ومنها: وقعة يوم الحرة وما أدراك ما يوم الحرة، ذكر أهل السير والأخبار منهم ابن قتيبة واللفظ له على اختصار: أنه لما ولي يزيد الأمر بعد أبيه كتب إلى عامله بالمدينة خالد بن الحكم: أن يأخذ على أهل المدينة البيعة وليكن أول من يبايع الحسين بن علي عليهما السلام والعبادلة الأربعة ويحلفون على ذلك بصدقة أموالهم وحرية رقيقهم وطلاق نسائهم فامتنعوا من البيعة، فعزل يزيد خالداً عن المدينة وولاها عثمان بن محمد بن أبي سفيان الثقفي وضم إليها ولاية الموسم بمكة، فرقى منبر مكة ورعف فقال رجل مستقبله جئت والله بالدم وكان بها الحسين بن علي عليهما السلام، ثم خرج عليه السلام وتوجه إلى مكة، فأمر عثمان بن محمد كل بعير بين السماء والأرض ليطلبوه ففعلوا ولم يدركوه، ثم قدم عثمان المدينة وكانت لمعاوية أموال من أرض المدينة فأقبل ابن ميثا يريد الأموال فمنع منها وأزاحه أهل المدينة عليها وكانت غلتها مائة ألف وسق وستين ألفاً، ودخل نفر من قريش والأنصار على عثمان بن محمد وقالوا: قد علمت أن هذه الأموال كلها لنا وأن معاوية آثر علينا في عطائنا ولم يعطنا قط درهماً فما فوقه حتى مضى الزمان ونالتنا المجاعة فاشتراها منا بجزء من مائة من ثمنها، فأغلظ لهم عثمان في القول وأغلظوا له، فقال لهم: لأكتبن إلى أمير المؤمنين بسوء رأيكم وما أنتم عليه من كمون الأضغان القديمة والأحقاد التي لم تزل في صدوركم، فأجمع رأيهم على منع ابن ميثا القيم عليها، فكف عثمان بن محمد عنهم وكتب إلى يزيد كتاباً قبيحاً، فلما وصل الكتاب إلى يزيد غضب غضباً شديداً وكان عبد الله بن جعفر بدمشق، فأرسل إليه فدفع إليه الكتاب وقال:والله لأطأنهم وطأة آتي منها على أنفسهم، قال ابن جعفر فقلت له: إن الله لم يزل يعرف أباك في الرفق فإن رأيت أن ترفق بهم وتتجاوز عنهم فعلت فإنما هم أهلك وعشيرتك وإنما تقتل بهم نفسك إذا قتلتهم فلم أزل ألح عليه، فقال لي: إن ابن الزبير حيث قد(1/1026)
علمت من مكة قد نصب الحرب وإني موجه إليه الجيوش وأمر صاحب أول جيش يتقدم أن يتخذ المدينة طريقاً وأن لا يقاتل فإن أقروا بالطاعة ونزعوا من غيهم وضلالهم فلهم علي عهد الله وميثاقه أن لهم عطائين في كل عام لا أفعله لأحد من الناس طول حياتي عطاء في الشتاء وعطاء في الصيف، ولهم علي عهد أن أجعل الحنطة عندهم كسعر الحنطة عندنا، والعطاء الذي يذكرون أنه احتبس عنهم في زمن معاوية فهو علي أن أخرجه لهم وافراً كاملاً، فإن لبوا وقبلوا ذلك جازوا إلى ابن الزبير، وإن أبوا قاتلهم ثم إن ظفر بها انهبها ثلاثاً هذا عهدي إلى صاحب الجيش لمكانك ولطلبتك فيهم، ولما زعمت أنهم قومي وعشيرتي، قال عبد الله بن جعفر: فرأيت هذا لهم فرجاً فكتبت إليهم من ليلتي كتاباً أعلمهم فيه بقول يزيد وأحضهم على الطاعة والتسليم والرضا والقبول لما بذل لهم وأنهاهم أن يتعرضوا لجيوشه، وقلت لرسولي: أجهد السير، فدخلها في عشر فوالله ما أرادوا ذلك ولا قبلوه، وقالوا: والله لا يدخلها عنوة أبداً، وكتب يزيد إلى أهل المدينة: بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: فإني قد نفستكم حتى أخلفتكم، ورفعتكم على رأسي ثم وضعتكم، وأيم الله لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقل منها عددكم وأترككم أحاديث تتناسخ كأحاديث عاد وثمود، فلا أفلح من ندم.(1/1027)
فلما قرأ الكتاب عليهم أجمع رأيهم على الامتناع وعدم القبول، وأيقنوا أن جيوش يزيد واصلة إليهم جمعوا من بالمدينة من بني أمية وفيهم مروان بن الحكم وولده عبد الملك فطلبوهم أن يخرجوا عنهم، فقالوا: الشقة بعيدة، ولنا عيال وصبية ولابد لنا مما يصلحنا، ونحن نريد الشام فأنظرونا عشرة أيام. فأنظروهم إياها وطلبوا منهم العهود والمواثيق لئن لقوا جيوش يزيد ليردونهم عنهم إن استطاعوا فإن لم يستطيعوا مضوا إلى الشام، فحلفوا لهم على ذلك عند المنبر، ثم ارتحلوا عن المدينة وهرب عثمان بن محمد فجمع الناس عبد الله بن حنظلة رحمه الله وكان يلازم المسجد الشريف لا يبيت إلا فيه وكان لا يزيد على شَرْبة من سَوِيق يفطر عليها إلى مثلها، فاجتمع إليه الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس إنما خرجتم غضباً لدينكم فأبلوا إلى الله بلاءً حسناً ليوجب لكم به الجنة ومغفرته ويحل بكم رضوانه واستعدوا بأحسن عدتكم وتأهبوا بأحسن أهبتكم، فقد أخبرت أن القوم نزلوا بذي خشب ومعهم مروان بن الحكم وأن الله مهلكه بنقضه العهد والميثاق عند منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتصايح الناس يسبون مروان ويشتمونه، فقال لهم: إن الشتم ليس بشيء ولكن نصدقهم اللقاء والله ما صدق قوم قط إلا نصروا، فبايعوه على الموت، ثم رفع يده إلى السماء وقال: إنا بك واثقون وعليك متوكلون وإليك ألجأنا ظهورنا، ثم نزل فخندقوا على المدينة من كل نواحيها، فلما توجهت جيوش يزيد واتفق بهم الأمويون في ذي خشب وذكروا لهم ما فعله أهل المدينة من إخراجهم منها وعدم قبولهم طاعة يزيد وبيعته أمروهم أن يرجعوا معهم لقتالهم فامتنعوا عن الرجوع معهم وقالوا: قد أعطيناهم العهود والمواثيق تحت المنبر لئن استطعنا لنردن الجيش عنهم فكيف بالرجوع إليهم ! فقال مروان: أما أنا فراجع والله إني ماض مع مسلم فمدرك ثأري من عدوي وممن أخرجني من بيتي، وكان معاوية أوصى يزيد وقال له: إن(1/1028)
رابك منهم - يعني أهل المدينة - ريب أو انتقض عليك منهم أحد فعليك بأعور بني مرَّةمسلم بن عقبة، فدعا به فقال: سر إلى أهل هذه المدينة بهذه الجيوش وإن شئت أعفيتك فإني أراك مدنفاً، فقال مسلم بن عقبة لعنه الله: أنشدك الله أن لا تحرمني أجراً ساقه الله إلي وتبعث غيري، فإني رأيت في النوم أن شجرة غرقد تصيح تقول أغصانها يا ثارات عثمان، فأقبلت إليها وجعلت الشجرة تقول لي يا مسلم بن عقبة فأخذتها فعبرت ذلك أن أكون أنا القائم بأمر عثمان، والله ما صنعوا الذي صنعوا إلا أن الله أراد بهم الهلاك، فقال يزيد: فسر على بركة الله، فلما كان توجه مسلم ومن معه من الجيوش من ذي خشب ومعه مروان بن الحكم وولده عبد الملك لعنهما الله تعالى سأل مسلم مروان عن عدد أهل المدينة وما صنعوا، فقال: عددهم كثير ولكن لا بقاء لهم مع السيف، وليس لهم كراع ولا سلاح وقد خندقوا عليهم وحصنوا، فقال مسلم هذه أشدها علينا ولكنا نقطع عليهم مشربهم ونرد عليهم خندقهم، فقال مروان: عليه رجال لا يسلمونه ولكن عندي وجه سأخبرك به، قال: فهاته، فقال: أطوه ودعه حتى يحضر، قال:وذكروا أن أهل الشام لما أحاطوا بالمدينة من كل ناحية لم يجدوا مدخلاً والناس يتلبسون بالسلاح قد قاموا على أفواه الخنادق وقد حرصوا أن لا يتكلم منهم متكلم، وجعل أهل الشام يطوفون بها والناس يرضونهم بالحجارة والنبل من فوق الأكام والبيوت حتى جرحوا فيهم وفي خيلهم، فقال مسلم لمروان: أينما قلت لي ؟ فخرج مروان حتى جاء بني حارثة فكلم رجل منهم ورغبه في الضيعة وقال: افتح لنا طريقاً فأنا أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين ومتضمن لك عنه شطر ما كان بذل لأهل المدينة من العطاء وتضعيفه، ففتح لهم طريقاً ورغب فيما بذل له فاقتحمت الخيل ودخلوا المدينة، فاقتتلوا فيها قتالاً شديداً حتى عاينوا الموت، ثم تفرقوا وغلب أهل الشام أهل المدينة حيث جاؤوهم بما لا قبل لهم به، وجعل مسلم يقول: من جاء برأسٍ فله كذا وكذا(1/1029)
وجعل يغري قوماً لا دين لهم، فلما استشهد عبد الله بن حنظلة صار أهل المدينة كالغنم بلا راع شرود يقتلونهم أهل الشام من كل وجه، وكان بنو حارثة آمنون لم يقتل منهم أحد لمكان الذي فتح الطريق منهم فجعل قصرهم أماناً لمن أراد أهل الشام أن يؤمنوه، وأبيحت المدينة وانتهبت ثلاثة أيام، فدخلوا دار محمد بن مسلمة الأنصاري عشرة من أهل الشام فصاح النساء، فأقبل ابن محمد بن مسلمة إلى الصوت فوجدهم ينهبون ومعه رجلان فقاتلوهم حتى قتلوا العشرة الشاميين وخلفوا ما أخذوه عليهم فألقوه في بئر لا ماء فيها وألقي عليها التراب، ثم أقبل نفر من أهل الشام فقاتلوهم حتى قتل زيد بن محمد أربعة عشر رجلاً، وقيل لعبد الله بن زيد بن عاصم صاحب أذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلو أعلنْت القوم باسمك لم يقصدوك، فقال: والله لا أقبل لهم أماناً فخرج والخيل تسرع في كل وجه قتلاً ونهباً، فقاتل وقال: لا أبرح حتى أقتل لا أفلح من ندم، فضربه رجل بفأس بيده، قال الراوي: فرأيت نوراً صادعاً وسقط رحمه الله تعالى ميتاً وكان يومه ذلك صائماً، ولزم أبو سعيد الخدري رضي الله عنه بيته، فدخل عليه نفر من أهل الشام فقالوا: أيها الشيخ من أنت ؟ قال: أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: ما زلنا نسمع عنك فبحضك أخذت في تركك قتالنا وكفك عنا لزوم بيتك ولكن أخرج إلينا ما في بيتك فقال: والله ما عندي مال فنتفوا ليحته وضربوه ضربات ثم أخذوا ما وجدوا في بيته حتى زوج حمام، وكان جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه يومئذ قد ذهب بصره فجعل يمشي في بعض أزقة المدينة وهو يقول تَعِسَ من أخاف الله ورسوله، فقال له رجل: ومن أخاف الله ورسوله ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبي "، فحمل عليه رجل بسيف ليقتله فترامى عليه مروان فأجاره وأمر أن يدخله منزله ويغلق عليه بابه.(1/1030)