فلا تكون الأعمال وإن كثرت واتعبت من طول القيام وتكرير الصلاة والصيام وإظهار التقشف والزهد وإدامة التعبد ودرس الكتب في المدارس وكثرة أهل المجالس والاتباع والأشياع دليلاً على إصابة الحق ولا نافعاً مع بطلان الاعتقاد، بل ذلك من أبلغ الاغتيال واشبه الأشياء بالداءِ العضال فإن أردت مثال ذلك، فاعلم أن الخوارج كانوا فرسان الخيل وعباد الليل وحملة القرآن وأحلاس الإيمان، فخالفوا عليا عليه السلام في مسائل يجمعها إنكار التفضيل وجهل منزلته عند الله فقتلهم عليه السلام قتل الكلاب وصب عليهم سوط العذاب، وكذلك غيرهم من فرق النواصب والروافض ممن نبه الله تعالى على ضلاله بقوله: ? وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ o عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ o تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً? {الغاشية:1،2،3}، هكذا ذكره الإمام المنصور بالله وغيره من أئمتنا عليهم السلام قال: وقد أشار الإمام يعني - القاسم عليه السلام - إلى ذكر التفضيل بألفاظ يسيرة وفيها لمن نظر بنور عقله ورفض هواه بصيرة وأي بصيرة فقال: قالت العترة عليهم السلام والشيعة: وأفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي عليه السلام كرم الله وجهه في الجنة وفاقاً للبغدادية فيه وحده، ثم أفضل الأمة بعد علي عليه السلام الحسن عليه السلام ، ثم الحسين عليه السلام ، ثم جماعة العترة عليهم السلام، ثم أفراد فضلائهم أفضل من أفراد فضلاء غيرهم من سائر الناس، ومعنى الفضل في ذلك كله أن الله سبحانه زادهم في بصائر العقول وأمدهم بموارد الزيادة في الفضل لما أطاعوه، وقال جمهور الفرق من المعتزلة والمرجئة والخوارج وغيرهم من سائر الناس: بل الأفضل بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي عليه السلام ، وقال بعضهم: بل أبو بكر ثم عمر ثم علي عليه السلام ثم عثمان، وقال بعض العثمانية: بل الأفضل أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية بن أبي سفيان لزعمهم أن علياً عليه السلام غير(1/946)
إمام بل هو باغ، وهؤلاء في الحقيقة خارجون عن الانتساب إلى العلم والإيمان لتفضيلهم الكفار على وصي النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم، وقال جميعهم - أي جميع الفرق التي تقدم ذكرها الناكبة عن مركب النجاة ـ: ثم بعد الأربعة سائر العشرة، لما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم في الجنة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد.
قلت: وقد جمعهم قول الشاعر:
عليٌّ والثلاثةُ وابن عوفِ .... وسعدٌ منهمُ وكذا سعيدُ
كذاكَ أبو عبيدةَ فهو منهمْ .... وطلحةُ والزبيرُ ولا مزيدُ
وجمع الستة الذين تخلفوا عن أمير المؤمنين عليه السلام قول سيدي العلامة شرف الإسلام الحسين بن أحمد زبارة رحمه الله تعالى:
هاك الذين أبوا عن بيعة سفهاً .... لسيد الآل حَقَّاً بعدَ خير مُضَرْ
أسامة وسعيدٌ وابن مسلمةٍ .... زيدٌ وسعدٌ وعبدُ اللهِ نجلُ عمرْ(1/947)
قال عليه السلام : وهذا الخبر يعني خبر تبشير العشرة المذكورين بالجنة مقطوع بكذبه عند أئمة أهل البيت عليهم السلام، لأنه لا يجوز أن يخبر الله ورسوله بأن فلاناً من أهل الجنة إلا أن يكون معصوماً كالأنبياء عليهم السلام وأهل الكساء عليهم السلام لما في ذلك من الإغراء بالمعصية في حق غير المعصومين، ولا خلاف أن هؤلاء العشرة غير علي عليه السلام ليسوا بمعصومين.
قلت: وقد اعترض بأنه قد بشر صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة من ليس بمعصوم كخديجة أم المؤمنين عليها السلام، وكخبر " اشتاقت الجنة إلى أربعة علي وعمار وأبو ذر والمقداد "، والخبر الذي ورد في الحسن والحسين وفيه " وعمهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في الجنة "،فالأولى أن يقال: ولا يجوز أن يخبر الله ورسوله بأن فلاناً في الجنة ممن علم أنه سيعصي بعد التبشير لما في ذلك من الإغراء، ولا أحد من التسعة المذكورين إلا وقد علم الله تعالى منه أنه سيعصي بعد مفارقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أما الثلاثة فبتقدمهم على الوصي، وأما عبد الرحمن بن عوف فبتقديمه عثمان على الوصي عليه السلام يوم الشورى، وأما سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد فلأنهما من الستة الذين تخلفوا عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام .(1/948)
قال عليه السلام : قال أبو مخنف في كتاب وقعة الجمل: إن علياً عليه السلام قال: إن صاحبة الجمل لتعلم وأولوا العلم من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي، فاسألوها عن ذلك وقد خاب من افترى، فقال له الزبير: يا أبا الحسن كيف ملعون من هو من أهل الجنة، قال: لو علمت أنكم من أهل الجنة ما قاتلتكم، قال له الزبير: أما علمت أن سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل روى لعثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: عشرة في الجنة، قال علي عليه السلام : قد سمعته يحدث عثمان في خلافته، قال الزبير: أفتراه كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال علي عليه السلام : لا أخبرك حتى تسميهم لي، قال الزبير: هم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص، قال له علي عليه السلام : عددت تسعة فمن العاشر؟ قال الزبير: أنت، قال له علي عليه السلام : أما أنت فقد أقررت بأني من أهل الجنة، وأنا بما ادعيت لنفسك وأصحابك من الجاحدين، قال له الزبير: أفترى سعيداً كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال علي عليه السلام : ما أراه ولكنه اليقين. انتهى من الأساس وشرحه.(1/949)
قلت: وفي قول أمير المؤمنين للزبير: لا أخبرك حتى تسميهم. نكتة تحتها سر عظيم، وذلك أنه لما لم يكن قد سمى الزبير العشرة وإنما ذكر تبشير عشرة بالجنة لم يصح من الوصي إنكار تبشير عشرة بالجنة على الجملة لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر أن عشرة في الجنة بلا ريب عنده عليه السلام ، فلم يصح منه هذا الإنكار من دون تعيين العشرة فقال عليه السلام : لا أخبرك حتى تسميهم فلما سماهم صح إنكاره بتبشير عشرة مراداً بهم من ذكرهم الزبير، وانظر إلى مغالطة الزبير حيث ذكر تسعة وترك العاشر وهو المبشر بالجنة قطعاً ولكنه يخاطب باب مدينة العلم، فقد أجابه بما تراه حتى تقرر الحق من تبشير علي عليه السلام بالجنة دون أولئك التسعة، والحديث الذي فيه تبشير عشرة بالجنة هو ما ذكره في تفريج الكروب عن، أنه صلى الله عليه وآله وسلم قام خطيباً فقال: " أيها الناس أتعلمون من خير الناس أباً وأماً؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الحسن والحسين أبوهما علي بن أبي طالب وأمهما فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ـ، أيها الناس أتعلمون من خير الناس جداً وجدة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الحسن والحسين جدهما رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وجدتهما خديجة بنت خويلد، أيها الناس أتعلمون من خير الناس عماً وعمة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب، أيها الناس أتعلمون من خير الناس خالاً وخالة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الحسن والحسين خالهما إبراهيم بن رسول الله وخالتهما زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ـ، ثم قال: ألا أخبركم أن أبويهما في الجنة وأمهما في الجنة وجدهما في الجنة وجدتهما في الجنة وعمهما في الجنة وعمتهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في الجنة وهما في الجنة ".(1/950)