ما رواه ابن أبي الحديد وذكره الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام: أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسلن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يطلبه ميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم موروث، وإن كان في الرواية أن عائشة ردت عليهن بقولها أوليس قد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث "، وفيه ما يدل على عدم صحة ما ذكره قاضي القضاة أن عثمان صدق أبا بكر على صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ لا يستقيم تحمل عثمان الطلب لنساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالميراث وهو يعلم الخبر، ومما يدل على كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم موروثاً ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر قال: لقد ظهرت ذات يوم على ظهر بيت حفصة، وفي رواية: على ظهر بيت لنا باعتبار أنه وارثه من أخته حفصة، ومن المعلوم أنه لا يصير إليها ملكاً يورث عنها إلا إذا ورثته من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلا فهو على قول أبي بكر صدقة على سائر المسلمين، فدل على أن نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورثن منه صلى الله عليه وآله وسلم ما ورثن، وإنما خص بتلك المعاملة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإلى الله المشتكى وإليه المصير، هذا وقد روى ابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري خطبة الزهراء عليها السلام المشهورة من طرق:
أحدها: بالإسناد إلى زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام.
والثانية: بالإسناد إلى محمد بن علي الباقر عليهما السلام.
والثالثة: بالإسناد إلى عبد الله بن الحسن الكامل عليهما السلام.
وواحدة: مرسلة عن جعفر الصادق عن أبيه عليهما السلام.(1/926)


قالوا جميعاً لما بلغ فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر على منعها فدكاً: لاثت خمارها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطافي ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار فضرب بينها وبينهم ريطة بيضاء، وقال بعضهم قُبيطة وقالوا قَبيطة بالضم والكسر،ثم أَنَّتْ أَنَّةً أجهش لها القوم بالبكاء ثم أمهلت طويلاً حتى سكتوا من فورتهم، ثم قالت عليها السلام: ابتدأ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد، الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم إلى آخرها، وذكرها صاحب المنشورات عن القاسم بن إبراهيم بإسناده إلى زيد بن علي عليهما السلام عن زينب بنت علي بن أبي طالب عليهم السلام، ورواها الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام في الشافي، كما نقل شطر منها عنه صاحب العسجد المذاب في اعتقاد الآل في الأصحاب، ورواها أيضاً الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين في أنوار اليقين عليهما السلام بالسند المذكور عن القاسم بن إبراهيم عليهما السلام عند شرح قوله في أرجوزة أنوار اليقين:
حيث أتت إلى عتيقٍ خَاصمَه
خاطبة للقوم وهي كاظِمَه
وغضب السبطين والحليلِ
وغضب المهيمن الجليلِ

واسمع إلى قول البتول فاطمهْ
زاريةٌ في فدكٍ محاكمهْ
فما ترى في غضبِ البتولِ
أليس منه غضب الرسولِ(1/927)


وذكر ابن أبي الحديد عن المرتضى بإسناده إلى أحمد بن أبي طاهر قال: قلت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام: كلام فاطمة عليها السلام عند منع أبي بكر إياها فدكاً، وقلت له: إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع وأنه من كلام أبي العيناء لأن الكلام منسوق البلاغة فقال لي: رأيت مشائخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلمونه أبناءهم قبل أن يوجد جد أبي العيناء، وقد حدث الحسين بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد الله بن الحسن بن الحسن يذكر عن أبيه هذا الكلام، ثم قال أبو الحسين عليه السلام : وكيف ينكرون هذا من كلام فاطمة عليها السلام وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة عليها السلام ويحققونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت إلى آخر ما ذكره في شرح النهج، وهذه الخطبة طويلة شهيرة ولذكرها في الكتب المذكورة استغنينا عن ذكرها ههنا خشية التطويل، فمن أراد الاطلاع عليها فعليه بتلك الكتب، لكن ينبغي ههنا أن نذكر كلام الزهراء عليها السلام الذي قالته في مرضها عند أن أتى إليها من نساء المهاجرين والأنصار يَعُدْنَها - وقد ذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج من رواية أحمد بن عبد العزيز الجوهري بإسناده إلى فاطمة بنت الحسين السبط عليهما السلام، وذكره أبو العباس الحسين والمنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهم السلام - فقلن لها: كيف أصبحت يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقالت: أصبحت والله عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم، لفظتهم بعد أن أعجمتهم، وشنأتهم بعد أن سبرتهم، فقبحاً لفلول الحد وخور القنا وخطل الرأي،: ?لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ?{المائدة:80}، لا جرم قد قلدتهم ربقتها وشنت عليهم غارتها فَجَدْعاً وعَقْراً وسُحْقاً للقوم الظالمين، ويحهم أين زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح(1/928)


الأمين والطِّبّين بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي حسن نقموا والله نكير سيفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله، وتالله لو تكافؤوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاعتقله وسار بهم سيراً سجحاً لا يتكلم خشاشة ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا ً غير فضفاض تطفح فضفاضه، ولأصدرهم بطاناً قد تحير بهم الرأي غير متحل بطائل إلا بغمرة الناهل وردعة سَوْرَة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون، ألا هلممن فاستمعن وما عشتن أراكن الدهر عجباً، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث، إلى أي ملجأً استندوا وبأي عروة تمسكوا، لبئس المولى ولبئس العشير ولبئس للظالمين بدلاً، استبدلوا والله الذنابا بالقوادم والعجز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم ?أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ?{يونس:35}، أما لعمر الله لقد لفحت قنطرة ريثما تحلب ثم احتلبوها طلاع القعب دماً عبيطاً وذعاقاً ممقراً هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون، ثم طيبوا عن أنفسهم نفساً واطمأنوا للفتنة جأشاً وابشروا بسيف صارم وهوج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيداً وجمعكم حصيداً، فيا حسرةً عليكم وأنى لكم وقد عميت عليكم ?أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ?{هود:28} والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين، انتهى من شرح النهج.
قال ابن أبي الحديد: هذا الكلام وإن لم يكن فيه ذكر فدك والميراث إلا أنه من تتمة ذلك، وفيه إيضاح لما كان عندها عليها السلام وبيان لشدة غيظها وغضبها.(1/929)


وقال المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام: فهذا كلام فاطمة الذي لقيت الله تعالى عليه ولا نتعدى طريقة من يحب الاقتداء به من الآباء والأمهات عليهم السلام.
ولنختم هذا الكلام بما ذكره صاحب المنشورات الجليلة، فيما انطوت عليه الوصية المتوكلية وصية الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم عليهما السلام وهو السيد العلامة جمال الإسلام علي بن عبد الله بن أمير المؤمنين القاسم بن محمد عليهم السلام جميعاً عن القاضي العلامة جمال الملة وحافظها أحمد بن سعد الدين المسوري رحمه الله تعالى عن القاضي العلامة فخر الدين عبد الله بن سعد الدين المسوري رحمه الله وأعاد من بركاته وجزاه خيراً في المحجة البيضاء بعد كلام له طويل في شأن فدك، ومنع المطهرة البتول حقها ما لفظه:(1/930)

186 / 311
ع
En
A+
A-