واعلم أن الله تعالى عهد إلينا أن نحكم بالحق وبما أنزل الله وقال: ?وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ? {المائدة:44}، وفي آية أخرى: ?فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ?، ونهى أن يحتج للباطل وأهله، فقال: ?وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا?{النساء:105}، ونحن نستحي من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن نتولى أبا بكر وعمر بعد أن أخذا مال فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونعضدهم عليها ونجادل عنهم ونحسن الظن فيهم مع عصمتها وقد علمنا عصمتها ومعصية من أغضبها، وتحققنا هلاك من يغمها ويضيق عليها وهي بضعة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونعلم أن الحق معها والباطل مع خصمها، وأن خصمها هو خصم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد آذوها، والله تعالى يقول: ?إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا? {الأحزاب:57}. وقد تحققنا أمر فدك وقصتها، وقد أجمع أهل البيت عليهم السلام على ما رويناه أولاً فيها وإجماعهم عليهم السلام عندنا حجة، فالذي نقول به وندين به أن الحق كان في فدك وخيبر لها، ومعلوم أنها طالبت أبا بكر ونازعته في هذه المظلمة، وأجمع أهل البيت عليهم السلام أنه ظلمها ذلك ونقله منها وجعله صدقة، وكذلك أصحاب التواريخ ومن حكى قصة أبي بكر وقصة فاطمة عليها السلام ذكر ذلك وذكر مناظرتها، والمنكر لذلك منكر لبيعة أبي بكر وإمامته التي اختارها لنفسه، فإن العلم بأحدهما كالعلم بالآخر ولا يدفع ذلك أحد إلا من لا معرفة له بأخبار السير والآثار انتهى كلامه والمسك ختامه.(1/931)
الفرع الثالث: في حكم من خالف أمير المؤمنين عليه السلام
واعلم أن المخالفين له ثلاثة أصناف:
صنف حاربوه وقاتلوه، وهذا الصنف لا شك ولا ريب ولا خلاف في فسقهم بين أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم وهم جميع الزيدية والإمامية والمعتزلة وغيرهم، وهؤلاء ثلاث فرق كما أفاده الحديث النبوي:
الناكثون: وهم أصحاب الجمل طلحة والزبير ومن معهما وجميع من في معسكرهما، وقد رويت توبة عائشة وطلحة والزبير والله أعلم بصحة ذلك، قال زيد بن علي عليهما السلام: قد ثبت ما أجرموا وإلى الله المصير.
والمارقون: وهم الخوارج الذين أصروا على حرب أمير المؤمنين عليه السلام حتى أهلكهم الله تعالى على يده صلوات الله عليه، وأبادهم حتى لم يبق منهم دون عشرة.
والقاسطون: وهم معاوية اللعين ومن معه من الأمراء والأجناد والمعادين لأمير المؤمنين عليه السلام من تبعته وسائر رعيته، وقد ذهب بعض العلماء إلى كفره وكفى بجهنم سعيراً سواء قيل بكفره أو فسقه.
الصنف الثاني: الذين توقفوا عن إمامته عليه السلام ونصرته والجهاد معه وهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن سلمة الأنصاري، وزيد بن ثابت أخو حسان بن ثابت، وأسامة بن زيد، وسعيد بن زيد بن عمر بن نفيل، واختلفت الروايات عن هؤلاء هل توقفوا عن بيعته والدخول تحت إمامته أم عن النصرة والقتال فقط، وعلى كل حال فاختلف أئمتنا عليهم السلام في حكمهم فمنهم من فسقهم، ومنهم من تولاهم، ومنهم من توقف في حكمهم، وهو الأولى لعدم الدلالة القاطعة على صحة أي الأمرين المذكورين، ولكن الإجماع منعقد على خطئهم وإثمهم ومعصيتهم على الجملة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: " واخذل من خذله ".(1/932)
الصنف الثالث: الذين تقدموا عليه في الإمامة وتواثبوا عليها وهو مشتغل بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم الثلاثة ومن أعانهم على ذلك، وهؤلاء لا خلاف أيضاً بين أئمتنا عليهم السلام في معصيتهم وظلمهم لأمير المؤمنين عليه السلام وتعديهم لما ليس لهم من التقدم على أمير المؤمنين عليه السلام بلا مخالف من أهل البيت عليهم السلام في ذلك إلا ما مر من الحكاية عن عبد الله بن الإمام شرف الدين عليهما السلام، وكذلك لا خلاف أيضاً بينهم في معصيتهم وظلمهم بما فعلوه بالزهراء صلوات الله عليها من الأذية والإغضاب وأخذ فدك إلى زمن الإمام يحيى بن حمزة عليهما السلام، فنشأ القول منه بتصويب أبي بكر على رواية الأساس ومن بعض الزيدية كالقرشي صاحب المنهاج، ثم تبعهم على ذلك المهدي عليه السلام في القلائد وشارحها النجري، وذلك لما اعتمدوا عليه من استنشاق ريح الاعتزال وعدم الاشتياق إلى مطالعة كتب الآل حتى يظهر لهم إجماع العترة عليهم السلام قبلهم واتفاق من سلف من الزيدية على ظلم بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لو لم يكن إلا اتفاق أمير المؤمنين عليه السلام والزهراء عليها السلام في عصرها لكفى في انعقاد إجماع العترة عليهم السلام لأنه ليس غيرهما من يعتد به في إجماع أهل البيت عند تلك الحادثة إلا الحسنين عليهما السلام وهما صبيان حينئذٍ فمنذ بلغا صارا على منهاج أبويهما المعصومين، ولم يخالف أحد منهما أن أبويهما كانا مظلومين.
حكم من تقدم الوصي عليه السلام وأخذ فدكاً
وحينئذٍ فقد وقع الاختلاف بين متأخري الزيدية في حكم من تقدم الوصي عليه السلام وأخذ فدكاً ونحوها من يد فاطمة عليها السلام ومنعها إرثها من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم على ثلاثة أقوال:(1/933)
الجمهور: على التوقف في حكم هاتين المعصيتين هل كبيرة فتجب المعاداة والبراءة منهم، أم صغيرة فتجب الموالاة والترضي عليهم ؟ وذهب بعضهم إلى أنها ملتبسة فتجب الموالاة استصحاباً بالأصل، قالوا: لأنا من إيمانهم على يقين فلا ننتقل عنه إلا بيقين، وفي الحقيقة إنما الحكم في حكم هذه المعصية وماذا تبلغ بصاحبها إلى الله تعالى الذي هو أعلم بكيفية وقوعها من أولئك الأصحاب وهو العليم بمقادير أجزاء الثواب والعقاب، لأنا وإن قطعنا أن ذلك معصية على الجملة فالعلم بكبر المعصية أو صغرها مفتقر إلى دليل آخر قطعي غير الدليل الدال على المعصية إجمالاً كما هو حكم هذه المسألة في جميع ما وقع من المعاصي التي لم تعلم من الدين ضرورة كبرها كالشرك بالله تعالى والسرق والزنا وشرب الخمر وقتل النفس المحرمة والخروج على الإمام أو صغرها كالخطأ والنسيان وما يصدر من المعصوم وما وقع لشبهة محتمله أو تأويل محتملة، وحينئذ فقول الجمهور هو الجاري على الأصول والقواعد المقررة عند علماء الكلام وهو الأحوط والأسلم عند السؤال يوم تزل الأقدام، فيكون التوقف عن الموالاة وما يدل عليها من ترضية وترحم ومحبة بالقلب، وعن المعاداة وما يدل عليها من لعن أو شتم هو الواجب مع التجرم والتظلم والتشكي بهم إلى الله تعالى والبغاضة وعدم المحبة لهم في القلب لأن ذلك هو لازم المعصية الملتبسة، وموافق لما ورد من الأحاديث أن من أغضب الزهراء صلوات الله عليها فقد أغضب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
لا يقال: إن غضب الله تعالى وغضب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يدل على كبر المعصية.(1/934)
لأنا نقول: إن الله تعالى يغضب لكل معصية صغيرة أو كبيرة بمعنى يكره وقوعها من فاعلها باجتنابه الكبائر أو بوقوعها منه على جهة الخطأ والنسيان أو التأويل وعروض الشبهة عند النظر في تحريمها أمر وراء ذلك، فقد يتعلق الغضب بما هو صغيرة، وقد يتعلق بما هو كبيرة كالغضب على الشرك والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، وقد يتعلق بما هو ملتبس الحال كسائر المعاصي الملتبس حالها بالنسبة إلينا، فأما الباري عز وجل فلا ملتبس في حقه لأنه بكل شيء عليم وهو العدل الحكيم، والحاصل أن وصف المعصية بالكبر أو الصغر أمر نسبي يختلف باختلاف أحوال فاعلها من العلم بالتحريم أو عدمه والإقدام جُرأة أو بتأويل أو أن الدلالة عنده قطعية أو ظنية أو أن له من الثواب ما يكفرها أو لا أو أنه ملجأ إلى الفعل أو مكره عليه أو لا أو نحو ذلك من الأحوال العارضة للفاعل فيما لم يعلم من الدين ضرورة كبره أو صغره كم مُثِّل، وهذه الأحوال قد يتعذر أو يتعسر على الغير العلم بها فيمن فعل المعصية سيما من كان غير معاصر لذلك الفاعل أو غائباً عنه، بل المعلوم في كثير من الأشخاص الفاعلين لما هذا حاله من المعاصي أن لا يعلم بحقيقة أمره إلا الله تعالى.
وحينئذ يعلم من هذا أن من أراد السلامة والأحوط له في دينه وأن لا يكون بينه وبين أحد مخاصمة بين يدي الله عز وجل هو كف اللسان عن السب واللعن وعن الترضية والترحم مع الغضب والتجرم والتشكي والتوجع بالقلب، لأن ذلك واجب تأسياً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واقتداء بأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين والزهراء والحسنين لما قد علم لنا ذلك منهم بالتواتر، ولا حاجة إلى التكثر بقول فلان ولا قول فلان بعد أولئك الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
النعم التي اختص الله بها الصحابة بوجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(1/935)