ولما أجابه المذكورون بذلك كتب إلى سعيد بن العاص: أن لا يحركهم ويدعهم، ويأخذ أهل المدينة بالبيعة ليزيد بغلظة وشدة، ولا يدع أحداً من المهاجرين والأنصار وأبنائهم حتى يبايعوا، فأخذهم زياد بالبيعة أعنف ما يكون من الأخذ وأغلظه، فلم يبايعه أحد منهم، فكتب إلى معاوية: أنه لم يبايعني أحد وإنما الناس تبعاً لهؤلاء النفر فلو بايعوك بايعك الناس جميعاً ولم يتخلف عنك أحد. فخرج معاوية وتوجه المدينة بنفسه، فلما دنى منها تلقاه الناس بين راكب وماش وخرج النساء والصبيان فَلاَنَ لمن صافحه وتلطف في محادثته ومفاكهته للعامة والخاصة ليستميلهم إلى ما طلبه منهم، فمن جملة ما قال لهم: ما زلت أطوي الحُزُنْ اشتياقاً وحقاً لجار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يشتاق إليه هذا معنى كلامه، فلما استقر في مقامه المعد له أرسل أولاً إلى الحسين بن علي عليهما السلام وابن عباس رضي الله عنه فخاطبهما باللين والرفق وطلب منهما البيعة ليزيد، فلم يسعداه على ذلك بعد كلام طويل جرى بينهم وكلام له من الحسين عليه السلام في عتابه على أفعاله القبيحة نحو ما مر من جواب كتابه إليه فأذن لهما بالخروج، ثم طلب ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، وكذلك ثم أمر المنادي واجتمع الناس إلى المسجد فخطبهم فحمد الله وأثنى الله إلى أن ذكر يزيد فأثنى عليه وذكره بالفضل وقراءة القرآن حتى قال: والله لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لما بايعت له، فقام إليه الحسين بن علي عليهما السلام فقال: والله لقد تركت من هو خير منه أباً وأماً ونفساً، فقال معاوية: كأنك تريد نفسك، فقال الحسين عليه السلام : نعم أصلحك الله، فقال معاوية كلاما في شأن أُمَّي الرجلين إلى قوله: فأمك لعمر الله خير من أمه، وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى الله فقضى لأبيه على أبيك، فقال الحسين عليه السلام : حسبُك جهلك آثرت العاجل على الآجل، فقال معاوية: وأما ما ذكرت من أنك خير(1/1011)


من يزيد فيزيد والله خير لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم منك، فقال الحسين عليه السلام : هذا هو الإفك والزور يزيد شارب الخمر ومشتري اللهو خير مني، فقال معاوية: مهلاً عن شتم ابن عمك فإنك لو ذكرت عنده بسوءٍ لم يشتمك، ثم قال: أيها الناس قد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض ولم يستخلف، ثم استخلف أبو بكر عمر ثم جعلها عمر شورى فصنع أبو بكر وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر كل ذلك يصنعونه نظراً للمسلمين، فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف ونظراً لهم بعين الإنصاف، فقام إليه ابن الزبير فأجابه حتى قال: فإن شئت أن تدع الناس على ما تركهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيختارون لأنفسهم، وإن شئت أن تستخلف كما استخلف أبو بكر خير من يعلم من قريش، وإن شئت أن تصنع مثل ما صنع عمر تختار رهطاً من المسلمين وتزويها عن ابنك فافعل، فنزل معاوية عن المنبر وانصرف ذاهباً إلى منزله ولم يجبه أحد إلى ما دعا إليه، ولما أَيِس عن مبايعة أهل المدينة وخشي إن انصرف من المدينة على ذلك انتقص عند أهل الشام، ويخشى مع ذلك عدم حسن ظنهم به وبابنه لعنهما الله تعالى أمر من حرسه وشرطته قوماً يحضرون هؤلاء النفر الذين بسببهم لم يبايعه أحد،وهم: الحسين بن علي عليهما السلام، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأوصاهم معاوية وقال: إني خارج العشية إلى أهل الشام فأخبرهم أن هؤلاء النفر قد بايعوا وأسلموا، فإن تكلم أحد منكم بكلام يصدقني أو يكذبني فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه يحذر القوم ذلك، وقد كان لعنه الله تعالى أتى في جيش عظيم من أهل الشام والحرس والشرط فحذر القوم ذلك، فلما كان العشي خرج معاوية وخرج معه هؤلاء النفر وقد كسا كل واحد منهم حلة وهو يضاحكهم ويحدثهم فأظهر لأهل الشام الرضا عن هؤلاء النفر، وقال لأهل الشام: إن هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين فوجدهم واصلين(1/1012)


مطيعين وقد بايعوا وسلموا قال والقوم سكوت لم يتكلموا شيئاً حذر القتل، فوثب أناس من أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين إن كان رأيك منهم ريب فخل بيننا وبينهم حتى نضرب أعناقهم، فقال معاوية: سبحان الله ما أحل دماء قريش عندكم يا أهل الشام لا أسمع لهم ذكراً بسوءٍ، فإنهم قد بايعوا وسلموا وارتضوا فرضيت عنهم رضي الله عنهم، ثم ارتحل وقد أعطى الناس عطياتهم وأجزل لهم العطاء انتهى ما أردت نقله في هذا الموضع من كتاب ابن قتيبة كله باللفظ إلا اليسير فبالمعنى مع الاختصار، إلا ما ذكرته عقيب قوله: وانصرف ذاهباً إلى منزله ولم يجبه أحد إلى ما دعا إليه، إلى قوله: أمر من حرسه وشرطته قوماً الخ فليس من كلام الراوي بل هو مقتضاه ومفهومه فتأمل.(1/1013)


وقد ذكر نحوه في كتب أئمتنا عليهم السلام إلا أن الحجة على الخصم بروايته أقطع لشبهته. فلينظر الناظر، ويتدبر المتدبر، ويتفكر المتفكر، ويعتبر المعتبر، كم احتوت هذه الجملة على مساوىء ومآثم ومظالم لذلك الطاغية من إرادة حمل الناس على البيعة لسفيه شراب الخمور مرتكب أنواع الخلاعة والفجور، ومن الزور والكذب الذي في أثناء كلامه، ومن النفاق والرياء بإظهار المحبة والرضا من أولئك النفر الذين أحدهم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإظهاره الاشتياق والمحبة لأهل المدينة وهو يستحل دماء الجميع، ولو أمكنته الفرصة أن عارضوه في دنياه الفانية، ومن الظلم الواقع على من ذكر في جواب الحسين عليه السلام عليه بقتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وعبد الله بن الحضرمي ومن معهم ممن أخلقت العبادة وجهه ولا ذنب لهم إلا محبتهم أمير المؤمنين عليه السلام وعدم التبري منه، ومن استلحاقه لزياد بأبي سفيان وهو ابنه من الزنا وولد الزنا لا يلحق بأبيه شرعاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر "، ومن توليته زياداً على الكوفة والبصرة فقتل المسلمين وأولاد المسلمين، روى ابن أبي الحديد في الشرح: أنه كان من بعد صلاة العشاء الأخيرة يقع فساد بالبصرة فخطب خطبة يقول فيها ما معناه: ومن ظهر بعد صلاة العشاء بريت منه الذمة ودمه حلال،وأجل الناس شهراً ليعلم الحاضر الغائب، فلما مضى الشهر دعا أمير الشرطة وأمره يبث العسكر في السوق وفي سكك المدينة وقال: من وجدتموه فلا تأتوني إلا برأسه ولو عبيد الله بن زياد، فأتوه الليلة الأولى بسبع مائة رأس، وفي الثانية بخمسين رأساً، وفي الثالثة برأس واحد، إلى ما تضمنه كتاب الحسين عليه السلام بقوله: يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل، ثم ليعرض جميع ذلك على قول الله سبحانه وتعالى: ?مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ(1/1014)


فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ o أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? {هود:15،16} وقوله تعالى: ?إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ?{النحل:105}، وقوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ? {النساء:93}، وقوله تعالى: ?إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? {الشورى:42}.(1/1015)

203 / 311
ع
En
A+
A-