قلت: ولأن إمامته عليه السلام ثبتت بالنص سواء قام أو قعد، وإبطال ما قضت به النصوص لا يجوز ولا يمكن تقدير حصول ما يبطلها من فسق أو اختلال شرط لعصمته عليه السلام وعدم نقل شيء مما يدل على اختلاف شرط كطرو فساد إحدى الحواس أو نحو ذلك، وأما استدلال الحشوية على ذلك بإجماع الشوكة لمعاوية وإجماع الناس عليه، فلم يكن ذلك عن رضاً واختيار، كيف ولم يتم ذلك إلا بعد جمع عدو الله لأجله الجموع العظيمة والآلاف الجسيمة لقتال من لم يبايعه ومن لم يدخل تحت طاعته.
ومنها: أن معاوية لعنه الله تعالى كان غداراً كذاباً من الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.
أما الغدر والكذب: فلما كتب إلى الحسن عليه السلام أن قيس بن سعد ومن معه قد بايعني ودخل تحت طاعتي ولم يكن قد بايعه وصالحه إذ ذاك كما مر نقلاً مفصلاً، وكتب إلى قيس بن سعد: أن الحسن قد صالحني وسلم إلي الأمر. ولم يكن ذلك إلا في النهاية لا حين الحرب قائمة بينه وبين قيس حتى انخدع كل من الحسن عليه السلام وقيس رحمه الله وظن أن الآخر قد فارقه وبقي منفرداً عنه، فاضطر الحسن عليه السلام إلى المصالحة، واضطر قيس أولاً إلى القتال بغير إمام بل قتال مدافعة عن النفس هو ومن معه حتى حفظوا نفوسهم، ثم اضطروا إلى الانصراف إلى الكوفة.(1/996)


وأما نقض العهد: فلما مر من رواية أبي الفرج لخطبة معاوية لعنه الله تعالى من قوله: ألا إن كل شرط أعطيته الحسن تحت قدمي هذا. وهذه خطبة مشهورة ويؤيدها ما رواه ابن قتيبة في مخاطبة سليمان بن صرد للحسن عليه السلام ما لفظه: وزعم على رؤوس الناس ما قد سمعت أني كنت شرطت لقوم شروطاً ووعدتهم عدات ومنيتهم أماني إرادة إطفاء نار الحرب ومداراةٍ لهذه الفتنة إذا جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا فإن كلما هنالك ألا كلما هنالك تحت قدمي هاتين الخ ما ذكره، ومقالة معاوية كلما أعطيته الحسن تحت قدمي لا يعلم خلاف بين آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيه، قال صاحب المنشورات رحمه الله تعالى: وإنما أراد بذلك المقاصصة لما فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: "كل أمر كان من أمور الجاهلية تحت قدمي هذه".(1/997)


قلت وبالله التوفيق: إن كان مراده المقاصصة بما فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فذلك كفر صريح ودلالة على أنه لم يسلم إلا نفاقاً وحقناً لدمه على أنه لا سواء بين المسألتين، فلا فرج للنواصب في احتمال جواز ذلك لمعاوية تأسياً بفعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأن مرام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كل أمر كان من أمور الجاهلية فيما لم يجر منه صلى الله عليه وآله وسلم مصالحة بينه وبينهم، كتسبيب السائبة، وتحريم الواصلة، والحام، وما في بطون الأرحام وغير ذلك دون ما كان صالحهم عليه، وحدت عليه مهادنته كرد من جاءه مسلماً في صلح الحديبية ونحوه، فلم يكن منه صلى الله عليه وآله وسلم في شيء من ذلك نقض ولا عذر حتى تنقضوا ذلك الصلح بما فعلوه بخزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ذلك معروف في كتب السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فتأسى عدو الله بسنة أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخالف كتاب الله تعالى بنقضه ذلك العهد، وقطعه ما أمر الله به أن يوصل، والفساد منه في الأرض، وقد قال تعالى: ?وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ?{الرعد:25}، فقد نقض العهد وقطع ما أمر الله أن يوصل من مودة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وطاعة أولي الأمر منهم وسعى في الأرض الفساد ببغيه وسفكه الدماء بغير حق، وقال تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? {آل عمران:77}. فكيف(1/998)


يصح للنواصب ومن يدعي أنه من أهل السنة النبوية دعوى صحة إمامة من هذا حاله مع قوله تعالى: ?لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ?{البقرة:124}؟ وإنما جواب من ادعى صحة إمامته لعنه الله مع قوله أنه من أهل السنة، أن يقال له: نعم إنك من أهل السنة الأموية، ثم الكفرية لا من أهل السنة النبوية، فليس من أهلها إلا من وَدَّ آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعادى عدوهم واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، على أنها قد تواترت الأخبار عن النبي المصطفى المختار صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في علي: " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق "، وتواترت أيضاً عن ذلك الطاغية إمام الفجار أنه باغض له عليه السلام وعدو له ولأولاده الأطهار بما لا تقدر النواصب وأهل تلك السنة على إنكاره، ولئن أنكر ذلك منهم منكر أو كابر فيه مكابر ما أمكنه إنكار اللعن على رؤوس تلك المنابر، فتدبر إن كنت ممن يتدبر، وإلا فأعد جواباً للسؤال في يوم المحشر فإلى الله المآب والمفر(1/999)


ومنها: أنه لم يكن بين الحسن وبين الحسين عليهما السلام اختلاف فيما يعامل به الظلمة، وما يتعلق بسياسة الأمة وسير الأئمة في الرعية، وتدبير أمور الأمة المحمدية، فلا يتوهم متوهم من مصالحة الحسن عليه السلام لمعاوية اللعين وعدم ذلك من الحسين عليه السلام في يزيد المريد المهين أن بينهما اختلاف في العقائد الدينية والسيرة مع الظلمة وسائر الرعية، لأن الحال اقتضى مع كل واحد منهما عليهما السلام حسن ما فعل ولو اتفق لأحدهما مثل ما اتفق للآخر أو وقع أحدهما في عين ما وقع في الآخر لما فعل خلاف ما فعله أخيه صلوات الله وسلامه عليهما معاً وعلى سائر الآل جميعاً، لأن الحسن عليه السلام في ابتداء الأمر جمع الأجناد والعساكر لقتال العدو فلما خذل وظن استيصاله هو وأخيه وشيعته حسنت منه المصالحة على تلك الشروط التي منها: إجراء الأمور مجاريها الشرعية، ومراجعة الحسين عليه السلام له في أوائل الصلح إنما هي لظنه الانتصار وعدم غلبة العدو حتى وَضَّحَ له الحسن عليه السلام حقيقة الأمر من خيانة من ظن الحسين بهم النصرة فوافقه على حسن المصالحة كما مر حكاية ذلك عن رواية الحاكم في السفينة، وعن رواية ابن قتيبة لما أجاب به الحسين عليه السلام على سليمان بن صرد ومن معه فليراجع، ولأن الحسين عليه السلام إنما خرج من مكة إلى العراق لما كاتبوه أنهم في يده ويطلبونه القدوم إليهم للبيعة والائتمام به، فأرسل مسلم بن عقيل رحمه الله تعالى يأخذ له البيعة عليهم، وظن أنهم سينصروه، ثم تقدم عليه السلام إليهم ولم يعلم ما قد تعقب ذلك من قتل عبيد الله بن زياد لعنه الله تعالى لمسلم بن عقيل وغلبته على الشيعة وسائر من بايع وخذلان من خذل مسلماً كما حكته الأخبار في ذلك، فلما لم يتحقق له الأمر إلا وقد توجهت إليه الأجناد الكثيفة مع قلة عدد من معه من المقاتلة طلب من أمير ذلك الجند أن يتركه ويرجع من حيث أتى عليه السلام ، فلم يجبه إلى ذلك، ثم طلب منه(1/1000)

200 / 311
ع
En
A+
A-