والثاني: أن يكون معناه ما تركناه من أملاكنا فلا يورث عنا بل يصير صدقة، وليس في الحديث قرينة لفظية تعين أحد المعنيين إلا ما يزعمه الخصم أن الحديث ورد برفع صدقة، وأنه لا يستقيم المعنى الأول إلا لو ورد منصوباً، ولا عمل على هذا ولا يكفي التعويل عليه والاعتماد على مجرده في تعيين المراد لاحتمال أن الحديث منصوب فرواه أبو بكر أو من تلقفه عنه مرفوعاً ملاحظة للمراد، وإن سلم أنه مرفوع فهو يحتمل أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة حالية والتقدير: ما تركناه وهو صدقة.
وحينئذ فلا بد من طلب مُرَجِّح من المرجحات الخارجة عن اللفظ الراجعة إلى المناسبة وموافقة الكتاب والسنة وتعديل راوي ما عارض الحديث المذكور من السنة ونحو ذلك من المرجحات المذكورة في علم الأصول، فيرجح المعنى الأول على الثاني بمرجحات:
أحدها: أنه لا يعارض آيات القرآن الحكيم بخلاف المعنى.
الثاني: فهو معارض لقوله تعالى: ?وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ?، وقوله تعالى: ?فهب لي من لدنك ولياً يرثني ?.
لا يقال: المراد وراثة العلم والنبوة والحكمة.(1/921)


لأنا نقول: أصل الميراث مع الإطلاق لا يستعمل حقيقة إلا في انتقال المال عن ملك الميت إلى الوارث لأنه لا يفهم من اللفظ عند قولهم لا وارث لفلان إلا فلان غير ذلك، فإن استعمل في غيره فمجاز لا يصح إلا مع القرينة نحو قوله تعالى: ?ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا?{فاطر:32}، ونحو: "العلماء ورثة الأنبياء"، وأيضاً فإن النبوة والعلم والحكمة لا ينتقل شيء منها عما هي فيه بالميراث، وإلاَّ لزم تقسيط ذلك على الفرائض للزوجة الثمن والجدة السدس ونحو ذلك، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء النبوة بالوحي، والعلم والحكمة بالتعلم وتكرر النظر وتنوير البصيرة، وأيضاً فقد كان سليمان عليه السلام نبياً وعالماً زمن داود عليهما السلام كما قال تعالى: ?وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ? الآية{الأنبياء:78}.
ثانيها: أنه الأنسب بمقام التشريع ليقتدي بهديه صلى الله عليه وآله وسلم ولاة الأمر بعده من الأئمة الهادين والعمال والمحتسبين والمقتصدين، فلا يورث عنهم ما جمعوه من الصدقات وسائر بيوت الأموال كما هي عادة بعض سلاطين الجور، فيكون حمل الحديث على هذا المعنى هو المناسب للتشريع وتكون ثمرة العمل به مستمرة إلى منقطع التكليف، بخلاف حمله على المعنى الثاني فلا مناسبة فيه لمقام التشريع ولا ثمرة له يستمر العمل بها سوى مصير أملاك الأنبياء عليهم السلام إلى أيدي الظلمة يتداولونه ويتوطون به إلى تناول الشهوات والبغي على أئمة الحق بإنفاقه في قتالهم وإقطاعه من أعانهم على ذلك، كما قد فعل به جبابرة بني أمية وبني العباس، كما ذلك مذكور في التواريخ وبسائط هذا الفن.
ثالثها: أنه لم يُسمع ولم يُنقل عن أحد من الأنبياء عليهم السلام أن ورثته أُحرموا ميراثه وأنه أخذه عليهم من هو محق بعد مورثهم من نبي أو وصي ولله القائل:
عن مآرِيثِهَا أبوها زَوَاها

أيها الناس أي بنتِ نبيٍ(1/922)


رابعها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول من خطب بقوله تعالى: ?يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ? إلى آخر آيات المواريث{النساء:11}، وابنته صلوات الله عليها من أول من يدخل في قوله تعالى: ?وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ?، فلا يصح إخراجها عمن تناولته هذه الآيات إلا بناسخ قطعي ومخصص شرعي غير ما ذكره الخصم، لأنه محل النزاع، وقد قَفَّا سبحانه وتعالى هذه الآيات بالوعد لمن أعملها والوعيد لمن تعداها وأهملها فقال تعالى: ?تلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُoوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ? {النساء:13،14}.
خامسها: أن حملها على المعنى الثاني الذي حمله عليه أبو بكر بلا دلالة معينة له يستلزم إغضاب البتول عليها السلام، وإغضابها مستلزم إغضاب الله تعالى ورسوله كما قد ثبت بالأحاديث المتواترة والروايات المتظاهرة، فلو سلم أن المراد من الحديث ما ذكره الخصم، فلا يدخل فيه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وابنته عليها السلام إلا على سبيل دلالة العموم فيصح تخصيص العموم بإخراج نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وابنته بهذا المخصص بالتخصيصات المنفصلة وهذا واضح لا إشكال فيه، أفما كان ينبغي لأبي بكر ومن حذا حذوه إعمال المسألة على هذه القاعدة ويتقي بذلك ويدفع عن نفسه غضب الله ورسوله لو كان في الأئمة الهادين والخلفاء الراشدين.
الوجه الثاني:(1/923)


مما يدل على بطلان حكم أبي بكر من ذلك: أنه يلزم من صحة حكمه لو فرضت رد الأخبار الواردة بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أنحل فاطمة عليها السلام فدكاً، وهي روايات متظاهرة متظافرة يرويها الموالف والمخالف، وقد نقل بعضها عن السيوطي في الدر المنثور وبعضها عمن ذكرنا من أهل البيت عليهم السلام.
ويؤيدها ما رواه في الاعتصام عن الإمام المحدث أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم الحسكاني رحمه الله تعالى في شواهد التنزيل من ست طرق كلها تنتهي إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل عليه قوله تعالى: ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ?{الإسراء:26}، دعا فاطمة عليها السلام وأعطاها فدكاً منها طريق وهي آخرها لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ?، دعا فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكاً والعوالي وقال: "وهذا لي قسم قسمه الله لك ولعقبك".
وما رواه بإسناده في هذه الآية إلى علي عليه السلام لما نزلت ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ?، دعا فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكاً.
وما رواه أيضاً في قوله تعالى: ?فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ? في سورة الروم{38}، بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله ?فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ? دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فأعطاها فدكاً وذلك بصلة القرابة الخ ما ذكره في تفسير الآية.
وفي مجمع الزوائد عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت: ?وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل?، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام وأعطاها فدكاً، قال: رواه الطبراني.
فهذه الأخبار على كثرتها وتظاهرها لا ينبغي لعالم ردها ولا يمكن تأويلها لأنها نص صريح في المراد لا يحتمل التأويل فأهون من ردها وتكذيب رواتها تخطئة أبي بكر فيما فعل.
الوجه الثالث:(1/924)


أن فعل أبي بكر هذا مخالف لما يقوله الوصي والزهراء وسائر أهل البيت عليهم السلام وهم معصومون عن الزلل في القول والعمل سيما المسائل التي تتعلق بها العقائد، ونسبة المخالف فيها من الأموال والولايات، ولا يتأتى فيها تصويب الخصمين على القول بتصويب كل مجتهد، أما الزهراء عليها السلام فذلك ظاهر، وأما الوصي عليه السلام فمعلوم أنه لا يمكن أن يشهد لفاطمة عليها السلام بالنحلة ويصوب أبا بكر في انتزاعها من يدها، ويدل عليه قوله عليه السلام كتبه إلى عامله بالبصرة عثمان بن حنيف الأنصاري رضي الله عنه: بل قد كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وشحت عنها نفوس آخرين الخ كلامه عليه السلام في شأن المتقدمين عليه إلى أن قال: فنقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخالفوا إلى غير فعله في أخذهم فدكاً من يد ابنته، وتأولوا ما لم يدركوا معرفة حكمه، ذكره في أنوار اليقين، وأما سائر أهل البيت عليهم السلام فقد مر نقل إجماعهم عن الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الإعتصام وعن القاضي عبد الله رحمه الله تعالى في المحجة البيضاء وحمل ذلك على ما قبل زمن الإمام يحيى بن حمزة والمهدي عليهما السلام فلا نعلم قبلهما من يصحح حكم أبي بكر من آل محمد عليهم السلام.
طلب زوجات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ميراثهن أبي بكر
الوجه الرابع:(1/925)

185 / 311
ع
En
A+
A-