معاوية فلا تقاتل حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتله فإن أصبت فقيس على الناس فإن أصيب قيس فسعد على الناس، فسار عبيد الله بن العباس حتى أتى مسكن إلى قوله: ثم إن معاوية وافى حتى أتى قرية يقال لها الجنوبية بمسكن وأقبل عبيد الله بن العباس حتى نزل بإزائه، فلما كان من غد وجه معاوية لعنه الله بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، وفي المنشورات عن الحجوري في روايته عن الحسن بن زيد بن علي عليهم السلام: فلما أراد الحسن الخروج من الكوفة إلى الشام أنفذ معقل بن قيس الرباحي وشريح بن هاني الحارثي وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأوسي فاستنفروا له أربعين ألفاً وعقد لقيس بن سعد بن عبادة وولاه، ثم أنفذ في المقدمة عبيد الله بن العباس في أربعة آلاف ومعه قيس بن سعد الهمداني في أصحابه.
قلت: ولعلهم كانوا وفاء الاثني عشر الألف جمعاً بين الروايات، قال: فنزل عبيد الله بن العباس ثَمَّ أرض الجزيرة فكاتبه معاوية وخدعه، وفي رواية أبي الفرج: فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن العباس أن الحسن قد رسالني في الصلح وهو مسلم الأمر إلي فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن ألف ألف درهم يعجل لك في هذا الوقت نصفها وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر. فانسل عبيد الله ليلاً فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعد يعني الخمس المائة الألف المعجلة، وفي المنشورات عن روضة الحجوري بعد قوله المذكور آنفاً فكاتبه معاوية فخدعه ما لفظه: وبعث إليه بثلاث مائة ألف، فانسل عن أصحابه ليلاً فصار إلى معاوية.(1/981)
قلت: ولا تنافي بين الروايتين لإمكان الجمع بين الخمس المائة الألف المعجلة أرسل منها إلى عبيد الله ثلاث مائة ألف ثم استوفى مائتي ألف عند أن وصل إلى معاوية، قالوا: فأصبح الناس ينتظرون خروجه فيصلي بهم فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد، ثم خطبهم فقال: أيها الناس لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله اليرع - يعني الجبان - ثم ساق في خطبته كلاماً له ذم عبيد الله وأبيه وأخيه وأنهم لم يأتوا بيوم خير قط، فلا اعتداد ولا التفات إلى ما صنع الرجل، قال فتنادى الناس الحمد الله الذي أخرجه من بيننا انهض بنا إلى عدونا.(1/982)
رجع الكلام إلى خبر الحسن عليه السلام قالوا: وخرج الحسن عليه السلام في خمسة وعشرين ألفاً حتى نزل المدائن، فكتب معاوية اللعين إلى رؤوس من مع الحسن عليه السلام : أن قيس بن سعد قد بايعني وجعل يكتب إلى الرجل منهم: أن لك أرض كذا وكذا. حتى بايعوه، وثاروا على الحسن عليه السلام ذات عشية فطعنه رجل - قيل أسدي - في جنبه طعنة، وقيل في فخذه ونهبوا ثقله فثار إلى القصر الأبيض ليدخله فحصروه في بعض القصر، وكتبوا إلى معاوية أن اقدم، وقيل أنه عليه السلام سقط عن بغلته وأنه أغمي عليه وبقي في المدائن عشرة أيام، وقيل أكثر، وتفرق عنه أصحابه وغلب معاوية على الأمر، وكتب معاوية إلى الحسن عليه السلام : أن قيس بن سعد قد بايعني وأن أصحابك قد ثاروا عليك فَلِمَ تقتل نفسك، هكذا رواه صاحب المنشورات عن الحجوري، وذكر أن الحسن عليه السلام خطب أصحابه بعد أن ظهر له من أمرهم ما ظهر، وقد كاتبهم معاوية وهم يكتمون منه وينتظرون فرصة يثورون عليه، فقال فيها بعد أن حمد الله وأثنى عليه فقال: أما بعد، فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه، وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت متحملاً على مسلم معتبة ولا مريداً له بسوء ولا غائلة ألا وأن ما تكرهون خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيراً لأنفسكم، قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما ترونه يريد؟ وقالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاة ومطرفة عن عاتقه فبقي جالساً متقلداً السيف من غير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده، فقال: ادعوا لي ربيعة وهمدان، فدعوا له فأطافوا به ومنعوا عنه الناس ومعهم شوب من غيرهم، فلما مر في مظلم ساباط قام إليه الجراح بن سنان الأسدي فأخذ بلجامه وبيده مِعول، فقال: الله أكبر يا حسن أشركت كما أشرك أبوك ثم(1/983)
طعنه فوقعت في فخذه فشقه حتى خالطت إربيته، فسقط الحسن عليه السلام إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه واعتنقه، فخرا جميعاً إلى الأرض، فوثب عبد الله بن الخطل الطائي فنزع المعول من يده فخضخضه وأكب طبيان عليه فقطع أنفه، ثم قتلوه وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن وبها سعد بن مسعود الثقفي والياً عليها من قبله، وكان علي عليه السلام ولاه فأقره الحسن عليه السلام ، حكى هذه القصة عن أبي الفرج وهي في مقاتل الطالبيين باختلاف يسير، ظاهر هذا أن الانتهاب وما ذكر معه كان قبل وصوله عليه السلام إلى المدائن حتى حمل على سرير إلى المدائن، وظاهر ما مر عن الحجوري: أن ذلك في المدائن،فيحتمل أن الأول نظر إلى بلاد المدائن وناحيتها، وأن هذا نظر إلى نفس المدينة التي بها عامله فلا تنافي والله أعلم.(1/984)
ثم عاد الكلام إلى خبر قيس بن سعد الخزرجي رحمه الله تعالى: قالوا وكتب معاوية لعنه الله تعالى إلى قيس بن سعد يدعو إلى مثل ما دعا إليه عبيد الله بن العباس ويعطيه ألف ألف درهم، فكتب إليه قيس لا والله لا تلقاني أبداً إلا بيني وبينك الرمح أو السيف، فكتب إليه معاوية: إنما أنت يهودي بن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك فإن ظهر أحد الفريقين إليك نبذك وعزلك وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك الخ ما ذكره. فأجابه قيس: إنما أنت وثن من هذه الأوثان دخلت في الإسلام كرهاً، وأقمت عليه فَرَقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً،لم يقدم إسلامك إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حرباً لله ولرسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، فأنت عدو الله ورسوله والمؤمنين من عباده، إلى قوله: وزعمت أني يهودي ابن يهودي وقد علمت وعلمنا أن أبي من أنصار الدين الذي خرجت منه ومن أعداء الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه والسلام. وفي هذا الكتاب من رواية صاحب المنشورات رحمه الله تعالى: ولئن سرت إلي شبراً لأسيرن إليك ذراعاً، ولئن سرت إلي ذراعاً لأسرين إليك باعاً، ولئن سرت إلي باعاً لأهرولن إليك، قالوا: ثم إن قيس رحمه الله تعالى بعد أن خطب أصحابه بالخطبة التي مر ذكرها حتى أجابه أصحابه: فانهض بنا إلى عدونا. نهض بهم وخرج إليهم بسر بن أرطأه في عشرين ألفاً على رواية أبي الفرج أو اثني عشر على رواية صاحب المنشورات فصاحوا بهم: هذا أميركم قد بايع - يعنون عبيد الله بن العباس ـ، وهذا الحسن بن علي قد صالح فعلام تقتلون أنفسكم، فقال قيس بن سعد: اختاروا إحدى اثنتين إما القتال من غير إمام أو تبايعوا بيعة ضلال، فقالوا: نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم، قالوا: وإن معاوية لعنه الله أرسل رجلين أحدهما عبد الله بن عامر والآخر المغيرة بن شعبة كما في المنشورات أو عبد الرحمن بن سمرة كما في المقاتل إلى الحسن بن علي(1/985)