تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، وأدخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به منك ليطفيء الله الثائرة بذلك ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين، فإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك نهدت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وأرسل عليه السلام بهذا الكتاب جندب بن عبد الله الأزدي.
فأجابه معاوية لعنه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفضل وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله إلى قوله: وذكرت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتنازع المسلمين من بعده، فرأيتك صرحت بتهمة أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وأبي عبيدة الأمين وحواري الرسول وصلحاء المهاجرين والأنصار فكرهت ذلك لك، إلى قوله: وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال الذي كنتم عليها وأبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة وأقوى على جمع المال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلاً، ولكن قد علمت أني أطول منك ولاية وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكثر منك سياسة، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في العراق من مالٍ بالغاً ما بلغ، فاحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي العراق شئت معونة على نفقتها يجبيها أمينك ويحملها إليك في كل سنة، ولك أن لا نستولي عليك بالأشياء، ولا نقضي دونك الأمور، ولا نعصي في أمر أردت به طاعة الله، أعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام.(1/976)


قال جندب: فلما أتيت الحسن عليه السلام بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فأما أن تقدر أن ينقاد لك فلا والله حتى يرى يوماً أعظم من يوم صفين، فقال عليه السلام : أفعل. ثم قعد عن مشورتي وتناسى قولي.
قلت وبالله التوفيق: فهذا كتاب الحسن عليه السلام وهذا جواب معاوية لعنه الله، فانظر أيها الطالب الرشاد إلى الأصل والجواب، وتأملهما تجد الأصل جارياً على محض الحق والصدق لم يعد وجه الصواب في شيء ولم يشتمل على كذبة أو تزوير بشيء، وإنما هو دعا لمعاوية إلى الدخول في طاعة الله والرجوع إلى أمر الله وحقن دماء المسلمين بجمع الكلمة، واحتجاج عليه بالحجة الصحيحة القاطعة أن أهل البيت عليهم السلام أولى بسلطان أبيهم، إذ هم أقرب الناس إليه لأن قريشاً إنما أخذت الأمر من سائر العرب بهذه الحجة، فكان أهل البيت عليهم السلام بمقتضى هذه الحجة أولى بالإمامة والتولي على الأمة، غير أن قريشاً ما أنصفتهم بمقتضاها فلم يكن من أهل البيت عليهم السلام إلا النظر فيما يصلح الأمة المحمدية وهو عدم شق الإسلام ولما تستقر قواعده وترد شوارده وتعقل عوابده مع كون الناس قد بايعوا أبا بكر، ولم تحصل لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيعة وليس معهم ناصر سوى نفر يسير لا يظنون بهم نصرة فرأوا الصلاح في مجاملة المتوثبين عليهم ممن مضى، ثم قال لمعاوية لعنه الله تعالى: إنا لا نعجب إلا من ثوثبك الآن مع كونك لست من أهل هذه الأمر إلى آخر ما ذكره عليه السلام ، ولا موجب لمحاماتك حيث أن الإسلام قد تقررت قواعده واتسع نطاقه وعلت شوكته وبايعني الناس المسلمون أجمع إلا أنت ومن إليك، فالواجب عليك السمع والطاعة وعدم شق العصا وحقن دماء المسلمين بالدخول في طاعتي وعدم البغي علي ومنازعتي، فهذا معنى كلام الحسن عليه السلام وهو الحق المحض والصدق الخالص مع قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا(1/977)


اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ? {التوبة:119}، وقوله تعالى: ?أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ? {النساء:59}، وقوله تعالى: ? يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ? {الأحقاف:31}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أهل بيتي كسفينة نوح "، " إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله وأهل بيتي "، " إني تارك فيكم الثقلين "، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على وجوب دخول معاوية وحزبه تحت طاعة الحسن إن كانوا مسلمين، ثم ختم بتهديده معاوية بقوله عليه السلام : وإلا نهدت إليك بالمسلمين. أي فحاكمتك إلى السيف عملاً بقوله تعالى: ?وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ? {التوبة:123}.(1/978)


وتأمل جواب معاوية تجده ليس إلا بمحض المغالطة لم يستند في أمره ورئاسته إلى حجة شرعية ولا دلالة من العقل قطعية، بل مجرد طلب أن يجري مجرى أبي بكر من عدم منازعته وتسليم الأمر إليه وتعلله بما يراه ويتبع فيه هواه أنه أضبط للرعية وأحوط لهذه الأمة، ثم المخادعة بقوله: فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي. وبذل الأموال للحسن عليه السلام لمقابل أن يتنحى عن الأمر الواجب عليه القيام به فهو من باب الإرشاء على إدحاض الحق، وتطميعاً للحسن عليه السلام أن يبيع الدين بالدنيا، مع أن ما يبذله للحسن عليه السلام هو في يد الحسن، لكن عدو الله يزخرف قوله الباطل بكل صورة ويتوصل إلى مرامه العاطل بكل حيلة كما في قوله: ولك الأمر من بعدي. مع أن نيته خلاف ذلك، وحاشا الحسن عليه السلام أن يكون طامعاً في مال أو أمر لولا ما وجب عليه من القيام بأمر الأمة، ثم ختم كلامه بما يروم به استخداع الحسن عليه السلام من قوله: ولك أن لا نستولي عليك بالأشياء ولا نقضي دونك الأمور ولا نعصي في أمر أردت به طاعة الله، فلما كان ذلك قبل خذلان أصحابه له مع ظنه عليه السلام أنهم في يده فيقاوم معاوية لعنه الله كما قاوم الوصي عليه السلام لم يجبه إليها بمجرد هذه المكاتبة كما ذلك هو الواجب عليه.
قال أبو الفرج رحمه الله تعالى: وكتب معاوية إلى الحسن عليه السلام وذكر الكتاب إلى قوله متهدداً للحسن عليه السلام بما لفظه: واحذر أن تكون منيتك على يدي رعاع من الناس وايئس من أن تجد فينا غميرة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت وأجزت لك ما اشترطت إلى آخر ما ذكره تركته اختصاراً.(1/979)


قال صاحب المنشورات رحمه الله تعالى: ثم إنه أي الحسن عليه السلام أحسن مدارات أصحاب أبيه وأصحابه وقضى بالحق وعدل في الرعية وقسم بالسوية، قيل وألف جماعة من الرؤساء العظماء المتبوعين فزاد لهم ما يؤلف به قلوبهم فسموا ذلك مال البيعة، وأقبل الناس إليه وأحبوه، فثقل ذلك على معاوية اللعين فجمع جموعه وحزب أحزابه واستنصر بكل باغ معاند من القاسطين ونهض من الشام في جموعه وأحزابه، وقلقل ركابه لقصد قتال ابن سيد الأولين ولهلاك المطهرين في سلطان عظيم وقلب غير رحيم وأموال حملها طال ما جمعها من حين ولاه عمر بن الخطاب على الشام إلى أن قتل أمير المؤمنين عليه السلام ، وما قتل علي عليه السلام إلا وقد عظم سلطان معاوية من بعد قتال صفين، إلى أن قال حاكياً عن السيد أحمد الشرفي رحمه الله تعالى في اللآلىء المضيئة: واتفقت روايتهم على ذلك مع رواية أبي الفرج وهو أنه لما أجتمعت العساكر إلى معاوية وسار قاصداً إلى العراق وبلغ الحسن بن علي عليهما السلام خبر مسيره وأنه قد بلغ منبج، فتحرك عند ذلك الحسن عليه السلام وأمر حجر بن عدي رحمه الله يأمر العمال والناس بالتهيء للمسير إلى أن قالوا: ثم إن الحسن عليه السلام سار في عسكر عظيم وعدة حسنة حتى أتى دير ابن عبد الرحمن فأقام به ثلاثاً حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وقال له: يا ابن عم إني باعث معك اثني عشر ألفاً، زاد أبو العز: من فرسان العرب وقري المصر الرجل منهم يرد الكتيبة، فسر بهم وألن لهم جانبك وابسط وجهك وافرش لهم جناحك وادنهم من مجلسك، فإنهم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات ثم إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك، فإني في أثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي في كل يوم، وشاور هذين يعني قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي وسعيد بن قيس الهمداني رحمهما الله تعالى، فإذا أنت لقيت(1/980)

196 / 311
ع
En
A+
A-