فنقول: أما القول بصغر المعصية فلا سبيل إلى العلم به لاتفاق العلماء أن ما عدا الكبيرة فملتبس، ولا أصل للمعاصي يرجع إليه عند الالتباس إلا أن ما وقع من المعصوم أو على جهة الخطأ والنسيان فقد دل الدليل على صغره كما سيأتي تقرير ذلك في بابه إن شاء الله تعالى، وليست معصية القوم في شيء من ذلك فلا يصح القول بصغرها البتة.
وأما من ذهب إلى الترضية والتولي مع التباس المعصية لديه، فذلك باطل من حيث أن مقتضى الالتباس هو التوقف كما في غير ذلك من سائر المسائل دون الترضية والتولي، فلا تصح ولا يجب إلا في حالين: إما مع العلم بعصمة الفاعل أو أنه صدر منه ذلك على جهة الخطأ والنسيان، وإما مع سلامة المترضى عنه والموالى عن المعصية في الظاهر، وليست هذه حال المتقدمين ومن أعانهم لما تقرر من القطع بوقوع المعصية منهم ولهذا قال في القلائد للإمام المهدي عليه السلام :
مسألة: المحققون من الزيدية خطأوا المتقدمين على علي عليه السلام في الخلافة قطعي لمخالفتهم الدليل القطعي، قال الشارح: وكذلك من اعتقدوا إمامتهم وإصابتهم، ولكن لا نقطع عليهم بالفسق وأن ذلك الخطأ كبيرة، إذ لم يفعلوا ما فعلوه من التقديم في الخلافة ومخالفة تلك النصوص تمرداً بل الشبهة الخ ما ذكره الشارح.(1/941)
قلت: وكونهم لم يفعلوا ما فعلوه تمرداً بل لشبهة تحتاج إلى دليل بل الأظهر حسبما مر من محاججة الوصي عليه السلام لهم وسائر ما نقل من الأخبار التمرد والتمسك بما ليس شبهة محتملة كنفرة الناس عن الوصي أو تقديم أبي بكر للصلاة، ولكون النصوص على إمامة أمير المؤمنين لا تخفى على من جالس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسمع كثرة ما قاله في أخيه ووصيه وأولى الناس به، ولكن الموجب لعدم القطع بكبر المعصية هو أنه اختلف في حد الكبيرة على أقوال فقيل: كل عمد كبيرة، وقيل: ما ورد الوعيد عليه مع الحد أو لفظ يفيد العظم أو الكبر، وقيل: ما توعد الله صاحبها النار بعينها دون مجرد الإثم أو المقت أو البغض للفاعل، وقيل: ما زاد عقاب فاعلها على ثوابه، ثم قال أهل الثلاثة الأخيرة: وما عدا ذلك فملتبس، ولاختلافهم في حد الكبيرة لم يحصل القطع بأن ما فعله القوم كبيرة، وإن فرضنا تمرداً أو بدون شبهة إلا مع الاستحلال والأصل عدمه ولا يكفي في العلم به مجرد الظاهر.
فإن قيل: يلزم على هذا أن لا يفسق الباغي وقد انعقد الإجماع على فسقه.
قلنا: إنما يتحقق كون الباغي باغياً بعد قيام الإمام بأعباء الإمامة وتحمله أثقال الزعامة، وهذا لم يكن قد وقع من الوصي عليه السلام حتى يصدق على المتقدم البغي الشرعي.
فإن قيل: فالنصوص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لا تتوقف صحتها ودلالتها على ذلك على قيامه بأعباء الإمامة وتحمله أثقال الزعامة، بل قد ثبتت إمامته بتلك النصوص عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيثبت اسم الباغي لمن منعه واجباً أو فعل ما أمره إليه مع كراهته أو نحو ذلك مما ذكر في حد الباغي، وإنما اعتبر القيام وتحمل أعباء الإمامة في بغي من بغى على سائر الأئمة لأنه هو الطريق إلى إثبات إمامة من لم يكن منصوصاً عليه.(1/942)
قلنا: إنه وإن كان الأمر كما ذكرت من الفرق بأن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ثبتت بالنصوص فلا يعتبر في صحتها أو نفاذها القيام والتحمل لأعباء الإمامة بخلاف غيره هو والحسنين عليهما السلام، فلا بد من اعتبار ذلك غير أنه لا يمتنع أن قيامه عليه السلام بذلك شرط في تحقق كون من خالفه باغياً عليه، لأن فعل ما أمره إلى الغير لا يعد منازعاً ولا يتحقق كونه باغياً مما له وجوب في أصل الشرع إلا مع قيام من أمره إليه به.
فإن قيل: فهم الذين منعوه عليه السلام من القيام لذلك بسبب ما فعلوه من ثبوتهم على الأمر والعقد لأنفسهم واغتنامهم الفرصة باشتغاله بشأن أخيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن عدم قيامه إذ ذاك تفريطاً منه وقعوداً عن الإمامة حتى يكون كما ذكرتم فيمن قام بما أمره إلى الغير من الواجبات مع عدم قيامه به.
قلنا: نعم إن الأمر كما ذكرت من أنهم هم الذين منعوه القيام واغتنموا الفرصة باشتغاله بسيد الأنام لكن هذا لا يدفع أن كون القيام شرطاً في تحقيق البغي الشرعي وفيه ما فيه، ولهذا قطع كثير من أئمة الزيدية وشيعتهم الزكية على كبر معصية القوم وحكموا بفسقهم ووجوب البراءة منهم، بل حكاه القاضي العلامة الشهيد إسماعيل بن حسين هادي جغمان رحمه الله تعالى في العسجد المذاب عن أكثر أهل البيت عليهم السلام، وقال: إن أهل التوقف هم القليل، وإن أهل الترضية أقل من القليل، والله أعلم.
ثم احتج من ذهب إلى الترضية ووجوب موالاتهم بأنا من إيمانهم على يقين فلا ننتقل عنه إلا بيقين، فيجب استصحاب الحكم الأصلي وهو الإيمان فنحكم فيهم به، ويلزمه وجوب الموالاة والترضية.(1/943)
قال الإمام القاسم بن محمد عليهما السلام في الأساس في رد هذا القول: حصول الالتباس - أي التباس إيمانهم - بسبب تلبسهم بالمعصية نسخ العلم بإيمانهم في الظاهر ولا يصح التولي إلا مع العلم بالإيمان في الظاهر بإجماع العترة عليهم السلام، وهذا مع الفرض بأن معصيتهم لم يعلم قدرها وقد علم تلبسهم بها انتهى من الأساس وشرحه، وقد أطال القرشي في المنهاج والإمام المهدي عليه السلام في الغايات الاحتجاج على صحة الترضية ووجوب الموالاة، لكن الإمام المهدي عليه السلام رجع عن القول بالترضية إلى التوقف وقال: إنه هو الصحيح لأنا وإن قطعنا على خطأهم فلا نعلم أكبيرة هو أم صغيرة، هذا لفظه في غرر الفوائد شرح نكت الفرائد، قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى: وهي آخر ما صنف.(1/944)
الفرع الرابع: في التفضيل
الفرع الرابع في التفضيل: قال في شرح الأساس: اعلم أن التفضيل من جملة الابتلاء والامتحان يمتحن بذلك الفاضل والمفضول، أما الفاضل فهل يشكر ويعرف قدر النعمة فيتواضع ولا يتطاول أو يُكَفِّر فيتعدى طوره، وأما المفضول فهل يصبر ويعترف بالفضل لأهله ويعطي الفاضل حقه أو يتكبر ويحسده على ما أنعم الله به عليه من الفضل والزيادة. ووجه حسن ذلك التمييز بين المطيعين والعاصين لما يظهر عند البلوى والامتحان من أسرارهم لأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب على ما يعلم من معاصي العباد قبل ظهورها قال الله سبحانه: ?ألم o أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ? {العنكبوت:ا،2}، واعلم أن الاعتقادات أصول الأديان، والاعتقاد الصحيح أصل الدين الصحيح، والاعتقاد الفاسد أصل الدين الفاسد، فمتى صح الأصل ثبت الفرع:
وهل يستوي الممشى وما ثَمَّ منهجٌ .... وكيف يقوم الظِلُّ والعودُ أعوجُ(1/945)