ثم لينظر في حكمه أن يزيد خير للأمة من ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نص على إمامته عليه السلام نصاً جلياً مع علمه من حال يزيد أنه صاحب شراب ولهو، وعلمه أن الحسين عليه السلام مطهر عن أي رذيلة فضلاً عن الكبائر الموبقة، فهو في هذا حاكم بخلاف ما أنزل الله ومشاقق لله ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى: ?لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ? {البقرة:124}، ومخالفته النص الصريح: "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"، ثم يعرض ذلك على قوله تعالى: ?وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ? {المائدة:44}، و ?الظالمون?،و ?الفاسقون?، وقوله تعالى: ?وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ? {النساء:115}، هذا مع ما ينضم إليه مما مرَّ ذكره من نقض العهد وسائر الكذب والمكر والخداع حسبما ذكرناه في حكاية الصلح بينه وبين الحسن عليه السلام إلى ما قبل ذلك من البغي، وقتاله الوصي بل وقتاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعبادته الأصنام وعكوفه على الآثام، فقد أخرج مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم عدة أحاديث في كتاب الإيمان من صحيحه: "أن من أحسن في الإسلام غفر له ما تقدم في الجاهلية ومن أساء في الإسلام عوقب بما فعله في الإسلام وما فعله في الجاهلية"، وهو ظاهر قول الله سبحانه: ?إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ? الآية {فصلت:30}، أي استقاموا حسب أوامره تعالى ونواهيه، وقوله تعالى: ?قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ?{الأنفال:38}، أي ينتهوا عن جميع ما نهى الله عنه لأن حذف المعمول يقتضي العموم، ثم لما دنت وفاة عدو الله تعالى كان الأمر فيها كما ورد في الحديث(1/1016)
السابق برواية أبي الفرج رحمه الله تعالى: "ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر" لما رواه المنصور بالله عليه السلام في الجزء الرابع من الشافي قال: ولما دخلت سنة عشرين يعني منذ استولى على الأمر وهي سنة ستين شهر رجب من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم وعلى آله أهل الفضيلة والتكريم مرض مرضه الذي مات فيه، فكان يرى أشياء ويهذي منها هذياناً كثيراً ويقول: ويحكم اسقوني اسقوني، فيشرب فلا يروى، وربما غشي عليه اليوم واليومين، فإذا أفاق نادى بأعلى صوته مالي ولك يا حجر بن عدي مالي ولك يا ابن أبي طالب.(1/1017)
قلت: وفي رواية أخرى أن يومي منك يا حجر لطويل، قال: فلم يزل كذلك ويزيد ابنه معه يقول: يا أبه إلى من تكلني عجل بالبيعة لي وإلا والله أُكِلْتُ ألم تعلم ما لقيت من أبي تراب وآله؟ قال الرواة: ومعاوية يتململ في الفراش ويفكر فيما عقده للحسن والحسين عليهما السلام الذي كان عند مهادنة الحسن، وذلك أنه عقد أن يكون الأمر من بعده للحسن ثم للحسين عليهما السلام، فلما كان اليوم الخامس دخل عليه أهل الشام فرأوه ثقيلاً فبادروا إلى الضحاك بن قيس وكان صاحب شرطة معاوية ومسلم بن عقبة فقالوا: ماذا تنتظران ذهب والله الرجل فاذهبا إليه وبادراه ليوصي إلى ولده يزيد فإنه رضا ولا نأمن من أن يخرج هذا الأمر إلى آل أبي تراب، فدخلا عليه وقد أفاق وهو يقول: أصبحت والله ثقيل الوزر عظيم الجرم فقالا له: إن الناس قد اضطربوا وأنت حي فكيف إذا حدث بك حدث وقد رضوا بيزيد، فقال معاوية: لم يزل هذا رأيي وهل يستقيم لهم غير يزيد وإني إنما أطلبها لتبقى في ولدي إلى يوم القيامة ولا ينالها ذرية آل أبي تراب، قال: وأدخل عليه الناس فقال: يا أهل الشام كيف رضاكم على أمير المؤمنين، فقالوا: خير الرضا كنت وكنت ثم شتموا علي بن أبي طالب والحسن والحسين صلوات الله عليهم، وقرضوا يزيد ومدحوه فقال لهم: قوموا فبايعوه، فأول من بايعه الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة ثم الناس، قال الرواة: وخرج يزيد من فوره وقد تعمم بعمامة معاوية وتختم بخاتمه وعليه قميص عثمان الملطخ بالدم في عنقه، وهكذا كان يفعل معاوية عند إغراء أهل الشام بعلي وأهل بيته عليهم السلام فحمد الله وأثنى عليه وخطب فبايعه بقية الناس، فلما كان من الغد دخل على معاوية الناس ويزيد بين يديه فأخرج كتاباً من تحت وسادته نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين إلى ابنه يزيد أنه قد بايعه وعهد إليه وجعل الأمر من بعده إليه وسماه أمير المؤمنين على أن يحفظ هذا الأمر من(1/1018)
قريش ويبعد قاتل الأحبة هذا الحي من الأنصار، وأن يقدم بني أمية وبني عبد شمس على بني هاشم وغيرهم، ويطلب بدم المظلوم المذبوح أمير المؤمنين عثمان قِبَلَ آل أبي تراب، فمن قرأ عليه هذا الكتاب فقبله وبادر إلى طاعة أميره أُكرم وقُرب، ومن تلكأ عنه وامتنع فضرب الرِّقاب، فلما خرجوا من عنده أقبل على يزيد فقال له: يا بني إني قد وطأت لك البلاد وذللت لك الرقاب وتقررت الأوتاد، ولست أخاف عليك من هذه الأمة إلا أربعة: فرخ أبي تراب شبيه أبيه وقد عرفت عداوته لنا، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما عبد الرحمن بن أبي بكر فمغرى بالنساء فإن بايعك الناس بايعك، وأما ابن عمر فما أظنه يقاتلك ولا يصلح لها فإن أباه كان أعرف به، وقد قال: كيف استخلف من لا يحسن طلاق امرأته، وأما الحسين بن علي فإن أهل العراق لا يدعوه حتى يخرجوه عليك ويكفيكه من قتل أباه، وأما ابن الزبير فإن أمكنتك الفرصة فقطعه إرباً إربا فإن يجثم جثوم الأسد ويراوغ رواغ الثعلب، ثم توفي إلى لعنة الله تعالى في يوم الخميس لخمس بقين من رجب سنة ستين.
فتأمل أيها المطلع كم مساوىء ومخازي ومثالب لعدو الله تعالى ذلك الطاغية المسمى عند أبي حجر الهيثمي سيده معاوية، فإن في هذا الكلام المقول منه عند وفاته والمحرر في عهده المذكور من الأوزار وأنواع الإفك ما لا يكون إلا من أهل الشقاء لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ذوي النفاق وأهل الشرك.(1/1019)
أولاً: قوله في تولية يزيد بعده: فلم يزل هذا رأيي وهل يستقيم لهم غير يزيد وإنما أطلبها لتبقى في ولدي إلى يوم القيامة ولا ينالها آل أبي تراب، فإنه بذلك مشاقق لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم لأن الله تعالى يقول: ?لا ينال عهدي الظالمين ?، وقد علم عدو الله أن ولده صاحب شراب ولهو وخلاعة وسفاهة، فهو ظالم لنفسه قبل أن يظلم غيره، وقد وصى الله تعالى بأهل البيت وأمر بمودتهم وطاعتهم، وكذلك رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بما لا مزيد عليه.
ثانيا: إغراؤه ولده يزيد المريد يتتبع ما بقي من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقتلهم بقوله: ويطلب بدم المذبوح المظلوم عثمان قِبَل آل أبي تراب. فلم يعين لعثمان قتلة سواهم على أن قتلة عثمان هم أهل مصر ومن عضدهم من سائر الناس وفيهم من فيهم من المهاجرين والأنصار والصحابة الأخيار.
ثالثاً: أمره بتبعيد الأنصار وقد أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتقريبهم والإحسان إليهم والعفو عن مسيئهم.
رابعاً: أمره بتقديم أعداء الله تعالى من بني أمية وبني عبد شمس وفيهم الطريد وابن الطريد ومن لعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.(1/1020)