وقد ذكر ذلك جماعة من أهل الأخبار والتاريخ، ولم نرد بالإكثار من هذه الأخبار إلا الرد على ابن حجر في صواعقه أن الذي دس السم هو يزيد، مريداً بذلك تنزيه معاوية اللعين، وما ذكره من قوله: وبموته شهيداً جزم غير واحد كقتادة وفلان وفلان، يريد أن يجعل موته مسموماً غير متفق عليه ملاحظة لما يدندن حوله من تنزيه معاوية عن تلك الحادثة والفاقرة العظمى بما معناه: أن سم الحسن عليه السلام ليس معلوماً ولا متفق عليه، فإن صح فالفاعل يزيد وحاشا معاوية.
فاحذر أيها الطالب تدليسهم قاتلهم الله، على أنه في موضع آخر دندن حول تزكية يزيد وعده أحد الاثني عشر الخليفة التي وردت فيهم الأحاديث فذرهم وما يفترون، وقد اختلف في اسم زوجة الحسن التي سمته فقيل: أسماء، وقيل، وقيل: جعدة وهو الأكثر على الاتفاق أنها بنت الأشعث بن قيس، وكان ذلك في سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين من الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
قالوا: ولما توفي الحسن عليه السلام استبشر عدو الله معاوية وفرح بموته، وكان إذ ذاك ابن عباس رضي الله عنه في المسجد الأعظم بدمشق فأرسل إليه وقال له: يا ابن عباس أتدري ما حدث في أهلك؟ قال: لا. قال: إنه مات الحسن بن علي، فاسترجع ابن عباس وقال: والله ما موته مغن عن موتك، ولا يومه يقوم مقام يومك، ولا جثته سادة حفرتك، هذا لفظه أو معناه، وخرج ابن العباس من لديه وهو يقول:
ظاهر النخوة أن ماتَ الحسنْ
طال ما أَشجى ابن هندٍ وأرنْ
مثل رَضوى وثَبير وحَضَنْ
أصبح اليوم ابن هند شامتا
رحمةُ الله عليه إنه
ولقد كان عليه عمره
قال المنصور بالله عليه السلام : استر معاوية بموت الحسن عليه السلام سروراً لم يستر به إلا المشركون، لأن المعلوم ضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يغتم لموت الحسن غماً شديدا،ً فما يكون حكم من سره ما يغم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟(1/1006)
وقال السيد الهادي بن إبراهيم الوزير عليه السلام في أدلة من أثبت نفاق معاوية لعنه الله ما لفظه: ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من فرح بموت عالم فهو منافق "، وهذا في العالم مطلقاً، فكيف بأعلم الأئمة الطاهرين؟
قال المنصور بالله عليه السلام : لو علم معاوية لعنه الله أن الأمر ينتظم له برفض أمور الإسلام جملة والرجوع إلى عبادة الأوثان لفعل ذلك، ثم بعد أن قبض الله سبحانه وتعالى الحسن عليه السلام إلى رحمته شهيداً سعى معاوية لعنه الله في عقد البيعة لولده يزيد وهو حي بمشورة المغيرة بن شعبة كما ذكره ابن قتيبة، فلننقل ذلك من كلامه على سبيل الاختصار وقال: لماَّ هَمَّ معاوية بعزل المغيرة عن الكوفة، قدم الشام فدخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين ما لقيت هذه الأمة من الفتنة والاختلاف وفي عنقك الموت وأنا أخاف إن حدث بك حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان، فاجعل للناس بعدك علماً يفزعون إليه واجعل ذلك ابنك يزيد، فكانت المبايعة لولده بالشام، وكتب بيعته إلى الآفاق، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم، فكتب إليه معاوية يأمره بجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة، ثم يبايعوا ليزيد، فلما قرأ مروان كتابه أبى من ذلك وأبته قريش، فكتب إلى معاوية: أن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك لابنك يزيد فأرني رأيك. فعرف معاوية أن ذلك من قبله فأبدله بسعيد بن العاص وأمره بذلك، وأن يكتب إليه بمن سارع إلى البيعة ممن أبطأ عنها، فكتب إليه: أن الناس بطأً لا سيما من بني هاشم ولست أقوى عليهم إلا بالخيل والرجال أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك.
فكتب معاوية إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر والحسين بن علي عليهما السلام يأمرهم بالمبايعة لولده يزيد على يد عامله بالمدينة وتهدد كلاً منهم بما تهدد، وأَلاَنَ في كلامه للحسين عليه السلام.(1/1007)
فأجابه كل منهم بكتاب، فأول كتاب ما أجابه ابن عباس وقد تهدده معاوية بالقتل، وأنه ليس معه من أمان، فأجابه: والله ما منك يطلب الأمان يا معاوية وإنما يطلب الأمان من الله رب العالمين، وما ذكرت من قتلي فوالله لو فعلت للقيت الله ومحمداً صلى الله عليه وآله وسلم خصمك، فما أخاله أفلح ولا أنجح من كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصمه.
وكتب إليه عبد الله بن جعفر بجواب إلى أن قال: وما ذكرت من جبرك إياي على البيعة فلعمري لئن أجبرتني لقد أجبرناك وأباك على الإسلام حتى أدخلناكما كارهين غير طائعين والسلام.
وكتب إليه عبد الله بن الزبير:
فأخزى إله الناس من كان أظلما
وأسرعهم في الموبقات تقحما
وليس بذي حلم ولكن تحلما
هزبراً عريناً يترك القِرْن أكتما
لأنقضها لم تنج مني مُسْلَماً
ألا أسمع الله الذي أنا عبده
وأجرى على الله العظيم بحلمه
أغرك أن قالوا حليم بعزة
ولورمت ما إن قد عزمت وجدتني
وأقسم لو لا بيعة لك لم أكن(1/1008)
وأجابهُ الحسين بن علي عليهما السلام بجواب نذكره بلفظه على التمام لما فيه من ذكر بعض مساويء عدو الإسلام ويسيراً من بوائق ذلك الفجور الظلام: أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور لم تكن تظنني بها رغبة عنها، وأن الحسنات لا يهدي إليها ولا يسدد لها إلا الله تعالى، وأما ما ذكرت أنه رقي إليك عني فإنما رقاه إليك المشاؤون بالنميمة المفرقون الكلمة بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون ما أردت حرباً ولا خلافاً وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلين حزب الظالم وأعوان الشيطان الرجيم، ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفضعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة وأعطيتهم المواثيق الأكيدة جرأة على الله واستخفاف بعهده، أولست بقاتل عمرو ابن الذي أَخْلَقَت وأَبْلَتْ وجهه العبادة فقتلته من بعدما أعطيته من العهود ما لو فَهِمَتْهُ العِصَم نزلت من سقف الجهد، أولست المدعي زياداً في الإسلام فزعمت أنه ابن أبي سفيان وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم سلطته على أهل الإسلام يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل، سبحان الله يا معاوية كأنك لست من أهل الأمة وليسوا منك، أولست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد أنه على دين علي كرم الله وجهه ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وآله وسلم الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف فوضعها الله عنكم بنا منةً عليكم، وقلت فيما قلت: لا يرد هذه الأمة في فتنة، وإني لا أعلم فتنة أعظم من أمارتك عليها، وقلت فيما قلت: أنظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأني والله ما أعرف أفضل من جهادك فإن أفعل فإنه قربة إلى ربي، وإن لم أفعله(1/1009)
فأستغفر الله لديني وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى، وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك. فكدني يا معاوية فيما بدا لك فلعمري لقديماً يكاد الصالحون وإني لأرجو أن لا تضر إلا نفسك ولا تمحق إلا عملك فكدني ما بدا لك واتق الله يا معاوية، واعلم أن لله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، واعلم أن الله ليس بناس لك قتلك بالظنة وأخذك بالتهمة وإمارتك صبياً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب. ما أراك إلا قد أوبقت نفسك وأهلكت دينك وأضعت الرعية والسلام.(1/1010)