غير أنا نذكر هاهنا نبذة من الكلام يعرف بها حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعظم النعمة على الصحابة التي اختصهم الله تعالى بها، وثبتت المنة عليهم بها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون سائر الأمة من المسلمين الذين لم يكونوا عنده صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ممن هو ناءٍ عنه في عصره أو نشأ بعد مماته من التابعين فمن بعدهم إلى يوم الدين، فما رعى الصحابة تلك النعمة الخاصة بهم حق رعايتها، ولا أعطوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجره في مقابلتها إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم، فلينظر الناظر وليعتبر المعتبر وليتفكر المتفكر وإن ربك هو يحكم بينهم يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون، وعند الساعة يخسر المبطلون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.(1/936)
فأقول وبالله أصول: اعلم أن الله سبحانه وتعالى أنعم على كافة العالمين عموماً من سلف منهم ومن غبر إلى يوم الدين ببعثه سيد المرسلين ورسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم:?رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ? {آل عمران:164}، فمن اتبعه فقد هدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه فقد بدل نعمة الله من بعد ما جاءته واستحق العذاب الأليم، ثم اختص الصحابة رضي الله عن الراشدين منهم بنعم انفردوا بها، فكانوا أسعد الناس به صلى الله عليه وآله وسلم، وأوجب عليهم حقاً له لما ألف الله بين قلوبهم على يده بعد أن كانوا أعداءً، وأعزهم ببركته بعدما كانوا أذلاء، وأورثهم أرض الكفار وديارهم وأموالهم بعد إذ كانوا فقراء، وأنكحهم ما ملكهم من بناتهم الحسان، وأخدمهم الرقيق من أولئك الولدان، وكان صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرهم نعمة يغدون إليها ويروحون، ويمسون فيها ويصبحون، وينقلبون عليها ويستريحون، يشاورهم في الأمر وهو عنهم في غُنيَة، ويفاوضهم عند الحوادث بلا حاجة منه إليهم ضرورة إلا تطييباً لأنفسهم وتكرماً منه صلى الله عليه وآله وسلم بإدخال السرور عليهم وإيناساً لهم وتحبيباً إليهم، أنكحهم بناته الطاهرات وهم عنهن في انحطاط، وخالطهم بنفسه الشريفة وليسوا له بأخلاط يتزوج يتيمتهم، ويكرم كريمتهم، ويعول أرملتهم، ويخلف من مات منهم أو غاب في أهله أحسن خلافة، ويبذل لمن نزل منهم بداره موجودة الضيافة، يرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويجهز أميرهم، ويعين مأمورهم، ويتفقد بنفسه الرفيعة أمورهم، ويتدارك بأخلاقه المتواضعة ما فسد من تدابيرهم، يعلم جاهلهم، ويرشد ضالهم، ويوصل من وصلهم، ويقطع من ناواهم، ونازلهم يحل لهم ما كان محرماً لديهم، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، كل يوم ينظرون إلى جسمه(1/937)
الشريف، وكل حين يبصرون طلعة نوره المنيف يتمتعون من خلقه العظيم، ويرتعون حول رياض تخلقه الكريم يأجرهم الله تعالى على النظر إليه، ويتعبدهم بغض الصوت لديه، جعل الله مجاورته لهم حماية ومكرمة، وكتب في مساكنته إياهم أمنهم من العذاب، ومرحمة يشاركهم في المطاعم والمشارب فتنزل عليهم البركة، ويجيب داعيهم إلى الولائم والمواجب فتحف بهم الملائكة يستنشقون ريح مسكه المختوم، ويرتشفون من رحيق لفظ دره المنظوم نفثه على مرضاهم شفاء لهم من كل علة، ومسحته على أبدانهم دواء له من كل خلة، وتقدم شربته عليهم رواء لهم من كل علة، وتناوله الطعام قبلهم غذاءً لهم في كل أكله، يشاهدون معجزاته العظيمة فتكسبهم إيماناً، ويعاينون كراماته الجسيمة فتزيدهم إيقاناً، ويرون أماكن وحي الله بآي الذكر الحكيم، ويبصرون مهابط أوامر الله بأحكام التحليل والتحريم، ويشعرون بنزول ملائكة الله ومختلف الروح الأمين، ويسمعون آيات كتاب الله طرية وقريبة عهد بتنزيل رب العالمين فيصيرون أول متصف بمعرفتها وحكمتها، ويكونون أول مقتطف لثمرتها وبركتها يسألونه صلى الله عليه وآله وسلم عما اشتبه عليهم من وجوه تأويلها، ويستوضحونه ما خفي عليهم من مصالح تنجيمها وتنزيلها، ويقتبسون بنور علمه صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير مبهمها ومجملها، ويستعينون بقويم هديه، وما سبق لديهم من سنته في استنباط أحكامها وتفصيلها، ويستفتحون بأدوات مباشرته العمل بها مقفلها ويستخرجون بكيفيات سيرته صلى الله عليه وآله وسلم كنوز فروعها عن أصولها، ويستكشفون ما طوي من الحِكم اللطيفة تحت مفصولها وموصولها، يسمع أقوالهم فيرد سقيمها إلى الصحيح، ويشاهد أفعالهم فيعلم لديهم فيما سكت عنه الظفر بالمتجر الربيح، ويبين لهم الصواب فيما جرى منهم على خلافه بأكمل توضيح، ويعرفهم ما قصرت عنه أفهامهم من وجوه الترجيح فتماط عنهم شبه الأوهام الكاسدة، ويحط عنهم غب الآثام فيما سبق إليهم من(1/938)
الأفهام الكاسدة، لا يخافون معه زلة في قول ولا عمل، ولا يخشون لوجوده فيهم أي حادثة توقعهم في هول ولا زلل، ولا يَئِسون لمراعاته مصالحهم عن إصابة كل أمل، ولا يقنطون لحسن نظره فيهم عن روح الله في كل أمر حصل، أمره الله بالاستغفار لهم عند أن يأتوا إليه تائبين عن سيئاتهم وألزمه الصلاة عليهم حين يأتونه بصدقاتهم، يصفح عن مسيئهم فينقلبوا فرحين مسرورين، وينصح من ضل منهم عن الحق فيئوبوا مصلحين مأجورين، ونهاه الله أن يكون فظاً غليظ القلب لئلا ينفظوا عنه بغير فائدة، وألزمه لين الجانب لهم لما في ذلك من اللطف بهم والظفر بكل عائدة، ثم لم يقبضه صلى الله عليه وآله وسلم إلا وقد أمره أن ينصب لهم من يقوم فيهم مقامه في إيضاح ما اختلفوا فيه من الحق والمفسدة، فأقام لهم من هو كنفسه، وكهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده، ونصب لهم سفينة نوح، وباب السلم المفتوح، وترك فيهم الثقلين، وألزمهم التمسك بذينك الحبلين، وأمنهم وقوع الافتراق إلى يوم التلاق، وفتح لهم باب حطة من دخله غفر له، وجعل الحسنين بعده عليهم السلام إمامين هاديين إلى الحق عند كل مشكلة، وجعل أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم نجوماً يستضاءُ بها في كل عصر، وقرنهم بالكتاب، وأمن هذه الأمة بوجودهم من نزول العذاب في كل دهر، وأفترض مودة أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم أجراً على التبليغ وقال: ?قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم?ْ{سبأ:47}، وعلى الجملة فالأمر كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: " ما تركت شيئاً يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئاً يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه ".(1/939)
فهذه مائة وخمسة وعشرون نعمة مما أنعم الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة ببعثة سيد المرسلين ورسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم اختص الصحابة رضي الله عن الراشدين منهم بمائةٍ وعشرٍ، وشاركوا سائر الأمة فيما عداها فكان الحق عليهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوجب، ورعاية هذه النعمة عليهم آكد منه على غيرهم من سائر الأمة، فما كان جزاؤه صلى الله عليه وآله وسلم ما صدر منهم من التواثب على الأمر بعده صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام مشغولون بتجهيزه ودفنه، وما كان أجره صلى الله عليه وآله وسلم التجمع عليهم وطلبهم البيعة لهم مع كونهم مصابين بموته صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو مصاب كل مؤمن، وما كانت مودتهم المفروضة عليهم التهديد والوعيد الشديد إن لم يسلموا الأمر إليهم، وما كان إغضاب فاطمة عليها السلام التي هي بضعة من نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ونزعهم ميراثها ونحلتها وسهم ذوي القربى مناسباً تجنب غضب الله ورسوله بإغضابها، وما كان التسبب على قتل ريحانتي رسول الله وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم الدين رأياً سديداً في العدول عمن اختارهما الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وجعلهم حججه على الخلق أجمعين:
رويدكُما لن يُعجزَ اللهَ هاربُه
سوى يوم السقيفةِ جَالِبُه
فقل لأخي تيمٍ وصاحبِهِ ألا
فكل مصابٍ نال آل محمدٍ فليس
حكم الكبيرة والصغيرة مع الالتباس
نعم وحيث قد وقع الاستدراك والمناقشة على القول بالقطع بكبر معصية القوم، فلا بأس بذكر ما يرد على من قطع بصغرها أو ذهب إلى الترضية مع التباسها لديه.(1/940)