أهل البيت عليهم السلام لا يختلفون في أصول الدين
فإن قلت: كيف اختلف هؤلاء الأئمة في النص هل هو جلي أم خفي ؟ وكيف اختلفت حكاياتهم عن الزيدية مع أن النصوص في أيديهم الجميع متفقون على صحتها، ومع أنكم تقولون: إن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يختلفون فيما يتعلق بالعقائد وأصول الدين ؟
قلت: أما اختلافهم عليهم السلام هل النص جلي أم خفي، فلم يتوارد على موضع واحد من تلك النصوص، بل من قال: إنه جلي، فذلك نظراً منه إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " علي إمام البررة قاتل الفجرة منصور من نصره مخذول من خذله "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " سلموا على علي بإمرة المؤمنين "، وقوله: " وهو وليكم بعدي "، وقوله: " وهو الخليفة بعدي "، وقوله: " وأولى الناس بالأمة بعدي "، والوصاية ونحو ذلك من الأحاديث الآحادية لفظها المتواتر معناها لمن التفت إليها وتتبعها حتى أفادته العلم بتواتر المعنى، ومن قال: إنه خفي، نظراً منه إلى خبر المنزلة وخبر الغدير وآية:?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ الله? {المائدة:55}، فإن دلالة ذلك مما يحتاج إلى نظر وتأمل وتقديم مقدمات من أن منازل هارون الشركة في الأمر وأنه خليفته في قومه، ومن أن الآية نازلة في شأن أمير المؤمنين عليه السلام ، وما المراد بلفظ الولي؟ وكذلك ما المراد بلفظ مولى في خبر الغدير؟ ثم لم يلتفت أهل هذا القول إلى تلك الأحاديث الآحادية نظراً منه إلى أن الآحادي لا يفيد القطع فلم يتبعها ويحفل بشأنها حتى تفيده التواتر المعنوي كما فعله أهل القول الأول، فبقي المعنى لدى أهل القول الأخير غير متواتر، وصار عند أهل القول الأول متواترا فوصفه كل منهم بما ثبت لديه، لذلك ترى القرشي والإمام المهدي وشارح القلائد وغيرهم من أهل القول الثاني لم يذكروا في احتجاجاتهم على ثبوت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام شيئاً من تلك الأحاديث الآحادية ويقتصروا على الآية وخبر المنزلة وخبر الغدير، إلا(1/966)
أن القرشي احتج بالوصاية والعصمة لتواترهما وهما من قبيل الخفي، وأهل القول الأول يذكرون الأحاديث ويكثرون من نقلها مع ذكر الآية وخبر الغدير والمنزلة، ثم يطلقون على مضمون الجميع أنه جلي، فلم يختلفوا في صحة تلك الأحاديث ولا في حديث معين هل هو جلي أم خفي، وكيف يختلفون في ذلك وهم أعرف الناس بما روي عن أبيهم صلى الله عليه وآله وسلم وأعرف بمواضع اللغة وأحكامها.
وأما قول السائل: ومع أنكم تقولون: إن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يختلفون فيما يتعلق بالعقائد وأصول الدين.
فجوابه: أنهم عليهم السلام لم يختلفوا في أمهات المسائل الواجب معرفتها كإثبات إمامة أمير المؤمنين بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل وأنها قطعية، وإنما اختلفوا في وصف الدلالة عليها هل هي جلية أم خفية وذلك مما لا يجب معرفته، وإنما هو من متعلقات المسألة المذكورة وفروعاتها ومثل ذلك لا يضر الاختلاف فيه ولا يقدح في دقة نظرهم وسمو درجتهم كما في سائر الفرعيات، هذا [ و ] قد مر أن القول بإمامة الحسنين عليهما السلام بعد أبيهما هو قول جميع الزيدية والإمامية والمعتزلة وجمهور الأشعرية بل جميعهم قبل صلح الحسن عليه السلام ، لكن عند الزيدية والإمامية: ثبوت إمامتهما بنص الخبر المذكور،وعند المعتزلة والأشعرية: بل بالعقد والاختيار، وتأولوا الخبر بأن المراد منه أنهما يصلحان للإمامة بعد علي عليه السلام ، واعترضوا استدلال الأصحاب بأنه لو كان المراد النص على ثبوت إمامتهما لاقتضى ذلك عقيب النطق به فيصيران إمامين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزمن علي عليه السلام وهو باطل إجماعاً، فلم يبق إلا أن المراد به الإخبار بالصلاحية وليس كل من صلح صار إماماً.(1/967)
فأشار عليه السلام إلى هذه الشبهة وجوابها وبطلان ذلك التأويل بأن [ الإجماع ] من الأمة [ منعقد على أنه لا ولاية لهما في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في زمن علي عليه السلام إلا عن أمرهما، ] أي عن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمنه وعن أمر علي عليه السلام في زمنه، فإذا أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أمرهم علي عليه السلام في شيء مخصوص كان إليهما ولاية ذلك الأمر، [ و ] كذلك انعقد الإجماع [ أنه لا ولاية لأخيه الحسين في زمن أخيه الحسن إلا عن أمره، فبقيت ] أي فصارت [ الأوقات ] الثلاثة زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزمن علي عليه السلام بعده وزمن الحسن عليه السلام بعد أبيه [ مخصوصة ] أي مخرجة ومستثناة عما يقتضيه ظاهر لفظ الخبر [ بالإجماع. ] المذكور لأن الإجماع أحد الأدلة الشرعية التي يصح تخصيص العام بها، وبقي زمن الحسن عليه السلام من عقيب وفاة أبيه عليه السلام إلى أن قبضه الله إليه مسموماً، وزمن الحسين بعد أخيه الحسن عليهما السلام من بعد عقيب وفاة أخيه إلى أن قبضه الله إليه مظلوماً شهيداً بكربلاء داخلة تحت ما تناوله اللفظ الشريف والنص الجلي المنيف وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا " بلا شبهة ولا ريب.(1/968)
إذا عرفت هذا فموضع خلافٍ بيننا وبين المعتزلة في إمامة الحسن عليه السلام لا وجود له، لأن العقد وقع له عقيب أن استشهد أمير المؤمنين عليه السلام ، ولم ينعزل عندهم بالصلح بينه وبين معاوية لعنه الله تعالى، فبقي إماماً إلى أن توفاه الله تعالى، وإنما موقع الخلاف هو بيننا وبين الأشعرية في زمن الحسن عقيب الصلح إلى أن توفي رحمه الله تعالى، وموضع الخلاف بيننا وبين المعتزلة في إمامة الحسين عليه السلام هو منذ توفي الحسن إلى أن خرج الحسين من المدينة متوجهاً إلى مكة، فكاتبه أهل الكوفة يطلبونه الوصول إليهم، فَقَدَّم قبله ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب رحمه الله فأخذ عليهم البيعة للحسين عليه السلام فصار بذلك عندهم إماماً إلى أن استشهد صلوات الله عليه، فأما قبل ذلك العقد فليس عندهم بإمام بل يصلح لها فقط، وكذلك قول الأشعرية إلا أن ابن حجر ومن وافقه كالحشوية لم يعتدوا بإمامته هذه، قال ابن حجر لعدم استقرارها، وأما الحشوية فعلتهم أن طريق الإمامة القهر والغلبة، وقد مر أن كلام ابن حجر يؤول إليه وإن تحاشى عنه في تصحيحه إمامة معاوية اللعين بعد الصلح.(1/969)
وحجتنا عليهم الجميع: دلالة الخبر، فقد قضت بثبوت إمامة الحسن بعد أبيه ثم الحسين بعد أخيه من دون فصل وتفريق حسبما ذكره المخالفون، ويؤكده قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " قاما أو قعدا "، فإن هذا منه صلى الله عليه وآله وسلم إشارة إلى زمن الحسن بن علي عليهما السلام بعد الصلح، وزمن الحسين بعد الحسن قبل العقد له بالكوفة، فهما في ذينك الزمنين قاعدين عن القيام بأعباء الإمامة وتقلد أمر الزعامة، فنص صلى الله عليه وآله وسلم أن إمامتهما في ذينك الزمنين ثابتة كثبوتها حال قيامهما وجهادهما، وإن كانت ثابتة حال قعودهما فثمرة ثبوتها لهما أنهما تجب طاعتهما إذا أمرا بما أمره إلى الأئمة وأن ولاية الحدود إليهما، فإذا أتي إليهما بمن لزمه حد صح إقامتهما عليه ذلك، وأنه لا يجوز تولي شيء مما أمره إلى الأئمة كالتولي على القضاء وقبض الزكوات لمن يتولاه من طرف معاوية العنيد وولده يزيد الشيطان المريد مهما لم يأذن له الموجود منهما عليهما السلام، فإن أذن صحت ولاية ذلك الشخص فيما تولاه استناداً إلى الأذن لا إلى تلك التولية التي من جهة معاوية ويزيد، وعلى هذا يحمل ما وقع من خيار الصحابة رضي الله عنهم من التولي من معاوية ويزيد كخروج أبي أيوب الأنصاري للجهاد حتى توفي في القسطنطينية من طرف معاوية.(1/970)