عليه السلام للصلح فدعواه إليه وزهداه في الأمر وأعطياه ما شرط له معاوية وأن لا يتبع أحداً مضى ولا ينال أحداً من شيعة علي عليه السلام بمكروه ولا يُذكَر علي عليه السلام إلا بخير وأشياء اشترطها، فأجابه الحسن عليه السلام إلى ذلك وانصرف قيس فيمن معه إلى الكوفة، وانصرف الحسن عليه السلام واجتمع إليه وجوه الشيعة وأكابر أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام يلومونه ويبكون إليه جزعاً مما فعله، هكذا ذكره في المقاتل وفي المنشورات أن سبب اضطراب الحسن عليه السلام أن الرجلين المرسلين من جهة معاوية لما أتيا الحسن وهو بالقرب من المدائن فكلماه في الصلح ثم خرجا من عنده هما ومن معهما من الواصلين بمعيتهما وهم يقولون: إن الله تعالى قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكن به الدهماء والفتنة وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر ولم يشك الناس في صدقهم فوثبوا بالحسن عليه السلام فانتهبوا مضاربه وما فيها، فركب الحسن فرسه وسار في مظلم ساباط، وقد كمن له الجراح بن سنان الخ ما ذكره في القصة السابقة ذكرها بعد وقوع خطبته عليه السلام المذكورة آنفاً، فلعل أن الحسن عليه السلام بعد أن خرج من لديه الرجلان ومن معهما خرج إلى المسجد فصعد المنبر كما ذكره أبو الفرج وخطب تلك الخطبة، فخرج بعد ذلك من المسجد وسار على فرسه فكان ما كان من النهب ونحوه الخ ما ذكر، فلا تنافي بين الروايات، وقد ظهر من جميع الروايات أن أصحاب الحسن عليه السلام كانوا أخلاطاً فيهم بقية من الخوارج وهم الذين قالوا له عند أن ظهر لهم السعي بالصلح قالوا: كفر والله الرجل، ومنهم جراح بن سنان الأسدي لعنه الله، وفيهم من هو في الظاهر مع الحسن وفي الباطن مع معاوية وهم الذين كانوا يكاتبونه قبل الصلح ويكتمون أمرهم عن الحسن، وفيهم أهل ريب وشك ونفاق يميلون مع كل مائل، وفيهم من كان يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة وهم الذين كاتبهم معاوية ويكتب إلى الرئيس عليهم: لك أرض كذا وأرض كذا،(1/986)
فيقبلون ذلك ويعدوه بالخذلان للحسن عليه السلام ويرتقبون الفرصة ليثورون عليه، فلما فعلوا ذلك كتبوا إلى معاوية لعنه الله: أن أقدم، وفيهم الشيعة الخلص وهم الذين استمروا على ما هم عليه من المحبة والجهاد حتى لم يبق لهم إلا الكف عن القتال وحقن دمائهم عند أن جرى الأمر بالصلح وهم الأقلون في الناس الأعظمون عند الله تعالى.
وعلم من هذا الكلام أن الحسن عليه السلام لم يجب إلى الصلح إلا بعد أن عرف من أصحابه الخذلان والخذلة له، قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام لما كان من صلح الحسن عليه السلام لمعاوية لعنه الله ما كان لقيه أناس من شيعته وشيعة أبيه فقالوا له بلسان واحد: يا مذل المؤمنين ويا مسود وجوه المسلمين، فلما سمع عليه السلام الكلام منهم دخل المسجد وارتقى المنبر وكان من كلامه عليه السلام : أيها الناس والله ما بين جابرس وجابلق ابن بنت نبي غيري وغير أخي، فليكن استماعكم لكلامي على قدر معرفتكم بي، إنا كنا نقاتل وفينا الصبر والحمية فقد شيب الصبر بالجزع والحمية بالعداوة، وإنكم قد أصبحتم بين باكيين باك يبكي لقتلى صفين وباك يبكي لقتلى النهروان وأنا ثائر وقد دعيتم إلى أمر ليس فيه رضا ولا نصفة، فإن كنتم تريدون الله واليوم الآخر حاكمناهم إلى ضبا السيوف وأطراف الرماح، وإن كنتم تريدون البقية أخذنا لكم العافية، فتنادى الناس من جوانب المسجد: البقية البقية. فلما سمع الحسن عليه السلام ذلك، وقد كان عرف بواطنهم جرى بينه وبين معاوية مراسلات ومكاتبات حتى أنفذ الصلح بينهما على شروط دينية ودنيوية، ومن جملة الشروط على أن الأمر من بعد معاوية للحسن ثم للحسين ذكر ذلك صاحب المنشورات، قال: وهذه رواية المنصور بالله عليه السلام في الشافي وهي رواية الحجوري عن أبي العباس الحسني عليه السلام قال: وفي شرح بن أبي الحديد نحو ذلك.(1/987)
وعلى كف الأذى والسباب، ورعاية شيعة علي عليه السلام وشيعة الحسن عليه السلام ، وعلى أن يجري الأمور مجاريها الشرعية.
قال الحجوري: وروى أبو القاسم الآمدي أن الحسن ومعاوية التقيا بمنزل بين الكوفة والشام فقال الحسن لمعاوية: ماذا تقاتلني عنه هل غير الدنيا فإني قد اخترت ما عند الله وحقنت دماء المسلمين، فقام المغيرة بن شعبة فسكت الناس وأنصتوا لكلامه فقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله بين فئتين من المسلمين به "، فجزاك الله خيراً يا ابن رسول الله انتهى.
وقال ابن قتيبَة في كتاب السياسة والإمامة: إن الحسن عليه السلام كاتب معاوية فأتاه فخلا به فاصطلح معه على أن لمعاوية الإمامة ما كان حياً، فإذا مات فالأمر للحسن عليه السلام ، فلما تم صلحهما صعد الحسن المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله هدى أولكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وكانت لي في رقابكم بيعة تحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت وقد سالمت معاوية وبايعته فبايعوه وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، وأشار إلى معاوية انتهى.(1/988)
قلت: ولا يخفى على من توسم عبارة ابن قتيبة ما فيها من خدمة مذهبه الباطل واعتقاده العاطل من تصحيح إمامة معاوية لعنه الله بعد الصلح، وإن كان ما رواه عن الحسن عليه السلام صحيحاً، وذلك أنه قال: إن الحسن عليه السلام كتب إلى معاوية وظاهرها أن ذلك ابتداء، لذلك لم يحك ما قد وقع قبل ذلك من مخادعة معاوية، وخذلان أصحاب الحسن عليه السلام له، وإرسال الرسولين المذكورين سابقاً من طرف معاوية إلى الحسن عليه السلام للمصالحة كما حكى ذلك غيره من المؤرخين حسبما قد مر ذكره عمن ذكرناه منهم، ثم قال: فأتاه فخلا به فاصطلح معه على أن لمعاوية الإمامة ما كان حياً. وعبارة غيره: على أن الأمر من بعد معاوية للحسن، كما مر في جواب معاوية على الحسن عليه السلام أو المكاتبة، ولم يذكر لفظ الإمامة أحد في روايته سوى ابن قتيبة وإن كان يوافق كلامه كلام الآخرين في أن معاوية يتولى الأمر وأن الحسن يتنحى عنه ما دام معاوية حياً، لكن في عبارته دسيسة ليست في عبارة غيره وهي ما ذكرناه من خدمة مذهبه الباطل واعتقاده العاطل، قالوا: ثم إن معاوية لعنه الله تعالى خطب خطبة قال أبو الفرج: طويلة لم ينقلها أحد من الرواة تامة وجاءت مقطعة في الحديث وسنذكر ما انتهى إلينا من ذلك، ثم ذكر ما انتهى إليه منها كل قطعة بإسناداتها التي ذكرها في المقاتل فلا حاجة إلى ذكرها هنا إذ القصد الاختصار.
فمنها: ما انتهى إلى الشعبي قال: خطب معاوية حين بويع له فقال: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها ثم انتبه فندم فقال: إلا أهل هذه الأمة فإنها وإنها.
ومنها: ما انتهى إلى أبي إسحاق قال: سمعت معاوية بالنخيلة يقول: ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به، قال أبو إسحاق:وكان والله غدراً.(1/989)
ومنها: ما انتهى إلى سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة بالنخيلة في الضحى ثم خطبنا فقال: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لتأمري عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، قال شريك في حديثه هذا: هو التهتك.
ومنها: ما انتهى إلى حبيب بن أبي ثابت قال خطب معاوية لما بويع فذكر علياً فنال منه ونال من الحسن فقام الحسين ليرد عليه وأخذ الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال: أيها الذاكر علياً أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدتي خديجة وجدتك قبيلة فلعن الله أخملنا ذكراً والأصنا حسباً وشرنا قدساً وأقدمنا كفراً ونفاقاً، فقال طوائف من أهل المسجد: آمين، قالوا: فدخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة فبايعه أهل العراق وبايعه من كان معتزلاً عن علي عليه السلام كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم وسموا ذلك العام عام الجماعة قال: ولما دخل معاوية الكوفة صعد المنبر وخطب فكان مما قاله: ما أظهرني الله عليكم إلا وهو يريد ذلك، قال ولما بلغ الحسن عليه السلام أدخل قيساً بن سعد بن عبادة رحمه الله ليبايع فأقبل على الحسن عليه السلام فقال: أنا في حل من بيعتك؟ قال: نعم، وكان رجلاً طويلاً يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطان الأرض وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، ولما أرادوا أن يدخلوه على معاوية وقد وضعوا له كرسياً وجلس معاوية على سريره قال: إني قد حلفت أني لا ألقاه إلا وبيني وبينه الرمح أو السيف فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينه وبينه ليبر في يمينه فقال له معاوية: أتبايع، قال: نعم، فوضع يده على يمينه فلم يمدها إلى معاوية فأكب معاوية على قيس حتى مسح على يده وما رفع قيس إليه يده هكذا حكاه أبو الفرج.(1/990)