وفي شرح الأساس أيضاً عن صاحب المحيط بإسناده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد الباقر عليهما السلام مثل الحديث الأول المذكور عن عبد الله بن الحسن عليهما السلام وزاد: فسألته فدك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إنا معاشر الأنبياء لا نورث " فقالت: قد قال تعالى: ?وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ?، فلما خصمته أمر من يكتب لها إلى آخره سواء.
وفي شرح الأساس أيضاً: عن ابن بهران رحمه الله تعالى في تخريجه عن أبي الطفيل قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها من أبيها، فقال لها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن الله إذا أطعم نبيه طعمة فهو للذي يقوم من بعده".
خلاصة حكم فدك والعوالي(1/916)


قلت وبالله التوفيق: فهذه الأخبار كما تراها أيها الطالب الرشاد من رواية الموالف والمخالف، وقد اضطربت أجوبة أبي بكر واحتجاجاته على فاطمة عليها السلام اضطراباً شديداً، وتخالفت وتناقضت تخالفاً وتناقضاً ما ترى بعده مزيداً، فتارة يعتذر بحديث:" نحن معاشر الأنبياء لا نورث" فيقرر ملك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتارة يقول:" إن ذلك طعمة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم" يعني - ليس بملك له - فإذا مات فهو بين المسلمين، وتارة يقول: "كانت للذي يقوم بعده"، وتارة يقول: إن هذا المال ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان مالاً من أموال المسلمين، وآوِنة يطلب في شهادة علي عليه السلام وأم أيمن رجل مع الرجل أو امرأة مع الامرأة، وأخرى في شهادة علي والحسنين عليهم السلام يقول: لا أقبل شهادتهم لأنهم يجرون المال إليهم، ورواية: أنه قبل شهادتهم وشهادة أم أيمن وكتب لهم كتاباً ففعل به عمر ما فعل، وأخرى: أنه لما حاججته فاطمة عليها السلام: أيرثك بناتك ولا يرث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: هو ذاك، والاضطراب عند أهل الحديث من أكبر عيوب الحديث التي توجب ضعفه واطراحه، والتناقض والاختلاف في كلام المرء من أكبر الأدلة على بطلان ذلك الكلام.
وحينئذ فقد ظهر لك أيها الطالب الرشاد بطلان فعل أبي بكر وعمر في أخذهما واستمرارهما على قبض فدك بأقوالهما وأفعالهما. لكنا نزيد الكلام إيضاحاً على سبيل التفضل وإزاحة شبهة من يحسن الظن بأبي بكر وعمر فنقول:
لا يقال: قد تعارضت هذه الأخبار والروايات المعارضة لحديث: "نحن معاشر الأنبياء" تفرد بها من ذكرتموها عنه، وحديث: نحن معاشر الأنبياء، فيرجع عليها بكثرة رواته.(1/917)


لأنا نقول: رواية جميع المحدثين وغيرهم من الأئمة عليهم السلام وشيعتهم ومخالفيهم كلها قد انتهت في الروايات المذكورة سابقاً في حديث: "نحن معاشر الأنبياء" قد انتهت إسناداتهم إلى عروة بن الزبير عن عائشة ولم تقل عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: نحن معاشر الأنبياء الخ، وإنما حكت ذلك عما أجاب به أبو بكر، فحصل التفرد في هذا الحديث في ثلاثة من رواته أبو بكر وهو مع ذلك خصم منازع وجار إلى نفسه حق القبض والاقباض والعزل والتولية وسائر التصرفات، وعائشة هي أعظم مناصر له في هذه الدعوى، وعروة وهو بعد خالته عائشة في مناصرة أبي بكر مع أنه مجروح عند أئمتنا عليهم السلام وغيرهم بأنه كان من أعوان الظلمة، ولا كذلك سائر الأحاديث المعارضة لحديث: "نحن معاشر الأنبياء" فإنها رواية ثبت غير متهم عن مثله إلى جماعة وأعداد من الصحابة والتابعين، فبعضها إلى أم هاني بنت أبي طالب رضي الله عنها وهي أجل من أن تتهم أو تحتاج إلى تعديل، وبعضها إلى أبي الطفيل رضي الله عنه وهو كذلك، وبعضها إلى أبي سلمة زوج أم سلمة رضي الله عنها قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعضها إلى هشام بن محمد الكلبي عن أبيه، وبعضها عن الهادي إلى الحق، وبعضها عن عبد الله بن الحسن الكامل، وبعضها عن أبي جعفر الباقر، وهؤلاء الأئمة عليهم السلام لا يروون إلا عن آبائهم الكرام حتى تنتهي سنداتهم إلى علي وفاطمة عليهما السلام وهما المعصومان عن الكذب والدعاوي الباطلة وشهادة الزور والتجرم والتظلم ممن هو محق في فعله ما صنع بهم.
فتدبر إن كنت ممن يتدبر وإلا فأعد جواباً للسؤال في يوم المحشر، فصار كل واحد من هذه الأحاديث أقوى وأولى بالترجيح على حديث: "نحن معاشر الأنبياء" فكيف باجتماعها جميعاً واتفاق معناها معاً على إبطال معنى ذلك الحديث المنكر الذي لم يرو عن غير أبي بكر ولم يُؤثر ؟(1/918)


فإن قيل: رواه أبو بكر بمحضر جماعة من الصحابة وهم عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص فصدقوه ولم ينكر أحد منهم على ما ادعاه قاضي القضاة فيما نقله عنه ابن أبي الحديد.
قلنا: لم يقل أحد منهم وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن سلمنا صحة ذلك عنهم، وإنما صدقوه تحسيناً منهم للظن بأبي بكر.
وبعد فعمر وعثمان ممن هو خصم في هذه المسألة وطلحة والزبير وسعد لا مناكرة في خروج الأولين على علي عليه السلام وخذلان سعد له، فإن استند القاضي أو غيره من المنتصرين لأبي بكر إلى رواية هؤلاء أنهم حضروا وصدقوا لم يقبل ذلك لاجترائهم الجميع على أمير المؤمنين وأهل بيته بما هو أعظم من تصديق خصمهم، وإن استند إلى رواية غيرهم من سائر الصحابة أنه حضر وسمع تصديقهم لأبي بكر، فالواجب تعيين ذلك الغير وتسميته ليعلم صحة روايته من بطلانه، ثم التهمة باقية بعينها حيث لم يكن لذلك الغير سماع للحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما سمع تصديق أولئك لأبي بكر.
وبعد فهم عدد يسير لا يستحيل على مثلهم التواطؤ على ذلك التصديق من دون علم لهم أو سماع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد فلو قال كل واحد منهم وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقبل منهم مع كون حال كل واحد منهم كما ذكر بلا خلاف.
وبعد فلا يمتنع أن كل واحد منهم خاف على نفسه المعاتبة والمؤاخذة على انفراده إن لم يصدق أبا بكر بعد أن طلبه التصديق وقد صار أبو بكر ذو شوكة يقتدر معها على مؤاخذة كل واحد على انفراده بل قد صار أبو بكر في تلك الحال متمكناً من البطش بأولئك النفر جميعاً لكثرة من قد بايعه وتابعه من سائر الناس.(1/919)


ثم نقول على سبيل التنزل والفرض: سلمنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"، ويعمل الحديث إنصافاً للخصم على حسب القواعد الأصولية والأدلة الشرعية والقضايا العقلية واللوازم الضرورية.
فنقول: هذه المسألة والمعاملة في فدك وخُمُس خيبر وسهم ذوي القربى لا يخلو أن يكون مما أمره إلى الأئمة، ففعل أبي بكر وإعماله الحديث فيها واجتهاده في كل ما يتعلق بهذه الثلاثة المذكورة مبنية على صحة إمامته ودون تصحيحها خَرْط القَتَاد لما مر من الأدلة القاطعة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وبطلان إمامة من تقدمه أو مما أمره إلى آحاد الناس كإرشاد الضال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكغسل الميت وحفر القبر ودفنه فلا قائل به من الأمة، فلزم من هذا أنه لا صحة لما فعله ولا ما أعمله أبو بكر من ذلك الحديث وعمل به واجتهد لو فرضنا أنه وفر الاجتهاد حقه واستوفى النظر فيما يتعلق بتلك المخاصمة والمحاكمة في الثلاثة الأشياء المذكورة، فكيف ومعاملته كلها في ذلك مبنية على الحيف والميل والتلوُّن والتلجلج في الحجة والاختلاف والاضطراب في الأجوبة حسبما مر من روايات ذلك كله، ولزم أن لا عمل في ذلك كله إلا بما رآه أمير المؤمنين واستنبطه واجتهد فيه دون سائر الناس فلا عمل على اجتهاداتهم في هذه المسألة، ألا ترى أن المسألة المتعلقة بفعل الخصومات لا عمل على اجتهاد أحد فيها سوى الحاكم المولى عليها من طرف الإمام أو حاكم الصلاحية أو التراضي عند فقده، وكذلك لا عمل على اجتهاد غير ولي المرأة وولي مال اليتيم فيما يتعلق بهما مما أمره إلى الولي ونحو ذلك من الأمثلة، ثم إن سلمنا على سبيل التنزل صحة إمامة أبي بكر فحكمه باطل من وجوه:
أحدها: أن الحديث يحتمل معنيين:
الأول: أن يكون معناه ما تركناه حال كونه صدقة قد قبضناها من أربابها ومِتنَا عنها قبل تفريقها في مصارفها فلا تورث عنا.(1/920)

184 / 311
ع
En
A+
A-