فهؤلاء العشرة هم الذين أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم في الجنة، وفي بعض الأحاديث: ومن أحبهما في الجنة، وهو في أنوار اليقين بأبسط من هذا، ثم حكى في شرح الأساس أحاديث قاضية بتفضيل أمير المؤمنين عليه السلام على جميع الأمة بعده صلى الله عليه وآله وسلم تركنا نقلها اختصاراً واستغناءً بذكر ما احتج به الإمام عليه السلام في المتن بقوله: قلنا: لو وزن أعمال الوصي عليه السلام بأعمال من ذكر أو ما ورد فيه بما ورد فيمن ذكروا مما لا ينكره المخالف مع سابقته، وكذلك الحسنان، وكذلك ما ورد في العترة عليهم السلام بما ورد في غيرهم مما لا ينكره المخالف، علم ذلك قطعاً أي أن علياً عليه السلام أفضل الأمة بعده صلى الله عليه وآله وسلم، ثم الأفضل بعده الحسنان عليهما السلام، ثم أفراد فضلاء العترة عليهم السلام، وفي القلائد في الاحتجاج على تفضيل علي عليه السلام مالفطه: لنا خبر المنزلة، وخبر الغدير، وزيادته عليه السلام في خصال الفضل جميعاً.
خصال الفضل وأجَلُّها
قلت: ومعظم خصال الفضل وأجَلُّها خمس:
أحدها: قرب النسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الأقرب إليه نسباً أفضل من الأبعد بلا خلاف مهما جمعهما الإيمان، ويدل عليه ما أخرجه الطبراني عن ابن عمر: " أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي، ثم الأقرب فالأقرب من قريش، ثم الأنصار، ثم من آمن بي واتبعني من أهل اليمن، ثم سائر العرب، ثم الأعاجم ومن أشفع له أولاً أفضل "، وما أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما عن واثلة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشا،ً واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم "، ذكرهما بن حجر في صواعقه، وفي السنة نحوهما كثير.(1/951)
وثانيها: السَبْق إلى الإسلام: ولا خلاف في ذلك أيضاً، ويدل عليه قوله تعالى: ?لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ? {الحديد:10}.
وثالثها: الجهاد: ولا خلاف فيه أيضاً، ويدل عليه قوله تعالى: ? لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ? {النساء:95}.
ورابعها: العلم: ولا خلاف فيه أيضاً، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ?أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَاب?ِ{الرعد:19}، وقوله تعالى: ?هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ? الآية{الزمر:9}، وقوله تعالى: ?يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ? {المجادلة:11}.
وخامسها: الورع وهو يتناول الصبر والزهد والكف عن جميع المحرمات والمحافظة على جميع الواجبات، ولا خلاف فيه أيضاً، ويدل عليه قوله تعالى: ?أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ? {القلم:35}، ?أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ? {ص:28}.(1/952)
إذا عرفت ذلك فالمعلوم من النقل المتواتر أن حظ أمير المؤمنين في هذه الخصال هو الحظ الوافر، وأن سهمه منها هو السهم القاهر، وأن له فيها اليد الطولى، ونصيبه منها هو القدح المعلى، وإن نازعت النواصب في شيء منها فإنما هو محض البهت والافتراء ومتابعة للأهوية والاجتراء، ولئن أمكنهم المغالطة في السبق إلى الإسلام ما أمكنهم ذلك في سائر تلك الفضائل الفخام، على أنه قد ورد في السنة كثير من نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " علي أقدمكم سلماً وأكثركم علماً "، وفي بعض الأحاديث: أسبقكم إسلاماً،وفي حديث: " لقد صليت أنا وعلي سبعاً لا يعبد الله غيرنا "، وقال عليه السلام لما سمع قائلاً يقول له: إن أبا بكر وعمر أفضل منك، فقال: كذبتَ عبدت الله قبلهما، وعبدته بعدهما. وهو إجماع أهل البيت عليهم السلام حكاه في تفريج الكروب.
واعلم أن القول بتفضيل علي عليه السلام هو قول جميع خيار الصحابة وعلمائهم وفضلائهم كابن عباس، والزبير، والمقداد، وسلمان،وجابر، وحذيفة، وعمار، وأبي سعيد الخدري، وأبي ذر الغفاري، وخالد بن سعيد الأُمَوِي، وأُبي بن كعب، وقيس بن سعد بن عبادة الخزرجي، ووالده سعد بن عبادة، وأبي الهيثم بن التيِّهان، وأبي بريدة الأسلمي، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبي أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف هؤلاء كلهم من الصحابة يفضلون علياً عليه السلام ، ومن التابعين عطاء، ومجاهد، وسلمة بن كهيل ذكر ذلك في حواشي القلائد، وذكر بعضهم في تفريج الكروب، وبعضهم ابن حجر الهيثمي في صواعقه عن ابن عبد البر وإن اعترضه بمذهبه العاطل واعتقاده الباطل.(1/953)
تتمة: قالت العترة عليهم السلام: وأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خديجة عليها السلام لسابقتها وعلمها ومواساتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بمالها وكثرة عنايتها بشأنه صلى الله عليه وآله وسلم، وأفضل النساء كافة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحكى في الأساس عن المنصور بالله عليه السلام : ما خلا مريم ابنت عمران عليها السلام، ولم يبين هل المراد أنها في الفضل سواء عنده عليه السلام أم الأفضلية لمريم عليها السلام، ويدل على تفضيل خديجة وفاطمة عليهما السلام قوله صلى الله عليه وآله وسلم ما رواه أنس عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " حسبك من نساء العالمين مريم ابنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " مريم سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء العالمين "، ذكرهما في الأساس وشرحه، وفي السنة كثير والغرض الاختصار.
$$$(1/954)
فصل في إمامة الحسنين بعد أبيهما عليهم السلام
اعلم أنه جعل أئمتنا عليهم السلام وجوب اعتقاد إمامتهما بعد أبيهما من جملة أصول الدين الواجب على كل مكلف معرفتها، ولابد من معرفة الوجه الذي لأجله وجب ذلك كما قلنا في إمامة أبيهما عليهم السلام: إن وجه وجوبها أنها تنبني عليها معرفة إمام العصر في كل دهر إلى منقطع التكليف، وقد ذاكرت في ذلك بعض علمائنا وساداتنا فلم يبد لذلك وجهاً في وجوب ذلك الاعتقاد على من لم يعاصرهما عليهما السلام، إذ غاية ما يلزم فيما ظهر وجوب اعتقاد إمامتهما على من عاصرهما لما يترتب على ذلك من وجوب طاعتهما والكون معهما على عدوهما، هذا ولا ريب ولا خلاف بين جميع العترة عليهم السلام وسائر الزيدية والإمامية والمعتزلة وجمهور الأشعرية أنهما الإمامان بعد أبيهما، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج وبعض الأشعرية المصححون لإمامة معاوية اللعين واليزيدية القائلين بإمامة يزيد الخَمُور المهين، ولا يلتفت إلى خلاف هؤلاء لمصادمة قولهم قول رب العالمين: ?لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ? {البقرة:124}.
ولكن كلامنا في معرفة وجه وجوب اعتقاد إمامتهما على كل مكلف لم يذكرهما عليهما السلام، ولم أجد من نص على ذلك مع أنه لابد من وجه لأجله وجبت معرفته كما في سائر المعارف، فإن معرفة الله وجبت لأنها يترتب عليها صحة شكره تعالى على ما أنعم أو لأنها لطف كما مر تحقيق ذلك، ومعرفة النبي وجبت لأنه ينبي عن الله تعالى بيان كيفية الشكر الواجب عقلاً أو لأنها لطف كما مر أيضاً، ومعرفة حدوث القرآن وكونه كلام الله تعالى ملاحظة التوحيد القديم وليعلم أنه من عنده تعالى ولم يكن كلام غيره، ومعرفة إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها أساس كل إمامة بعدها إلى يوم الدين، ومعرفة إمامة إمام العصر وجبت لترتب وجوب طاعته والكون معه.(1/955)