هذا مع ما يضم إليه مما سبق ذكره وما لم يذكره من مخازيه ومساويه الموجبة له أسفل دركات النفاق وأعلى مقتضيات الفسق بل الكفر والشقاق، كَسَبِّه أخا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأولاده ومحبيهم على ثمانين ألف منبر واستشفائه بالصليب عند موته، وشرائه سبائك الذهب والفضة بالدنانير والدراهم غير معلومة التساوي في الوزن وذلك رباً مجمع عليه، فقد روي أنه كان يغنم المجاهدون من الكفار السبائك ويشتريها منهم معاوية مجازفة، فقال له أبو بردة الأسلمي رحمه الله تعالى: هذا لا يصلح لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: بيعوا الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة يداً بيد ووزناً بوزن، وروي أنه قال له: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلين أو معناه، فقال لعنه الله: لكني لا أرى بذلك بأساً، فقال له أبو برزة أو بريدة: الشك من جهتي أقول لك: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبرك عن سنته وأنت تقول: لكني لا أرى بذلك بأساً.(1/1021)
ومن مخازيه الجسيمة ومآثمه العظيمة تحيله في إخراج زوجة عبد الله بن سلام من قريش وكان عند معاوية بمكان في الفضل والمنزلة الرفيعة، وكان قد استعمله على العراق وزوجته من بني عمه أرينب بنت إسحاق، فاحتال لإخراجها من عقدة نكاحه في قصة طويلة ذكرها ابن قتيبة حتى طلقها زوجها ومضت عدتها، فأرسل أبا الدرداء يخطبها لولده يزيد لما بها من الحسب والنسب والجمال والمال، وقد شغف بها يزيد اللعين لشهرتها بذلك، فلما وصل أبو الدرداء العراق قال: ما ينبغي أن أُقَدِّم على زيارة ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً، فدخل على الحسين بن علي عليهما السلام، فقام الحسين عليه السلام فرحب به وقال: أهلاً بصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد أذكرتني رؤيتك ومصاحبتك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شوقاً إليه وأطلقت أحزاني عليه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم سأله عن شأن قدومه العراق فأخبره بما قدم له، فقال له الحسين عليه السلام : أخطب عَلَيَّ وعلى يزيد وهي أمانة في عنقك، فتختر من أرادت، وقد كنت أردت الإرسال إليها بعد انقضاء أقرائها، فلما دخل عليها أبو الدرداء كلمها في ذلك خيرها بين ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين يزيد، فردت الأمر إليه فقال: إنما عليَّ إعلامك وعليك الاختيار لنفسك، فقالت: إنما أنا بنت أخيك ومن لا غنى بها عنك لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب عني أشخصت إليك فيه الرسل، واتبعت فيه رأيك ولم أقطعه دونك، فقال لها: أي بنيه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إلي وأرضاهما عندي، وقد كنت رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعاً شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك على موضع شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما تزوجها الحسين قدم عبد الله بن سلام فاتفق به الحسين وتلاطفا في الكلام، وظهر للحسين شدة حزنه على مفارقته زوجته وخديعته حتى طلقها وقال: إن لي عندها ودائع بدر(1/1022)
لؤلؤاً مصرورات، فذكر ذلك الحسين عليه السلام لزوجته وقال لها: إنه يحسن الثناء عليك فأدي إليه أمانته وردي عليه ماله، فقالت: صدق وإنه لمطبوع عليه بطابعه ما أخذ منه شيء، فلما بلغه مقالها فقال له: مرها ترسل به، فقال عليه السلام : لا يقبضه إلا أنت، وأمره المضي إلى داره عليه السلام وأمرها إخراج المال إليه بنفسها، فلما ناولته وجده كما وضعه لم يفك ختم صرة منها ففتح أحدها وحثى لها من الدر حثيات، وقال لها خذي هذا فهو قليل مني إليك. وشكر سعيها واستعبرا جميعاً حتى استعلت أصواتهما بالبكاء أسفاً على مابتليا به، فقال الحسين عليه السلام : اللهم إنك تعلم أني لم استنكحها رغبة في مالها ولا جمالها ولكن أردت إحلالها لبعلها، اللهم اشهد أنها طالق ثلاثاً فأوجب لي بذلك الأجر وأجزل لي عليه الذخر إنك على كل شيء قدير، وكان قد أمهرها مثل ما بذله معاوية مهراً عظيماً فأمر عبد الله بن سلام أرينب إرجاعه إلى الحسين عليه السلام مكافأة له فأجابته إلى ذلك، فأبى الحسين عليه السلام أن يقبله وقال: الذي أرجوه من الثواب على ذلك خير لي منه، وتزوجها عبد الله بن سلام وبلغ الخبر إلى معاوية وما فعله أبو الدرداء فتعاظمه جداً ولامه لوماً شديداً وقال: من يرسل ذا بلاهة وعمى يركب في أمره خلاف ما يهوى، ولام الناس معاوية على فعله تلك الحيلة التي هي إحدى موجبات النار الهاوية، قال وذاع أمره في الناس وشاع ونقلوه في الأمصار وتحدثوا به في الأسمار وفي الليل والنهار، وقالوا: خدعه حتى طلق امرأته فبئس ما استرعاه الله أمر عباده ومكنه في بلاده وأشركه سلطانه، فلما بلغ ذلك معاوية لعنه الله قال: لعمري ما خدعته انتهى باختصار، وهذا كالخارج عما نحن بصدده لكن إنما ذكرته إلا ليعلم المطلع مخازي ومساوىء ذلك الطاغية الفاجر اللئيم، ومحاسن السيد الشريف الكريم حبيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابنه، ويعلم منه إفك معاوية في قوله: إن يزيد خير لهذه(1/1023)
الأمة من ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.(1/1024)
مساوىء يزيد بن معاوية
وأما مساوىء يزيد العنيد فهي تجل عن التعديد، وإنها لم تزل أيامه أواخرها تفوق أوائلها في ذلك وتزيد:
فمنها: ما قد مرت الإشارة إليه من شرب الخمور وكان مدمناً عليها، وملاعبة الكلاب والقردة والحمام وغير ذلك مما لا يستعمله إلا أهل الخلاعة والسفاهة كما ذلك مذكور مبسوط في المطولات والتواريخ والسير.
ومنها: الفعلة العظمى التي بكت لها السماء وأمطرت الدماء وفاقت كل فاقرة دهماء، وهي قتل الحسين بن علي عليهما السلام ومن معه من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشيعتهم وقد مر حكاية ذلك على بعض من التفصيل ولا حاجة إلى تكرير الأمر المفضع المهيل.(1/1025)