لأن هؤلاء ليس لهم من الرأي ما يستقيم معه تدبير أمر الأمة وسياسة الرعية، وقد خالف بعض الأشعرية في حق الصبي والمرأة فقالوا: إن ثبتت لهم الإمامة بالعقد والاختيار فلا تصح ولا يصح العقد والاختيار إلا للذكر البالغ العاقل، وإن ثبتت لهما بالقهر والغلبة صحت إمامتهما،وهذا قول لا يلتفت إليه ولا يعول عليه لأن الإجماع منعقد على أنه لا يصح من الصبي التصرف في مال نفسه فكيف يصح منه التصرف في أموال المسلمين ودمائهم ؟ ولأن المرأة لا يصح توليتها إنكاح نفسها فكيف يجعل إليها ولاية نكاح كل من لا ولي لها من جميع نساء المسلمين، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " الخبر ؟
وأما قوله عليه السلام : والقوة على تدبير الأمور، فيدخل تحته:
الشرط التاسع: أن يكون حراً
الشرط التاسع: وهو أن يكون الإمام حراً، فلا تصح إمامة العبد لأنه مشغول بما هو في حقه فرض عين وهو خدمة سيده، فلا يقدر على تدبير الأمة وسياسة الرعية مع ذلك على أن إجماع الأمة منعقد على ذلك فلا يصح تقدير ما لو أسقط عنه سيده الخدمة، وقد حكي الإجماع على ذلك في الانتصار وغيره، ولعله محمول على إجماع المتقدمين لما ذكره في الغيث من قوله: وذهب الجويني والأصم إلى جواز إمامة العبد لما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " أطيعوا السلطان ولو عبداً حبشياً "، قال عليه السلام : قلنا: الإمامة من المسائل القطعية فلا يؤخذ فيها بخبر الآحاد.
قلت: إن صح الخبر، فيمكن حمله على ما إذا عتق وكان فاطمياً ولو كان مولده أو منشأه بالحبشة أو أن المراد أمير السرية، إلا أن التأويل بما ذكرناه أولى لعمومه ولأن أمير السرية ليس بسلطان حقيقة بل متولي من طرفه، والله أعلم.
الشرط العاشر: أن يكون سليم الحواس(1/1041)
الشرط العاشر: أن يكون سليم الحواس فلا يكون أعمى ولا أصم ولا به آفة تمنعه من إدراك ما نصب لأجله، لكن ينظر فيما إذا سلب حاسة الشم والطعم واللمس فإن هذه في الحقيقة قد يحتاج إليها وقد لا يحتاج إليها، وقد أطلق علماؤنا رحمهم الله اشتراط سلامة الحواس جميعها، فلعل أنها شرط لجواز أن يحتاج إليها، وطرد اللباب والله أعلم.
الشرط الحادي عشر: أن يكون سليم الأطراف
الشرط الحادي عشر: أن يكون سليم الأطراف من الجذام والبرص ونحوهما من الأمراض والعاهات المنفرات عن مخالطة الناس له، لأن ذلك يتعذر أو يتعسر قضاؤه حوائج المسلمين والقيام بما يحتاج إليه الجهاد من المخاطبات السرية والمجالس الخاصية.
الشرط الثاني عشر: أن يكون قادراً على أن يدير الأمور
الشرط الثاني عشر: أن يكون قادراً على تدبير الأمور بأن يكون ذا أهلية وهمة وحسن تدبير بحيث يكون أكثر رأيه الإصابة، لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحصل الغرض الذي لأجله نصب، وسيأتي مزيد تحقيق للمؤلف عليه السلام في ذلك.
الشرط الثالث عشر: أن يكون عدلاً(1/1042)
الشرط الثالث عشر: وهو من أهم الشروط وأعظمها وأولها وأحقها بالتقديم وهو أن يكون عدلاً آتياً بالواجبات مجتنباً للمحرمات كبائرها وصغائرها المنفرة إلا ما كان على جهة الندرة أو الخطأ أو النسيان أو التأويل أو لم يثبت عنده تحريمها، ولكن لا ينبغي أن يجعل اجتناب الصغائر شرطاً بحيث تبطل به إمامته بعد صحتها، وإنما ذلك من باب الأولى، وإنما الشرط المحقق هو اجتناب الكبائر، وقد اختلف فيما إذا حدثت منه الكبيرة بعد انعقاد إمامته، فعند أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم تبطل وتعود بالتوبة، وهل يحتاج إلى تجديد دعوة على خلاف في ذلك، الأظهر عدم الاحتياج لما فيه من الإشاعة، وقال بعض الأشعرية: لا تبطل إمامته بالفسق الطاري بعد عقدها له مع كونه غير فاسق، وعن بعضهم: يصح العقد للفاسق فلا تبطل إمامة الفاسق بأي حال، وهذا باطل قطعاً لقوله تعالى: ?لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ?، وقد جود الرازي في تفسيره والزمخشري الاستدلال بهذه الآية على بطلان إمامة الفاسق قال: وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة، وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إماماً قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة، فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل: من استرعى الذئب ظلم.
قلت: ولله در المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام حيث يقول في معنى ما ذكره الزمخشري :
قامَ المريضُ على المرضَى يُداويها
صَعبٌ مسالكها صَعبٌ مراقِيها
تجري شهادتُهُ في دانقٍ فيها
إن الخلافةَ أمرٌ هائلٌ خَطِرٌ
وفي معنى ما قاله ابن عيينة قول لآخر:
وكيف يقوم الظلُّ والعودُ أَعوجُ
وما يستوي الممشى وما ثَمَّ منهجٌ
الشرط الرابع عشر: أن يكون الإمام فاطمياً
الشرط الرابع عشر: أن يكون الإمام فاطمياً، وهو أصل مسألة الفصل الذي عقد لأجلها.(1/1043)
قال عليه السلام [ فإن قيل: ما الذي يدل على ذلك ؟ ] أي على أن الإمامة محصورة في البطنين محظورة على من عدا أولاد السبطين، وعلى سائر ما ذكرتم من تلك الشروط [ فقل: أما الذي يدل على الحصر ] في البطنين دون من عداهم من سائر الناس، فأدلة كثيرة ذكر منها عليه السلام دليلين وسنذكر بعد ذلك ما سنح من غيرهما:(1/1044)
الأدلة على أن الإمامة محصورة في البطنين
الدليل الأول:
قوله عليه السلام [ فهو أن العقل يقضي بقبح الإمامة لأنها تقتضي التصرف في أمور ضارة من القتل والصلب ونحوهما، ] هذا الدليل مبني على أن الإمامة لا تجب عقلاً وإنما وجبت سمعاً فقط، بل هو مبني على أنها قبيحة عقلاً كما ترى تحريره، فأما وجوبها عقلاً وسمعاً أو سمعاً فقط فقد مر تحقيق الكلام فيه، وأما أنها قبيحة عقلاً فإنما ذلك باعتبار بادي الرأي وظاهر الأمر، لأن ما ذكره من القتل والصلب ونحوهما إنما يقبح في العقل إذا عري عن السبب المقتضي لذلك، أما إذا كان عن استحقاق القتل قصاصاً أو للسعي في الأرض فساداً والصلب والخلف لذلك والقطع للسرقة والجلد للزنا والقذف، فلا يسلم أن العقل يحكم بقبح ذلك حتى يقال نسخه الشرع، وإنما يحكم العقل بقبح ما ذكر لو عري عن تلك الأسباب المقتضية للجواز أو الوجوب بحسب الحال، أما الجواز فحيث لا يخشى من ترك الساعي ونحوه زيادة في الفساد تؤدي إلى الإضرار بالخلق، وأما الوجوب فحيث يخشى ذلك، لكنه عليه السلام نظر إلى أن نفس القتل قصاصاً متعلق بولي الدم فليس مما تقتضي الإمامة والقتل للسعي في الأرض فساداً وللباغي أو المشرك شرعي محض، وليس في العقل ما يقتضي حسنه أو وجوبه إلا إذا كان مدافعةً عن النفس لا غيرها من سائر الخلق، وإذا كان كذلك فلا يجوز عقلاً لأحد فعله إلا لمن أذن له الشرع بدلالة قطعية [ و ] لم تحصل إلا للفاطمي لأنه [ قد انعقد إجماع المسلمين على جوازها في أولاد فاطمة عليها السلام، ولا دليل على جوازها في غيرهم، ] من سائر الأمة إذ لم ينعقد على جوازها في سائر المسلمين إجماع لأجله يجوز لغير الفاطمي أن يتصدر لفعل ذلك وهو قتل الساعي في الأرض فساداً أو صلبه أو خلفه،وقتال من بغى على ذلك الداعي وقتال المشرك [ فيبقى ] قتل من ذكر إذا صدر من [ من عداهم ] أي من عدا الفاطميين عليهم السلام [ على القبح ] العقلي.(1/1045)