الشرط الأول: العلم
الشرط الأول: ما ذكره عليه السلام بقوله: [ من: العِلْمِ الباهر، ] وهو أن يكون بالغاً درجة الاجتهاد بمعنى التمكن من استنباط حكم الحادثة عند وقوعها وتطبيقه على الوجه الشرعي غير مقلد فيه على الصحيح أو مقلد فيه لأحد الأئمة، كما ذهب إليه الإمام يحيى عليه السلام وغيره من المتأخرين عند عدم المجتهد من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتصح عندهم حينئذ -أي حين أن يعدم الإمام المجتهد من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم- إمامة المقلد منهم عليهم السلام، وحكى الإمام الشرفي في شرحه على الأزهار المسمى ضياء ذوي الأبصار عن شرح الفتح: أن اشتراط الاجتهاد مما لا يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع، وروى ذلك - أي عدم اشتراط الاجتهاد - عن جماعة قال: وممن روي عنه جواز إمامة المقلد لضرورة الإمام علي بن محمد عليهما السلام وولده الناصر عليه السلام إمامين مع قصورهما عن الاجتهاد لا سيما الناصر ونفع الله بهما نفعاً لا يتفق مثله في مقام غيرهما من المتأخرين، قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى: قلنا: لا نسلم إلا أنا كلاً مجتهد وخلافهم في كتب المقالات ظاهر.(1/1036)
قلت: وكلام صاحب شرح الفتح مما يقضى منه العجب فإن قول الله تعالى: ?أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى ? {يونس:35}، يدل بظاهره على أن من هَدَى إلى الحق الذي هو أحق أن يُتبع هو من يَهدي إليه دون من يُهدى إليه، فكيف ساغ له القول بأن اشتراط الاجتهاد مما لا دليل عليه من كتاب الخ ؟ وأيضاً ففي السنة وصف الأئمة الهادين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أعطاهم الله علمي وفهمي " أخرجه المرشد بالله، وليس المقلد ممن أعطاه الله علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفهمه، فاقتضى أن الإمام لابد وأن يكون مجتهداً، وأيضاً فقد حكى الإجماع في البحر وغيره على اشتراطه قبل الغزالي وغيره ممن يصحح إمامة المقلد فقد قام الدليل من الكتاب والسنة والإجماع، اللهم إلا أن يقال مسلم ذلك - أي اشتراط الإجتهاد - مع وجود المجتهد وكلامنا فيما إذا عدم المجتهد استقام قوله إن اشتراط الاجتهاد الخ، على أنه قد نقض كلامه بأن قال: إن الإمام المطهر بن يحيى وولده محمد المهدي عليهما السلام لم يكونا مجتهدين، واحتج للمسألة بأنهما ممن روي عنه جواز إمامة المقلد، فكيف ساغ له الاحتجاج بكلامهما ونقل خلافهما في المسألة مع كونهما مقلدين على زعمه ! فإن المقلد لا يحتج بقوله ولا ينقل خلافه، ولعل خلاف من خالف في اشتراط الاجتهاد لا يخالف في أنه لا بد في الإمام أن يكون عارفاً بما يحتاج إليه من المسائل الفقهية وإن أخذها تقليداً في ثبوت أدلتها لمن مضى من السلف الصالح من المجتهدين والعلماء والمفتين، إذ من البعيد أن يقول الإمام يحيى عليه السلام وغيره من العلماء المحققين بصحة إمامة الجاهل الصرف، إذ لا قائل أنه لا يشترط العلم رأساً إلا الحشوية ذكره عنهم في الأساس، وسيأتي تحقيق ما يحتاج إليه المجتهد من العلوم الدينية وطريقة العلم للمكلف بحصول ذلك فيه.
الشرط الثاني: الفضل(1/1037)
[ و ] الشرط الثاني: ما أشار إليه عليه السلام بقوله و [ الفضل الظاهر، ] يعني بأن يكون بمكان من الفضل بأن يكون أفضل أهل زمانه أو كأفضلهم، واحتج لذلك في الأساس بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من ولى رجلاً وهو يعلم أن غيره أفضل منه فقد خان الله في أرضه "، قال الشارح: فإذا كان هذا في حق الإمام إذا ولى غيره في الأعمال فكذلك في الإمام نفسه، قال: وهذا قول جمهور أئمة الزيدية وبعض المعتزلة، قال في المحيط: أجمعت الزيدية والإمامية على أن إمامة المفضول لا تجوز وأن الإمام يجب أن يكون أفضلهم، وأنه لا يجوز أن يعدل إلى غيره بوجه من الوجوه، وإليه ذهب أكثر المرجئة وقوم من المعتزلة منهم الجاحظ، وقالت المعتزلة: إن الإمامة يستحقها الفاضل الذي يعرف فضله بأكثر الرأي إلا أن يحدث أمر يكون عنده نصب المفضول أصلح وجب نصبه في هذه الحال الخ ما ذكره عن صاحب المحيط في شرح الأساس.
وقال شيخنا رحمه الله تعالى في حاشيته على المختصر: واختلف في إمامة المفضول على إطلاقين وتفصيل: لا تجوز مطلقاً وهو قول الناصر وأكثر الجارودية، وتجوز مطلقاً وهو قول البغدادية وبعض الزيدية، والتفصيل وهو قول الأخوين والمهدي وغيرهم، وقد اختلف في معنى الأفضلية هاهنا فقال الإمام يحيى عليه السلام : هي أن تكون الشرائط المعتبرة فيه أكمل وأتم لا على معنى ثوابه أكثر إذ لا يعلم مقادير الثواب إلاّ الله، وفي كلام المهدي عليه السلام ما يدل على أن المراد بالأفضلية الأكثر ثواباً.(1/1038)
قلت: ولا طريق إلى العلم بذلك إلا مجرد الظاهر من أنا إذا علمنا رجلين كاملين في العلم والورع وحسن التدبير والانتساب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ثم كان لأحدهما من الزهادة والعبادة وجودة الرأي أكثر من الآخر أفادنا ذلك الظاهر أنه أكثر ثواباً من الآخر، قال عليه السلام : فيجب أن تثبت الإمامة للأفضل إلا أن يمنع منه مانع يكون عذراً في نصب المفضول صحت إمامته، كأن يكون بالفاضل آفة كالبرص والجذام ونحوهما، وهذا خلاف مراد الإمام يحيى عليه السلام ولا خلاف بينهما في هذه الصورة. وإنما تظهر ثمرة الخلاف إذا كان كلاهما صالحين كاملي الشرائط والسلامة من المنفرات لكن أحدهما زاد على الآخر بما ذكر من الزهادة ونحوها، فعند المهدي: لا تصح إمامة المفضول مع وجود ذلك الفاضل، وعند الإمام يحيى عليه السلام : تصح مع وجود ذلك الفاضل، قال: ولا دليل على اشتراط الأفضلية - يعني بكونه أكثر ثواباً - وقال بعضهم إذا كان المفضول قد سبق بالدعوة وهو أنهض وأثبت من الفاضل لأمور المسلمين صحت إمامته وإلا وجب على الفاضل القيام وكان هو الإمام، فإن لم يقم ويدعو كانت إمامة ذلك المفضول بعد أن قام ودعا صحيحة، وهذا الأظهر والله أعلم.
وحينئذ فالحق لمن سبق بالدعوة مع الكمال وبالسبق يكون أفضل، وبقي الكلام لو استويا وادعيا في وقت واحد، المهدي يقول: يجب تقديم الفاضل، والإمام يحيى لا أدري ما يقول بناء على أصله ولعله لا يسعه المخالفة في مثل هذه الصورة، وبهذا يعلم عدم تحقق الخلاف بين أئمة الآل صلوات الله وسلامه عليهم بعد أبيهم في البكور والآصال.
الشرط الثالث: الشجاعة
[ و ] الشرط الثالث: ما ذكره عليه السلام بقوله و [ الشجاعة، ] وسيأتي في كلام المؤلف عليه السلام بيان القدر المحتاج إليه منها.(1/1039)
ووجه اشتراطها: أنه إذا لم يكن شجاعاً لم تقوَ عزيمتُهُ على الجهاد الذي به إعزاز الدين وإخافة الظالمين ونصرة المظلومين، فيؤدي إلى تعطيل ما لأجله وجب قيامه، فلا تصح إمامة من شأنه كذلك.
الشرط الرابع: السخاء
[ و ] الشرط الرابع: ما ذكره عليه السلام بقوله و [ السخاء، ]، وسيأتي بيان القدر اللازم منه في كلام المؤلف أيضاً.
ووجه اشتراطه: أنه إذا لم يكن سخياً بوضع الحقوق في مواضعها، فإما أن يمسكها ولا ينفقها البتة أو ينفق شيئاً منها في مواضعه على تقصير فيما يجب عند أولي الرأي والعلم والاختبار أو ينفقها في غير مواضعها، وَأَيَّمَّا كان ذلك نقصاً وجرحاً في عدالته مع ما يؤدي إليه من تعطيل الجهاد الذي لا يقوم إلا به.
إن قيل: لا وجه لجعل هذا شرطاً مستقلاً، إذ قد أغنى عنه اشتراط العدالة.
قلنا: إنما جعل شرطاً مستقلاً لأهميته وعظيم نفعه فذكر بخصوصية، ولو استغني عن ذكره بدخوله في اشتراط العدالة لما دخل تحتها إلا ظناً، لأن دلالة العموم ظنية فتطرق الشبهة إلى من أمسك ومن تابعه، فاحترس بذلك عن جعله شرطاً مستقلاً.
الشرط الخامس: جودة الرأي والقوة والورع
والشرط الخامس: فما بعده إلى آخر الشروط المعتبرة أشار إليه عليه السلام في هذه الجملة المذكورة بقوله [ وجودة الرأي بلا امتراء، والقوة على تدبير الأمور، والورع المشهور. ]، وبيانها: أما قوله عليه السلام : وجودة الرأي بلا امتراء. فيدخل تحته:
الشرط السادس: أن يكون بالغاً
الشرط السادس: أن يكون الإمام بالغاً فلا تصح إمامة الصبي.
الشرط السابع: أن يكون مكلفاً
والشرط السابع: أن يكون مكلفاً، فلا تصح إمامة المجنون.
الشرط الثامن: أن يكون ذكراً
والشرط الثامن: أن يكون ذكراً، فلا تصح إمامة المرأة.(1/1040)