تنبيه: وأما ما يذكره بعض أصحابنا من الاستدلال على إمامة الحسنين عليهما السلام بعد فراغهم من الاستدلال بالخبر النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام من قولهم: وبعد فقد وقع العقد والاختيار لكل واحد منهما ممن يعتد به، وبعد فكل واحد منهما قام ودعا مع كمال الشروط، أو الاحتجاج بأنهما أفضل أهل زمانهما، فلا حجة فيه على الخصم لإمكانه المعارضة بمثل ذلك، ولأن الأفضلية لا تقتضي الإمامة بمجردها وإنما هي شرط كما سيأتي، فلا بد معها من النص والقيام والدعوة، ولأن العقد أو القيام أو الدعوة لا يتناولا أزمنة الخلاف المذكور بيننا وبين المعتزلة، بل في الاحتجاج بذلك على إثبات إمامتهما إخراج تلك الأزمنة التي ظهر فيها ثمرة الخلاف بيننا وبين المعتزلة والأشعرية بمفهوم المخالفة فتأمل.
وأثبت دليل يستدل به على ثبوت إمامتهما عليهما السلام بعد الاستدلال بالخبر المذكور: هو إجماع العترة عليهم السلام على إمامة الحسن بعد أبيه، ثم الحسين بعد أخيه من دون فصل بين زمني قيامهما وزمني قعودهما، وإجماع العترة عليهم السلام حجة قطعية كما تقدم تقريره، فتقرر بذلك ثبوت إمامة الحسنين عليهما السلام على الترتيب المذكور.(1/971)
الرد على من زعم صحة إمامة معاوية وولده يزيد
وبقي الكلام في الرد على من زعم صحة إمامة معاوية العنيد وولده الشيطان المريد.
فنقول: لقد كان معاوية أحقر من أن يتسم بسمة الإمامة أو يتسنم كاهل الزعامة، لأنه كما ورد في الخبر النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام: " فرعون هذه الأمة "، ?فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ? {الزخرف:54}، ولأنه لا شبهة أنه كان ووالده أبو سفيان اللعين حرباً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المواطن كلها، حتى نصره الله تعالى عليهما وعلى كل كافر من أهل مكة ومن حولها يوم الفتح فاستسلما فيمن استسلم ليحصنا بذلك دماءهما ويحفظا بذلك أعراضهما وأموالهما، وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام بعد مقتل عثمان إماماً بإجماع الأمة إلا من دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخذلان، فلا اعتداد بخروجه عن جماعة الحق وجميع أهل الصدق، وبايع أمير المؤمنين جميع المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن كان بالمدينة وسائر الحجاز والعراق وجميع أقطار الإسلام ما خلا أهل الشام، فشقوا عصا الإسلام واتبعوا ذلك الفجور الظلام، ولا قائل بصحة إمامته سواهم من أهل الإسلام مدة زمن علي عليه السلام ، ومنذ قام ولده الحسن عليه السلام إلى عند أن وقع الصلح.
وحينئذ فلا نحتاج في إبطال إمامته قبل ذلك الصلح، بل بطلانها معلوم بلا ريب ضرورة أنه باغ على ذينك الإمامين الأعظمين، ولا صحة لإمامة الباغي بضرورة الدين وإجماع جميع المسلمين، لكن عقيب ذلك الصلح هو الذي ناسب فيه أهل الضلال من علماء الأشاعرة وبعض أهل الحديث، فحسنوا الظن بمعاوية لعنه الله واعتقدوا صحة إمامته، وهو عن الصلاحية لها بمعزل ومكان بعيد إذ هو جبار عنيد.(1/972)
وليتأمل طالب الحق كيفية وقوع الصلح الذي اعتمده أهل الضلال في تصحيح إمامة ذلك المختال وأول كل مضل دجال، ذكر أهل السير والأخبار والمؤرخين منهم ابن قتيبة في كتاب السياسة والإمامة، والشيخ أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين، وأبو العباس الحسني في مصابيحه، والحجوري في روضته، والسيد الإمام أحمد الشرفي في الآلي المضيئة، كما حكى ذلك صاحب المنشورات عن أبي العباس والحجوري والسيد أحمد، ودخل خبر بعضهم في بعض، إلا أني أنقل في هذا الموضع حاصل كلام الجميع مع ترك ما لا حاجة له، وذلك لما قبض الله سبحانه وتعالى سيد الوصيين إليه شهيداً على يد أشقى الآخِرِين عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله تعالى، بايع الناس الذين كانوا مع أمير المؤمنين عليه السلام ولده الإمام أبي محمد الحسن عليه السلام ، فانزعج لذلك معاوية اللعين واستمر على إصراره على البغي، فكتب إلى رؤساء الشام وجميع من معه من أولئك الجبابرة الطغام وسار قاصداً للعراق وخارجاً لقتال ذلك الإمام والبغي عليه عليه السلام ، وكان عساكره في أيام أمير المؤمنين تحتوي على مائة وأربعة وعشرين ألفاً، وقيل أكثر وكان بعد مشهد أمير المؤمنين عليه السلام أكثر وطأة وأشد قوة وأكثر أتباعاً، قال أبو الفرج رحمه الله تعالى في صفة كتاب معاوية إلى عماله بالنواحي لجمع الأجناد: أنه كتب ما لفظه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن صنعته تيح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباد الله فاغتاله فقتله فترك أصحابه متفرقين مختلفين،وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم فأقبلوا إليَّ حين يأتيكم كتابي بجدكم وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله(1/973)
أهل البغي والعدوان والسلام عليكم ورحمة الله.
قلت وبالله التوفيق: فهذا لفظ كتابه برواية أبي الفرج رحمه الله تعالى، وكان من الأمويين ينتهي نسبه إلى مروان بن الحكم، إلا أنه كان من العلماء أهل الخبرة بالسير والأخبار غير متهم عند أهل العلم والدراية، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه، فتأمله أيها المطلع كم فيه من تغرير وتزوير وكلام باطل.
أولاً قوله: كفاكم الله مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم. وهذا من الزور والافتراء حيث يجعل أمير المؤمنين عدو المسلمين وحاشاه عليه السلام بل هو إمام المسلمين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم.
ثانياً: نسبته قتل الوصي إلى لطف الله وحسن صنعته، ولا شك أن قتل أمير المؤمنين عليه السلام هو من أقبح القبائح وأكبر الفضائح ولا يجعل الله اللطف فيما هو قبيح.
ثالثاً:قوله: وحسن صنعته. حيث ينسب ذلك الفعل القبيح إلى الله تعالى ويصفه بالحسن.
رابعاً: مدحه أشقى الآخرين قوله: تيح له رجلاً من عباد الله.
خامساً:قوله: فترك أصحابه متفرقين مختلفين. وهذا محض الافتراء لأن الأخبار والآثار أفادت اتفاق من كان مع أمير المؤمنين عليه السلام على البيعة والائتمام بالحسن عليه السلام .
سادساً: قوله وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقاداتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، إنما أراد به التلبيس بما لا أصل له، كل ذلك لئلا يتطرق إلى فكر أحد منهم ثبوت إمامة الحسن عليه السلام بعد أبيه صلوات الله وسلامه عليه.(1/974)
كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية
وحكى أبو الفرج وغيره أنه لما بويع الحسن عليه السلام كتب إلى معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد: فإن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين ومنة على المؤمنين، وساق كلاماً في شأن بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله: فلما توفى صلى الله عليه وآله وسلم تنازعت سلطانه العرب وسلمت ذلك، ثم حاججنا قريشاً بمثل ما حاججة به العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر بالإنصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل البيت إلى محاججتهم وطلب النصف منهم باعدونا واستولوا بالإجماع على ظلمنا ومراغمتنا والعيب منهم لنا، فالموعد الله وهو الولي والنصير، وقد عجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزاً يثلمونه به أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا من إفساده فلليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف ولا أثر في الإسلام محمود وأنت ابن حزب من الأحزاب وابن أعداء قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكتابه، والله حسبك فسترد فتعلم لمن عقبى الدار، وتالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد، إن علياً عليه السلام لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض ويوم من الله عليه بالإسلام ويوم يبعث حياً، ولاَّني المسلمون الأمر بعده إلى قوله عليه السلام : فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل الناس فيه من بيعتي، فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أواب حفيظ ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك من خير في أن(1/975)