وجه وجوب معرفة إمامة الحسنين عليهما السلام وأهل البيت عليهم السلام على الجملة
فما وجه وجوب معرفة إمامة الحسنين عليهما السلام على من لم يعاصرهما سل؟.
ويمكن الجواب على ذلك: بأن الحسنين عليهما السلام ممن وجب على الأمة من سلف منهم ومن غبر إلى يوم الدين مودتهما ومحبتهما خصوصاً بذاتيهما على القطع من دون شرط لثبوت عصمتهما كسائر الخمسة صلوات الله عليهم دون من عداهما فلا يجب ذلك إلا لمن ظاهر حاله السلامة، ولا دلالة قاطعة على وجوب مودة ومحبة شخص بعينه غير الخمسة، وورد التحريض والتأكيد على وجوب محبة العترة ومودتهم والانتماء والإعتزاء والائتمام بهم على الجملة، وأن الخروج عن جملتهم خروج عن السفينة ومفارقة للكتاب، فصار حال الحسنين عليهما السلام مفارقاً لحال سائر أهل البيت عليهم السلام بعد أهل الكساء في وجوب مودتهما ومحبتهما في ذاتيهما على القطع، وذلك لا يتأتى مع إنكار إمامتهما لأن المنكر لإمامتهما لابد أن يقول: بل الإمام في ذلك العصر معاوية ثم يزيد لنعهما الله تعالى، وفي ذلك خروج عن موالاة أولياء الله إلى معاداة أعداء الله فوجبت معرفة إمامتهما من باب ما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه، وفيه إشكال إذ غاية ما ذكر أنه لا يجوز له الإنكار، فمن أين أنه يجب عليه المعرفة ؟ ألا ترى أنه لا يجوز لأحد إنكار إمامة مَنْ بعد الحسنين عليهما السلام كإمامة زيد بن علي عليهما السلام وكإمامة النفس الزكية وأخويه ويحيى بن زيد والقاسم والهادي عليهم السلام، ولا يجب على كل مكلف لم يعاصرهم اعتقاد إمامتهم بل الواجب عليه معرفة أن الإمامة في أهل البيت عليهم السلام على الجملة، وهذا لا خلاف فيه فلم يظهر وجه وجوب معرفة إمامة الحسنين عليهما السلام، وأيضاً فليس من شرط مودة الشخص ومحبته وموالاته اعتقاد إمامته، ألا ترى أن كثيراً من الزيدية يودون الثلاثة ويحبونهم ويوالونهم ولا يقولون بإمامتهم، ويمكن أن يقال إنما لم تجب(1/956)
معرفة إمامة من ذكرتم من أهل البيت عليهم السلام بعد الحسنين عليهما السلام لأنه لا طريق إلى العلم بها إلا الاستناد إلى الظاهر، ولا يمكن القطع بصحة إمام بعينه عند الله تعالى لأن القيام والدعوة مع الكمال لا يفيدان القطع على المغيب لكن يجب معهما على المعاصر الانقياد والطاعة والقول بصحة إمامة ذلك القائم استناداً إلى ظاهر حاله من دون قطع على مغيبه، فافترق الحال بين إمامة الحسنين وإمامة من بعدهما فإن إمامة الحسنين عليهما السلام مقطوع بصحتها في نفس الأمر لثبوت عصمتهما والقطع على مغيبهما، وفيه أن غاية ما في هذا حصول العلم اليقين بصحة إمامتهما عليهما السلام وليس كلما حصل لنا العلم اليقين بصحته يجب علينا معرفته، فإنا نعلم وقوع الهجرة وأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان قبلها غير مقتدر على نشر الإسلام وأنه وقع بعدها انتشاره والقتال عليه حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، ولا تجب معرفة هذه الأمور بلا تناكر بين أهل العلم، ويمكن أن يؤتى لأصل المسألة بجواب آخر وهو: أن إمامتهما عليهما السلام مما بَلَّغ به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأمة بقوله: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما "، فوجب تصديقه صلى الله عليه وآله وسلم والاعتراف بما قاله، وفي ذلك وجوب المعرفة، ولهذا أن جميع الأمة يعرفون هذا الخبر ولا يخالف في إمامتهما إلا أهل البغي والزلل مع عدم إنكارهم متن الحديث، ويصير حال هذه المسألة كسائر المسائل الاعتقادية التي بلغها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأوجب الإيمان بها كمسألة الشفاعة والبعث ونحو ذلك، ولا يمتنع أن للمكلف في العلم بذلك لطفاً في مودتهما عليهما السلام ومعاداة عدوهما لعنه الله تعالى، بل وفي فعل سائر الواجبات واجتناب المحرمات:
فَثَّمَ الوفاءُ وثَمَّ الوقارُ
فمهما رأيتَ محباً لهمْ(1/957)
قال عليه السلام [ فإن قيل: لمن الإمامة بعد علي عليه السلام ؟ فقل: هي للحسن ولده من بعده، ثم هي للحسين ولده من بعد أخيه عليهما السلام. ] وقد مر أن على ذلك إجماع العترة عليهم السلام وجميع أتباعهم الزيدية والإمامية والمعتزلة وجميع الأشعرية إلى عند أنْ صالح الحسن معاوية، ثم قال بعض منهم بصحة إمامة معاوية بعد ذلك الصلح، ولم يعتد هؤلاء بإمامة الحسين عليه السلام لنص معاوية اللعين على يزيد بعد ثبوت إمامته، أفاد معنى هذا ابن حجر في صواعقه عن ابن الصلاح وغيره، ومن ثمة دندنوا حول إنكار أن يزيد قاتل الحسين عليه السلام أو أنه أمر بقتله وعَدُّوا يزيداً أحد الاثني عشر الخليفة التي وردت بهم الأخبار.(1/958)
إمامة الحسين عليه السلام عند ابن حجر الهيثمي في صواعقه المحرقة
فقالوا: هم الخلفاء الأربعة ثم الحسن إلى أن نزل عن الأمر ثم معاوية ثم يزيد، ثم اختلفوا في تمام الاثني عشر على حسب ما ذكره في الصواعق المحرقة لابن حجر قال: ولم يعتد بإمامة الحسين لعدم استقرارها.
قلت: بل لعدم القهر والغلبة عندكم أيها الحشوية المفترية وتحسين الظن بما فعل معاوية من حمل الناس على البيعة ليزيد في حياته، ولو أن الحسين عليه السلام قهر وغلب لصار عندكم إمام حق لكن لقبح القول بأن طريق الإمامة هو القهر والغلبة عدل عن هذه العبارة وأتى بما في معناها وهو قوله: ولم يعتد بإمامة الحسين عليه السلام لعدم استقرارها .(1/959)
الدليل على إمامة الحسنين عليهما السلام
ولا بد من ذكر كيفية الصلح ومصير الأمر إلى معاوية العنيد وولده الشيطان المريد بعد تقرير الأدلة على ثبوت إمامة الحسنين عليهما السلام، ليتضح الأمر لمن أراد معرفة الحق في ذلك وأراد لنفسه سلوك أوضح المسالك.
قال عليه السلام [ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ ما الدليل على ] ثبوت [ إمامتهما؟ ] عليهما السلام [ فقل: الخبر المعلوم، ] عند جميع الأمة [ وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، وأبوهما خير منهما، ].(1/960)