قلت: وفي رواية أن جابر رضي الله عنه كان ينادي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة "، وفي رواية: " إن لكل نبي حرماً وإني حرمت المدينة من عير إلى ثور فمن أحدث فيه حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين "، قال: ودخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها، فقال لها: هل من مال ؟ فقالت: لا والله ما تركوا لي شيئاً، قال: أو لأقتلنك وصبيك هذا فقالت له: ويحك إنه ولد أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه، فقالت: يا بني والله لو كان لي شيء لافتديتك فجذبه من حجرها وضرب به الحائط فانتثر دماغه في الأرض، ولم يخرج حتى أسود نصف وجهه وصار مثلاً، قال: فبلغ قتلى الحرة يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس ألف وسبعمائة، ومن سائر الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان، وذكر في موضع آخر أن القتلى من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمانون رجلاً ولم يبق بدري بعد ذلك، ومن قريش والأنصار سبعمائة، ومن سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف،وأمر مسلم بن عقبة لعنه الله تعالى بالأسارى فغلوا بالحديد، وساق ابن قتيبة شيئاً من نحو تلك الأفاعيل الفضيعة، وقُتل جماعة بين يديه صبراً من الأفاضل والزهاد والعباد، ثم طلب ليزيد البيعة إلى آخر ما ذكره.(1/1031)
قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام فيما رواه عنه صاحب المنشورات: أن أول من أتى مسلم بن عقبة، فقال: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه، قال: اضربوا عنقه، قال الآخر: وعلى سنة أبي بكر، قال: اضربوا عنقه، قال الآخر: وسنة عمر، قال: اضربوا عنقه، قال آخر: وسنة عثمان، قال: اضربوا عنقه، قالوا: فعلى ما نبايعك، قال: على أنكم عبيد خول ليزيد بن معاوية، فبايعوا على ذلك، ومن أبى عرضه مسلم على السيف غير علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام، وعلي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أما علي بن الحسين فأتي به إلى مسلم بن عقبة وهو مغتاظ عليه يتبرأ منه ومن آبائه، فلما رآه ارتعد وقام له وأقعده إلى جنبه وقال له سلني حوائجك فلم يسأله فيمن قدم إلى القتل إلا وشفعه فيه حتى انصرف، فقيل لمسلم بن عقبة رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه فلما أُتي به رفعت منزلته ! فقال: ما كان ذلك الرأي مني لقد مُلِيء قلبي منه رعباً، قال صاحب المنشورات: وما ذاك إلا صرفة من الله لسر علمه فإن نسل الحسين عليه السلام كان في صلبه حينئذ ولم يكن للحسين عليه السلام عقب إلا من علي بن الحسين السجاد عليهما السلام، وأما علي بن عبد الله بن العباس فإن أخواله بني كندة منعوه منه، وقد روي من الأفاعيل الفضيعة والأقوال الشنيعة في هذه الوقعة المسماة: وقعة يوم الحرة ما لا حاجة إلى ذكره في هذا المقام وإلى الله التحاكم فيها يوم الخصام، وسميت بوقعة يوم الحرة لأنه وقع القتل الشديد فيها، وقد روى ابن قتيبة أحاديث في فضل قتلى يوم الحرة، وكانت في ذي الحجة لثلاث بقين منها سنة ثلاث وستين من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم من الآثام، وفيها جملة من المساوىء والمثالب والمآثم على يزيد الآمر بذلك وعلى أبيه المؤسس بكل ما وقع هنالك بوصيته ليزيد بتوليته أعور بني مرة مسلم بن عقبة على أهل المدينة(1/1032)
إن لم يدخلوا في طاعته ويسلموا لبيعته.
فما يكون اعتذار النواصب ومن ظاهاهم من المحدثين المتسمين بأهل السنة في مجاملتهم وموالاتهم لذلك الطاغية سيدهم معاوية، فبعداً وسحقاً لقوم ?يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون?، ?اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ?{المجادلة:19}، أما علموا أن المرء مع من أحب وله ما كسب، وأن من والى عدواً لله فهو عدو له وإليه المصير.(1/1033)
فصل في الكلام في أن الإمامة محصورة في أهل البيت عليهم السلام
من بعد الحسنين صلوات الله وسلامه عليهما
قال عليه السلام [ فإن قيل: لمن الإمامة بعدهما ؟ فقل: هي محصورة في ] ذرية [ البطنين ] بطن الحسن وبطن الحسين عليهما السلام [ محظورة على من عدا أولاد السبطين، ].
والسبط: هو ولد الولد، فقيل للحسنين سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنهما ولدا ولده فاطمة الزهراء عليها السلام، ومعنى كونها محظورة على من عدا أولاد السبطي: أنه لا يجوز لأحد من سائر الناس التصدر لها وطلب عقدها لغير السبطين، والقيام والدعوة إلى نفسه من سائر الأنام، وهذا مذهب العترة عليهم السلام وجميع الزيدية كذلك، والإمامية وإن حصروها في أناس منهم معينين فهم لا يجوزونها في سائر الأنام.
والخلاف في ذلك للمعتزلة والأشعرية: فأجازوها في سائر قريش.
وللخوارج والحشوية فأجازوها في سائر الأنام من أهل الإسلام.
ويروى عن أبي علي أنها محصورة في سائر العرب مهما عدم القرشي.
وعن ابن الراوندي والعباسيين أنها محصورة في ولد العباس بن عبد المطلب بن هاشم، وروى القرشي عن بعضهم: أنها محصورة في جميع ذرية أمير المؤمنين عليه السلام ، فيدخل في ذلك سائر ذريته عليه السلام من غير الزهراء.
وهذه الأقوال كلها لا دلالة عليها بل قام الدليل على بطلانها كما سيأتي تقريره، وإذا تقرر بطلان هذه الأقوال ما عدا القول الأول وهو حصرها في أولاد البطنين، تعين الحق فيه ووجب المصير إليه وإلا خرج الحق عن أيدي الأمة وهو غير جائز.(1/1034)
شروط الإمامة
[ فهي ] أي الإمامة ثابتة [ لمن قام ودعا من أولادهما ممن ينتمي بنسبه من قبل أبيه إلى أحدهما، ] إما إلى الحسن أو إلى الحسين عليهما السلام، وقد أشار الإمام عليه السلام إلى أن طريق الإمامة عند العترة عليهم السلام وشيعتهم الأعلام القيام والدعوة [ متى كان ] القائم بها والداعي لنفسه إليها [ جامعاً لخصال الإمامة، ] وهي أربعة عشر خصلة دلت عليها الأدلة القطعية على وجوبها، وأنها شروط في صحة إمامة من قام ودعا، وقد جمعها الشاعر في قوله:
مُكَلَّفٌ ذَكَرٌ حُرٌّ لفاطمةٍ ....مُدَبِّرٌ سَالِمٌ عَنْ أَسوءِ العِلَلِ
سَمْحٌ شُجَاعٌ وسَبّاقٌ بدعوتِهِ .... مُحقِّقٌ كامِلٌ في العلمِ والعملِ
هذي شروطُ إمامِ الحقِ قاطبة .... فاحذر هُديتَ عن الطغيانِ والزَّلَلِ
وبيانها:(1/1035)