وقال في محاسن الأزهار للفقيه حميد رحمه الله تعالى: روى البخاري بسنده عن عائشة أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة عليها السلام منه شيء، فوجِدَتْ فاطمة على أبي بكر وهجرته ولم تكلمه حتى توفيت، وقد عاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها الإمام علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر.(1/906)
وقال ابن أبي الحديد: نازعت فاطمة أبا بكر في ثلاثة أشياء: الأول: الإرث، الثاني: النحلة في فدك، الثالث: في سهم ذوي القربى، ومنعها أبو بكر ذلك جميعاً انتهى. وقوله عليه السلام : وروى أهل البيت عليهم السلام كافة لا يؤخذ بمفهومه أن غير أهل البيت عليهم السلام لم يرو ذلك بل هو مما يوافق عليه كثير من المخالفين كما تراه في رواية البخاري، وذكره في تفريج الكروب عن البخاري ومسلم، وهو في تاريخ ابن قتيبة وفي شرح ابن أبي الحديد عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري من طرق بسنده بعضها عن عروة بن الزبير عن عائشة قال ابن أبي الحديد ما معناه: وإنما ننقل من أفواه أهل الحديث وكتبهم لا من كتب الشيعة ورجالهم لأنا مشترطون على أنفسنا أن لا نحفل بذلك، وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفدك وما وقع من الاختلاف والاضطراب عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وأبو بكر هذا عالم محدث كثير الأدب ثقة ورع أثنى عليه المحدثون ورووا عنه مصنفاته، وذكر ابن أبي الحديد في آخر الكلام على فدك ما لفظه: وأما إخفاء القبر وكتمان الموت وعدم الصلاة وكلما ذكره المرتضى يعني - في رده على قاضي القضاة - لما أنكر القاضي ذلك وزعم أن أبا بكر هو الذي صلى عليها عليها السلام هو الذي يظهر ويقوى عندي لأن الروايات به أكثر وأصح من غيرها، وكذلك القول في مَوْجِدَتِها وغضبها انتهى.(1/907)
قلت: لا خلاف في وقوع النزاع بين الزهراء عليها السلام وبين أبي بكر على الجملة، وإنما اختلفت الروايات هل طلبته عليها السلام أولاً بالنحلة، فلما لم يعمل بدعواها مع شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وأم أيمن انتقلت إلى الطلب بالميراث أم طلبته أولاً بالميراث، فلما احتج بالخبر الذي رواه " نحن معاشر الأنبياء لا نُوْرَث "، انتقلت إلى الطلب بالنحلة المذكورة، وقد حكى ابن أبي الحديد وقوع المشاححة بين أبي علي والقاضي وبين المرتضى رحمه الله تعالى فأنكر أبو علي تقدم الطلب في النحلة ورد عليه المرتضى بأن أحد الأمرين قبل الآخر لا يصحح له مذهباً فلا يفسد لمخالفه مذهباً، ثم أن الأمر في أن الكلام في النحل كان المتقدم ظاهر والروايات كلها به واردة.(1/908)
وأقول: بل مرام أبي علي بإنكار تقدم الطلب بالنحلة، وقوله: إنها إنما ادعته بالميراث أولاً، التوصل بذلك إلى أنه لا يصح منها عليها السلام دعوى النحلة بعد أن ادعته بالميراث، فلا يصير لها المطالبة بكلي الوجهين معاً بل لما تقدم منها الطلب بالميراث دل على عدم وقوع النحلة، وقد روى الأمير المؤلف في الشفاء أنها عليها السلام ادعت الهبة لها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنكر أبو بكر فجاءت بأم أيمن فشهدت لها بالهبة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أم أيمن من أهل الجنة "، وجاءت بعلي عليه السلام فشهد لها بالهبة ولم يفعل أبو بكر وعلي وفاطمة عليهما السلام معصومان فلما لم يقبل رجعت إلى دعوى الميراث فروى: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" فقالت: إن الله تعالى يقول: ?وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُود?{النمل:16}، وقال في زكريا: ?يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ?{مريم:6}، فسلم لها فدك وصك بها لها فلقيها عمر خارجة فسألها ما فعل أبو بكر فأعلمته فقال: أريني الكتاب فأرته إياه فأخذه ومزقه ولم يسلم إليها منه شيئاً، واستمروا على ذلك إلى وقت عمر بن عبد العزيز، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ردها على أولاد فاطمة عليها السلام، وقطع لعن علي عليه السلام على المنابر انتهى. ومثله ذكر ابن أبي الحديد عن عبد العزيز بن أحمد الجوهري بإسناده إلى زيد بن علي عليهما السلام إلا أنه لم يذكر قوله: وعلي وفاطمة عليهما السلام معصومان الخ، بل ذكر أنه بعد أن شهد علي عليه السلام وأم أيمن لها بالهبة قال لها أبو بكر: فرجل آخر أو امرأة أخرى لتستحقي بها القضية، ثم قال زيد: وأيم الله لو رجع الأمر إلي لقضيت فيه بقضاء أبي بكر، وهذا لا يعرف عند آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعني أن زيداً عليه السلام قال: وأيم الله لو رجع إلي لقضيت فيه بما قضى أبو بكر، وإنما هو من حكايات المحدثين والمخالفين لهم والله أعلم، فإن صح فلعله محمول(1/909)
على قضائه الذي قضى به في الصحيفة التي مزقها عمر لما ذكرها الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام من قوله عليه السلام : قلت: وأجمع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الأنبياء يورثون إلى آخر ما ذكره عليه السلام ، ولما رواه القاضي العلامة عبد الله بن زيد العنسي رحمه الله تعالى في المحجة البيضاء من قوله: وأجمع أهل البيت عليهم السلام، أنه ظلمها ذلك ونقله منها إلى آخر كلامه ذكره صاحب المنشورات رحمه الله تعالى عن القاضي أحمد بن سعد الدين المسوري رحمه الله تعالى عن العنسي من المحجة البيضاء، ولما رواه صاحب أنوار اليقين عليه السلام عن زيد بن علي عليهما السلام، أنه نسب ما أصابه من ظلم هشام إلى الشيخين لأجل كونهما أول من سن ظلم العترة عليهم السلام والتقدم على الأئمة إلى آخر ما نقله عنه في هذا المعنى.
قلت: ولعل ما ذكر من إجماع العترة عليهم السلام، والمراد به إجماع القدماء لأنه قد ذكر في القلائد وحكاه الإمام في الأساس عن الإمام يحيى بن حمزة والمهدي عليهم السلام تصحيح حكم أبي بكر حيث أنه حكم باجتهاده وكل مجتهد مصيب، لكن التعليل بهذا لا يفيد أن أبا بكر أصاب نفس الحق باعتبار موافقة الكتاب والسنة بل باعتبار أنه أداه اجتهاده إلى ذلك، وإن كان الإمام المهدي عليه السلام قد ذكر في شرحه على القلائد ما معناه: إن خبر أبي بكر مخصص لآيات المواريث، فإنما ساق ذلك الاحتجاج على مساق احتجاج المعتزلة كما فعل ذلك في كثير من المسائل التي لا يوافقهم فيها والله أعلم.(1/910)