ثم روى بإسناده إلى إسماعيل بن عبد الرحمن أن معاوية أمر الحسن عليه السلام أن يخطب لما سلم إليه الأمر وظن أنه عليه السلام سيحصر فقال في خطبته: إنما الخليفة من سئل بكتاب الله وسنة نبيه وليس الخليفة من سار بالجور ذاك مَلِكٌ مَلَك مُلْكاً تمتع فيه قليلاً ثم تنقطع لذته وتبقى تبعته وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، قال: وانصرف الحسن إلى المدينة فأقام بها، وانصرف معاوية إلى الشام بعد أن جعل على الكوفة عاملاً من طرفه وكان الحسين بن علي عليهما السلام مع صنوه عليه السلام يشاوره الأمر ويفضي إليه الأسرار قال صاحب المنشورات رحمه الله تعالى: إن الحسين بن علي صلوات الله عليه لما رأى أخاه الحسن عليه السلام مجمعاً على الصلح عند ذلك خاض مع أخيه خوضاً طويلاً فبين له الحسن حقيقة الأمر وخيانة أصحابه حتى بني عمه وأنه لم يبق على النصح إلا أعيان صالحين وزهاد متقين، وفي ذلك ما رواه السيد أحمد عن الحاكم من كتاب السفينة عن عمارة بن ربيعة قال: قال الحسين للحسن عليهما السلام: أجاد أنت فيما أرى من موادعة معاوية؟ قال: نعم، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ثلاثاً، قال: لو لم نكن يا أخي إلا في ألف رجل لكان ينبغي لنا أن نقاتل على حقنا حتى ندركه أو نموت وقد أعذرنا، فقال الحسن عليه السلام : وكيف لنا يا أخي بألف رجل من المسلمين، إني أذكرك الله أن تفسد علي ما أريد أو ترد علي أمري، فوالله ما ألوك نفسي وأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خيراً، إنك ترى ما نقاسي من الناس وما كان يقاسي منهم أبوك من قبلنا حتى كان يرغب إلى الله سبحانه وتعالى في فراقهم في كل صباح ومساءٍ، ثم قد رأيت ما صنعوا بي أفبهؤلاء نرجوا أن ندرك حقنا، إنا يا أخي اليوم في سعة وعذر كما وسعنا العذر حين قبض نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكف الحسين عليه السلام وسكت، وذكر ابن قتيبة في ابتداء الأمر والمبايعة للحسن عليه السلام أن الناس أتوا الحسن بن(1/991)
علي عليهما السلام فقال لهم: تبايعوا لي على السمع والطاعة وتحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت. فلما سمعوا ذلك ارتابوا وأمسكوا أيديهم وقبض هو يده، فأتوا الحسين عليه السلام فقالوا له: أبسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك وعلى حرب المحلين الظالمين أهل الشام فقال الحسين عليه السلام : معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حياً. قال: فانصرفوا إلى الحسن فلم يجدوا بداً من مبايعته على ما شرط عليهم، وذكر أن سليمان بن صرد وكان سيد أهل العراق ورئيسهم دخل على الحسن عليه السلام وقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال الحسن عليه السلام : وعليك السلام اجلس لله أبوك فجلس سليمان فتكلم هو ومن معه بكلام طويل حاصله لوم الحسن عليه السلام على الصلح وأن معاوية قد نقضه بقوله: ألا إن كلما أعطيته الحسن فقد جعلته تحت قدمي هذا فليأذن لهم أن يشخصوا إلى الكوفة فيخرجوا عامل معاوية منها ويعود إلى الحرب وينبذ إلي الظالمين على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين، فحمد الله الحسن عليه السلام وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا وقد فهمت ما ذكرتم، ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل ما كان معاوية بِأَبْأس مني بأساً وأشدّ شكيمة ولكان رأيي غير ما رأيتم ولكني أشهد الله وإياكم أني لم أرد بما رأيتم، إلا حقن دمائكم وإصلاح ذات بينكم إلى قوله عليه السلام : وأما قولك يا مذل المؤمنين والله لئن تذلوا وتعافوا أحب إلي من أن تعزوا وتقتلوا، فإن رد الله علينا حقنا في عافية قبلنا وسألنا الله العون على أمره، وإن صرفه عنا رضينا وسألنا الله أن يبارك لنا في صرفه فليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته مادام معاوية حياً إلى آخر كلامه، قال: ثم خرج سليمان بن صرد فدخل على الحسين عليه السلام ، فعرض عليه ما عرض على الحسن عليه السلام وأخبره بما رد عليه الحسن فقال الحسين: ليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته حتى ما دام معاوية حياً(1/992)
فإنها بيعة كنت والله كارهاً لها فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم ورأينا ورأيتم.
وروى أبو الفرج رحمه الله تعالى بأسانيد عن سفيان بن الليل قال: أتيت الحسن حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: وعليك السلام يا سفيان انزل فنزلت فعقلت راحلتي ثم أتيت فجلست إليه فقال: كيف قلت يا سفيان بن الليل، فقلت: السلام عليك يا مذل رقاب المؤمنين، قال: فأخر هذا منك إلينا، فقلت: أنت والله بأبي وأمي أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة وسلمت الأمر إليه اللعين بن اللعين بن آكِلَة الأكباد ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك، وقد جمع الله لك أمر الناس قال: يا سفيان إنا أهل البيت إذا علمنا الحق تمسكنا به وإني سمعت علياً عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " لا تذهب الليالي والأيام حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع الشؤم ضخم البلعوم يأكل ولا يشبع لا ينظر الله إليه ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر"، وإنه معاوية وإني عرفت أن الله بالغ أمره، ثم أذن المؤذن فقمنا على حالب يحلب ناقة فتناول الإناء فشرب قائماً، فخرجنا نمشي إلى المسجد فقال: ما جاء بك يا سفيان فقلت: حبكم والذي بعث محمداً بالهدى ودين الحق قال: فأبشر يا سفيان فإني سمعت علياً عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " يرد علي الحوض مع أهل بيتي من أحبني من أمتي كهاتين " يعني السبابتين واليمنى ولو شئت قلت هاتين يعني - السبابتين والوسطىـ أحدهما تفضل على الأخرى، أبشر يا سفيان فإن الدنيا تشبع البر والفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال هذا لفظ أبي عبيد، وفي حديث محمد بن الحسين وعلي بن العباس بعض هذا الكلام موقوفاً على الحسن عليه السلام غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا في ذكر معاوية فقط(1/993)
انتهى قوله إلا في ذكر معاوية فقط يعني فإنه مرفوع.
قلت وبالله التوفيق: فهذا ما تراه أيها لطالب الرشاد من الأخبار والآثار والمكاتبات والمراسلات والجوابات المتعلقة بذلك الصلح، وقد طال بها الكلام، لكن إنما حرصت على نقلها لأنها لا تخلو كلها من فوائد ونكت ومسائل اعتقادية ودلائل على بطلان نقلها ما تنقله الأشعرية وغيرهم من فرق الجبرية وأهل الحديث وسائر من يزعم أن ذلك الطاغية صار بهذا الصلح إمام حق وقائد صدق.(1/994)
هل صلح الحسن عليه السلام مع معاوية صواب أم خطأ
ولابد من تنبيه المسترشد على ما ظهر للعبد الحقير ذي الفهم اليسير أجاره الله وسائر المؤمنين من عذاب السعير من تلك الفوائد المفيدة والنكت المتعلقة بالمسائل الدينية وحسن العقيدة وبالله التوفيق:
فمنها: أن صلح الحسن عليه السلام كان صواباً عند أكثر الأمة بل لم يخالف فيه إلا الخوارج نص عليه في القلائد، فأما ما مر من الحكاية عن بعض المحبين والشيعة من اللوم للحسن عليه السلام ومراجعته في ذلك كما مر عن سليمان بن صرد وسفيان الليل فليس منهم حكما ولا اعتقاداً للخطأ، وإنما ذلك مراجعة معه عليه السلام إذا رأى صلحاً في عدم المضي على موجب الصلح، حيث أن معاوية لعنه الله قد فعل ما أوجب نقضه، دليله أنهم لا يعتقدون تأثيمه عليه السلام في ذلك ولا خرجوا عن موالاته أو محبته بما فعله من الصلح وعدم مساعدتهم إلى ما طلبوه منه عليه السلام وهذا واضح.
ومنها: أن الحسن عليه السلام لم ينعزل عن الإمامة بذلك الصلح خلافاً للحشوية نص عليه في القلائد أيضاً، قال الشارح: وهو قول عامة المجبرة ويسمون سنة الصلح: سنة الجماعة، إذ فيه اجتماع الشوكة لمعاوية، وإجماع الناس عليه، قال عليه السلام : لنا: يعني في الاستدلال على أنه لم ينعزل الحسن عليه السلام عن الإمامة، لأنها لا تبطل الإمامة بعد ثبوتها إلا بحدث من الإمام يوجب الفسق أو اختلال شرط من شروطها، وقد ثبتت إمامة الحسن عليه السلام قبل الصلح، ولم يحدث بذلك الصلح ما يبطل الإمامة لأنه لم يكن معصية على ما سيأتي فضلاً عن أن يكون فسقاً، فبطل ما زعموه.(1/995)