أن يسير الحسين عليه السلام إلى أي ثغر أرادوا من ثغور المسلمين التي بازاء الكفار فيكفيهم مؤنة من هنالك، فلم يجبه إلى ذلك ثم طلب منه النزول على حكم يزيد اللعين فعرض أمير ذلك الجند على آمره عبيد الله بن زياد لعنه الله، فأبى إلا أن ينزل على حكمه، فلعل أنه ظن أنه إذا وصل الحسين عليه السلام إلى يزيد تصالح معه على مثل ما وقع بين الحسن عليه السلام ومعاوية لعنه الله تعالى، وخشي أن يحظى الحسين عند يزيد ويسبب لإبداله عن ولاية الكوفة بغيره، وامتنع عدو الله أن يقبل من ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى تلك الثلاث الخصال مع ما ورد في الحديث: ما عرض على مؤمن ثلاث خصال إلا اختار أحدها، ولعلم الحسين عليه السلام أو ظنه أو تجويزه أنه لا يصل إلى ابن زياد لعنه الله إلا ويقتله اضطر إلى المقاتلة حتى استشهد صلوات الله وسلامه على روحه الطاهرة فيمن معه من أولئك الشهداء، وجُرَّت حريمه وبنات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما تجر سبايا الكفار وبنات كسرى وقيصر فالحكم لله العلي الكبير، فلو قدر أن هذه المتفقة واقعة مع الحسن عليه السلام لما وسعه غير ما فعله الحسين عليه السلام .
ويدل على اتفاق رأي الحسنين عليهما السلام في شأن قتال الظلمة وأنه لا خلاف بينهما فيما يتعلق بالعقائد المبرمة ما خاطب به الحسن عليه السلام أصحابه في أوائل الصلح حسبما مر من رواية المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام في الشافي من قوله: فإن كنتم تريدون الله واليوم الآخر حاكمناهم إلى ظبا السيوف وأطراف الرماح، وإن كنتم تريدون البقية أخذنا لكم العافية، فتنادى الناس من جوانب المسجد: البقية البقية. وكيف يصح اختلاف الحسنين عليهما السلام فيما يتعلق بالعقائد الدينية والمسائل الأصولية وهما الإمامان بالنص النبوي، والمعصومان عن الخطأ والتفرقة في كل أمر مدرك عقلي أو واجب شرعي.(1/1001)


ومنها: صحة ما ذهب إليه أئمة الزيدية عليهم السلام وشيعتهم الزكية من وجوب الخروج على الظلمة مع إمام الحق وعدم جواز ذلك من دونه مع وجوده، لأن ولاية ذلك إليه، وفي المحتسب مع عدم وجوده خلاف بين الفروعيين مذكور في محله، وعلى أنه يجوز للإمام عقد الصلح مع الظلمة وسلاطين الجور من دون وجوب عليه، لا كما يذهب إليه الحشوية ونحوهم من تعكيس هذه الأحكام كلها حتى قال الذهبي فيما روي عنه والله أعلم في قتل الحسين عليه السلام : إنما قتله سيف جده، ومآخذ هذه الأحكام والأطراف كلها طاهرة من فعل الحسنين عليهما السلام وأقوالهما ومحاورتهما لأصحابهما كما يعلم من تأمل جميع ما مر نقله برواية الموالف والمخالف، فلا نطيل الكلام بذكر كيفية الاستنباط والاستدلال على ذلك.
ويؤيده ما عرف من سيرة الوصي عليه السلام قبلهما من قتال الظلمة ومهادنتهم مضافاً إلى ما في الكتاب والسنة مما يدل على ذلك، فلا يغتر من لا خبرة له بتدليس من ينتمون إلى السنة في اعتقاد أن الخروج على الظلمة بدعة، ويتشبثون على ذلك بما فعله الحسن عليه السلام واتهام ما فعله الحسين عليه السلام ، والمفرق بين الأئمة الهادين كالمفرق بين الأنبياء والمرسلين، وكثيراً ما ينشدون قول القائل ويروونه إلى السيد العلامة محمد بن عبد الله الوزير رحمه الله والله اعلم بالصحة عنه:
فلي قدوةٌ بأخيهِ الحسنْ

فإن كنتُ مقتدياً بالحسينِ

وقد أجاد في الرد عليه شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى بقوله:
نضا سيفَه ولها ما حَقَنْ
بنَصِّ من المصطفى المؤتَمَنْ
على الظالمين وأهل الفتَنْ
ونَجْلُ البتولِ الإمامُ الحسنْ
من القوم ألف فلا تمرجنْ

فما بالُ خيرِ الورى المرتضى
وما بال عمار كان الشهيد
وما بال أهلك قد جمعوا
فوالله ما صالح ابنُ الرسولِ
يهود الشآم وما أن له(1/1002)


وبتمام هذا تم الكلام على إمامة الحسنين عليهما السلام، ووجب على كل مكلف اعتقادها، ولعل أن مودتهما ومحبتهما الحاصلة عند العامة من دون معرفة منهم بإمامتهما قد تضمنت ذلك أو قامت مقامه، فلا يلزم من عدم علمهم بها مع مودتهم ومحبتهم للحسنين عليهما السلام تهليكهم، فلا تلتفت أيها الطالب الرشاد إلى تدليس النواصب، وتشكيك من أعرض عن معرفة أصول الدين النبوي وعقائد النِصَاب الفاطمي العلوي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.(1/1003)


سبب موت الحسن عليه السلام شهيداً بالسم ومصير الأمر ليزيد بن معاوية
تتمة تشتمل على كيفية مصير الأمر إلى يزيد الشيطان المريد وموت الحسن عليه السلام شهيداً بالسم لأجل مصير الأمر بعد معاوية لعنه الله تعالى إلى ولده لعنه الله ليزداد المؤمن إيماناً أن ذينك الرجلين الملعونين مستويان في قبح السيرة وخبث السريرة، وذكر ما سنح من مساوئهما القبيحة وأفعالهما الفضيحة، وأنهما ممن قال الله تعالى فيهم: ? وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ o وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ ? {القصص:41،42}.
ذكر أبو الفرج الأصفهاني رحمه الله في مقاتل الطالبيين أن الحسن عليه السلام لما رجع إلى المدينة أقام بها، وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي عليهما السلام وسعد بن أبي وقاص فدس لهما سماً فماتا منه.
ثم روى بإسناده إلى معتب قال: أرسل إلى بنت الأشعث أني مزوجك يزيد ابني على أن تَسُمِّي الحسن وبعث إليها بمائة ألف ففعلت وسَمَّت الحسن عليه السلام ، فسوغها المال ولم يزوجها ولده، فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم وقالوا يا بني مسمة الأزواج.
وروى أيضاً بإسناده إلى أبي بكر بن حفص قال: توفي الحسن بن علي عليهما السلام وسعد بن أبي وقاص في أيام بعد ما مضت من إمارة معاوية عشر سنين فكانوا يرون أنه سقاهم السم.(1/1004)


وروى أيضاً بإسناده إلى مولى للحسن بن علي عليهما السلام وإسناد آخر إلى عمير بن إسحاق واللفظ له قال: كنت مع الحسن والحسين عليهما السلام في الدار فدخل الحسن عليه السلام المخرج ثم خرج فقال: لقد سقيت السم مراراً ما سقيته مثل هذه ولقد قطعت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود معي، قال الحسين: ومن سقاك هو؟ قال: وما تريد منه تريد قتله إن يكن هو هو فالله أشد نقمة منك، وإن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي بريء.
وقال صاحب المنشورات عن رواية السيد أحمد في اللآلىء: أنه لما وقع الصلح بينه عليه السلام وبين معاوية على شروط لم يف له بها معاوية، ومن جملتها: أن الأمر يصير إلى الحسن بعد وفاة معاوية، ثم إلى الحسين بعد الحسن صلوات الله عليهما، فطالت بالحسن المدة بعد الصلح عشر سنين وهو بالمدينة المشرفة، فاستثقل معاوية حياته عليه السلام ، فاحتال في سمه على يد زوجته جعدة بنت الأشعث وبذل لها مائة ألف وتزويج يزيد ابنه، فوفى لها بالمال دون التزويج، فتزوجت في آل طلحة فكان أولادها يعيرون فيقال لهم: يا بني مسممة الأزواج، قالوا: ولما احتضر قال: لقد سقيت السم ثلاث مرات ما واحدة بلغت مني مبلغ هذه.
ثم روي عن الحجوري عن أبي العباس الحسني عليه السلام قال: دس معاوية السم إلى امرأة الحسن أسماء بنت الأشعث بن قيس ووعدها مائة ألف وتزويج يزيد، فسقت الحسن عليه السلام سماً في لبن فمات بعد شهر، فوفى لها معاوية بالمال ولم يف بالتزويج، وقيل: إنه سقاه ثلاث مرات، ثم حكي عن الحجوري عن أبي العباس عليه السلام قال: وفي الإسناد عن عمير بن إسحاق نحو مما مر عن عمير برواية أبي الفرج إلى أن قال: لئن كان الذي أظن فالله أشد نقمة له، وإن يكن برياً ما أحب أن يقتل بي بريء.(1/1005)

201 / 311
ع
En
A+
A-