ثبوت صحة حديث: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا
[ و ] الكلام في [ هذا ] الخبر يقع في طرفين: أحدهما في ثبوته وصحته. والثاني: في دلالته على المطلوب.
أما الطرف الأول: فلأن الأمة تلقته بالقبول ولا يعلم أحد من العلماء أنكره ورده، قال في شرح الأساس: وهذا الخبر مما اجمعت عليه الأمة، ذكره المنصور بالله عليه السلام من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم.
وقال في أنوار اليقين: وهذا الخبر مما ظهر بين الأمة واشتهر تلقته بالقبول ولا ينكره ولا يجحده أحد ممن يعول عليه من علماء الإسلام، بل هم بين مستدل به ومتأول له، والعترة مجمعة على صحته أيضاً وإجماعهم حجة واجبة الاتباع كما تقدم.
وقال في الإرشاد الهادي: ولا شبهة في كون هذا الخبر مما تلقته الأمة بالقبول وبلغ حد التواتر وصح الاحتجاج به.
قلت: أما تلقي الأمة له بالقبول فلا شك في ذلك ولا إشكال، وأما كونه متواتراً فلم يعلم رواية جماعة له عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، ثم كذلك إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما هي حقيقة المتواتر، بل لم يعلم له مخرج لا في كتب الأصحاب ولا في كتب أهل الحديث لكن أهل كل عصر يحفظونه عمن قبلهم بلا تناكر من دون إسناد فلان عن فلان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو في منزلة المتواتر ورتبته في إفادته العلم بثبوته وصحته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتقلي الأمة له بالقبول، والتلقي بالقبول من كل الأمة أو من كل العترة يدل على صحة ما شأنه كذلك، ولله در السيد الإمام صارم الدين إبراهيم بن محمد بن السيد الهادي بن إبراهيم الوزير عليهم السلام حيث يقول:
به يستدلُ المرءُ خير دليلِ
تَلقَّى حديثاً كاذباً بقبولِ

وإن التَّلقِّي بالقبولِ على الذي
وما أمة المختار من آل هاشمٍ

دلالة هذا لحديث على إمامتهما عليهما السلام(1/961)


وأما الطرف الثاني: وهو في دلالة هذا الخبر على إمامتهما، فلا يحتاج إلى مزيد عناية ونظر، بل هو يفيد ثبوت إمامتهما بمجرد لفظه لأنه [ نصٌّ جَلِيٌّ على إمامتهما، ] عليهما السلام، وحقيقة النص على اصطلاح الأصوليين: هو اللفظ الموضوع لمعنى معين لا يحتمل غيره، فإن كان يحتمل معنىً غيره مستبعد إرادته فهو الظاهر، وكذلك إذا كان السابق إلى الفهم عند الإطلاق أحد تلك المعاني المحتملة فإنه من قسم النص، ثم إذا منع هذا الظاهر دليل عقلي أو سمعي فعدل عنه إلى غيره من المعاني فهو المؤوَّل، وأما الجلي فلم يظهر الفرق بينه وبين النص، وقسمة النص إلى جلي أو خفي لم تعهد عند الأصوليين وإنما ذلك عند بعض المتكلمين، وقد علم أن مرادهم بالجلي: ما يعلم المراد منه بمجرد سماع لفظه من دون إعمال نظر في مقدمات وأبحاث في أصل اللغة، والخفي بخلافه وما يحتاج في العلم بالمراد منه إلى البحث والنظر وإعمال الفكر في مقدمات وأبحاث يتوقف العلم به بمدلوله على معرفتها، مع أنه بعد استيفاء النظر والبحث يعلم أن لا مراد في اللفظ غير ما أنتجته تلك المقدمات والأبحاث فيصير نصاً يفيد العلم والقطع في الدلالة على المطلوب، فلأجل ذلك سمي خفياً ولاستغناء الأول عن ذلك سمي جلياً، وهذا لا إشكال فيه بل هو تقسيم واعتبار صحيح، وإن لم يكن له ذكر في ألسنة الأصوليين لأن الاصطلاحات لا يلزم فيها تساوي أهل الفنون المختلفة، ثم فرع المتكلمون على ذلك أن الجلي: يفسق مخالفه بخلاف الخفي لجواز أنه لم يظهر له المراد، والجميع فيما إذا ما كان اللفظ معلوم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن سمعه المكلف أو تواتر له ثم أنكر لفظه صار كافراً، وكذا إذا كان معناه مما علم من الدين ضرورة بلا ريب ولا شبهة كفر مستحله، ومن ثمة وقع الاختلاف في شأن من خالف علياً عليه السلام أو خالف الحسنين عليهما السلام بين مكفر ومفسق، ومتوقف عن تلك السمتين، ومتجرم متظلم وبين مرضٍّ وموالٍ،(1/962)


وبين مقدم لمن تقدم وموال مفضل: ?لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ? {هود:7}.
ومثال الجلي: ما ذكره الله تعالى عن طالوت عليه السلام : ? وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا? {البقرة:247}، فهذا نص صريح جلي لا يفتقر إلى نظر ولا يحتمل معنى غير المراد مما أفاده اللفظ وهو ثبوت التصرف وملك الأمر لطالوت عليه السلام .
ومثال الخفي: ما حكاه في الكشاف أن نبيهم عليه السلام دعا الله تعالى حين طلبوا منه مَلِكاً فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت، فهذا لا يعلم المراد منه إلا بعد إعمال تلك المقدمات من إحضار الملأ والنظر فيهم من يساوي تلك العصا في طوله، ثم بعد إعمال تلك المقدمات يعلم مَنِ المراد المختار مِنْ عند الله تعالى فإذا أريد من مجيء جبريل عليه السلام أو غيره من الملائكة بتلك العصا والمقايسة بينهم من ذا يساويها أن المراد إثبات الملك لطالوت وولاية الأمر إلى غير ذلك من نبوة أو مجرد فضيلة أو أفضلية لتقدم القرائن الدالة على تعيين الملك دون غيره، وهو قولهم: ابعث لنا ملكا، فمن صرف المعنى بعد ذلك إلى غيره فقد عاند وجادل بالباطل إن كان قد ظهر له ذلك بأن كان ممن حضر أو تواترت له تلك القصة بكمالها مقدمتها وانتهاؤها، وهذا واضح غير أنه ينازع في قولهم: إن الجلي يفسق مخالفه بمجرد المخالفة، فقد تقدم أنه لا يفسق إلا بعد قيام دليل قاطع على كبر المعصية لأن وقوع مثل ذلك ممكن في سائر المعاصي التي لم تدل الدلالة القاطعة على كبرها والله أعلم.(1/963)


قال عليه السلام [ وفيه ] أي في الخبر المذكور [ إشارة إلى ] إثبات [ إمامة أبيهما، ] عليهم السلام، وحقيقة دليل الإشارة: هو ما أفاد المراد بغير لفظه الموضوع له، بل مع انضمامه إلى غيره أفاد المعنى المراد كما إذا قلت لمضروب: من ضربك؟ فأشار بيده إلى زيد أو يعينه بوصف خاص به كأطول القامة أو ساكن الدار، فقد علم أن الضارب زيد ولم يجري، له ذكر بل أفاد المراد بإشارة إليه أو ذكر الجواب مع تقدم السؤال وسواء زيد مع ذلك بأن قال هذا أو لا، وحينئذ فلا يقال إن دلالة هذا الخبر على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ظنية بل هي قطعية، وغايته هل جلية أم خفية؟ الأظهر الأول، وإنما قلنا: إن فيه إشارة إلى إمامة أمير المؤمنين عليه السلام [ لأنه لا يكون خيراً من الإمام أحد من الرعية، بل لا يكون خيراً منه إلا إمام شاركه في خصال الإمامة وزاد عليه فيها، فيكون حينئذ خيراً منه ]، بمعنى أن ثبوت إمامته من باب الأولى والأحرى، فلا يصح أن يقال بل المعنى أنه خير منهما في الأفضلية والأعلمية أو الجهاد أو نحو ذلك، لأن سياق الكلام السابق وهو ذكر إمامة الحسنين عليهما السلام يعني المراد فبماذا هو خير منهما، وإنما كان يصح حمله على شيء مما ذكر لو قال: الحسن والحسين فاضلان أو عالمان أو مجاهدان، ثم يقول وأبوهما خير منهما.(1/964)


[ وهذا واضح، ] فثبت بما ذكر من الحديث المذكور إمامة الحسنين عليهما السلام بالنص الجلي، وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام بدلالة الإشارة وليست من باب النص في شيء، لكن الوصف بالجلاء أو الخفاء لا يختص النص بل يقال نص جلي، ويقال: دلالة جلية، ونص خفي، ودلالة خفية، قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى في حاشية المختصر: وكلاهما قطعي الدلالة، وأما النص على أمير المؤمنين عليه السلام فذكر المؤيد بالله في الزيادات والسيد مانِكْدِيْم عن الزيدية، والإمام يحيى عن الزيدية والقرشي وصاحب الفصول عن جمهور الأئمة وابن زيد العنسي والنجري وابن حابس وغيرهم: أنه خفي، وحكوه عن الزيدية، وفي هذه الحكاية نظر لأن المروي عن الناصر وظاهر كلام القاسم والهادي وأبي العباس صريحاً وأبي الفتح الديلمي والمنصور بالله وقال في الرسالة يعني الناصحة:
صلى عليه الواحدُ العليُّ
والنصُّ فيه ظاهرٌ جليُّ

ثم الإمام مُذْ مَضَى النبيُّ
من غير فصلٍ فاعلمن عليُّ

يومَ الغديرِ ساعةَ الإجفالِ
وكذا ظاهر كلام المتوكل على الله عليه السلام ، وصرح به أيضاً الإمام الحسن بن بدر الدين والسيد حميدان وظاهر كلام الإمام القاسم، وصرح به الإمام الشرفي وغيرهم: أنه جلي، فرأيت أن إطلاقها أي الحكاية عن جميع الزيدية مخيل - أي تَخَيُّلْ وتوهم - لا صحة له عن جميعهم، قال: وأما كون الخفي قطعياً، فبإجماع الزيدية ولولا ذلك لما اتفقوا أن إمامة علي عليه السلام من أصول الدين وليس الفرق إلا أن الخفي يحتاج إلى نظر، فمن ليس من أهل النظر من الصحابة يجب عليه البحث والسؤال ولا يسقط فرض الإمامة بالجهل، وأما علماء الصحابة فقد أخذ منهم بالمخنق وإلى الله المصير انتهى كلامه والمسك ختامه.(1/965)

193 / 311
ع
En
A+
A-