم: الحسنة حب آل محمد والسيئة بغضهم،وأكثر الحسكاني طرقه.
وأخرج المرشد بالله وابن عقدة عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام: ?فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ? {البقرة:256}، العروة الوثقى مودتنا أهل البيت،وأخرجا أيضاً عن الباقر عليه السلام مثله، وأخرجا أيضاً عن زيد بن علي عليهما السلام مثله، وأخرج محمد بن سليمان نحوه.
وأخرج الإمام المرشد بالله وأبو الشيخ والحاكمان أبو سعيد وأبو القاسم وابن المغازلي عن ابن عباس في قوله تعالى: ?سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ? {الصافات:130}، قال: على آل محمد،وأخرجه الحسكاني عن غيره من طرق.
وأما قوله تعالى: ?إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ? {الأحزاب:33}، فنزولها فيهم متواتر فلا نطيل بذكره.(1/1055)