ويدل عليه أيضاً: ما ثبت من الأخبار الصحيحة برواية الموالف والمخالف.
أما الموالف: فما ذكره في شرح الأساس وهو في كتاب الاعتصام للإمام القاسم بن محمد عليهما السلام بروايات متعددة، وذكره صاحب المنشورات عن الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام، قال ما لفظه: قال عليه السلام وبالإسناد المتقدم إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: " لما أنزل قوله تعالى: ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ?{الإسراء:26}، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكاً "، قال: ونحن نرويه عن أبي سعيد بغير هذه الطريق، وفي شرح الأساس ما لفظه: وروى أبو العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:لما نزل قوله تعالى: ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ?، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام وأعطاها فدكاً، وروى أيضاً بإسناده إلى جعفر بن محمد عليهما السلام عن أبيه أن فدكاً سبع قريات متصلات حد منها مما يلي وادي القرى غلتها في كل سنة ثلاث مائة ألف دينار أعطاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام قبل أن يقبض بأربع سنين إلى آخر ما ذكره، وهو في غير ذلك من كتب الأصحاب.(1/901)


وأما المخالف: فذكر السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور ما لفظه: وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:لما نزلت هذه الآية ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ? دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فأعطاها فدكاً، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ? أقطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدكاً، إلى غير ذلك من الروايات المفيدة أن ذلك ملكاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه لو كان ملكاً للمجاهدين جميعاً لم يجز للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصرفه إلى الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، وإن كان للمصالح عموماً فلا يمتنع أن يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من جملتها أن يعطي الزهراء ما يكفيها وبنيها وبعلها بعد مفارقته لهم، حيث قد علم صلى الله عليه وآله وسلم أن الأمة ستغدر بهم ولا يصير الأمر بأيديهم بل سينزع منهم قسرا،ً غير أن هذا الوجه بعيد حيث قد ثبت بدلالة الآية السابقة أن ذلك ملك للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبنى عليه أبو بكر احتجاجه وهو قول أكثر العلماء، وإن اختلفوا هل تورث عنه أم لا؟.
فإن قيل: كيف قلتم: إنه ملك للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والحال أنه لم يحصل جلاء الكفار عنه ورعبهم وخوفهم من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا لاجتماع من معه من المسلمين، وإلا فما كان الكفار يهابونه لو كان وحده صلى الله عليه وآله وسلم أو في قلة من قومه كما كان قبل الهجرة وبعدها قبل أن يكثر المسلمون ويتقوى أمره صلى الله عليه وآله وسلم، وحينئذ فالجلاء والرعب والخوف ليس حاصلاً منه صلى الله عليه وآله وسلم وحده بل هو منه وممن معه من المسمين جميعاً أو المجاهدين منهم، فلا يختص به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.(1/902)


قلنا: إن الرعب والخوف إنما حصل من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بدليل قوله تعالى: ?وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ?، ولا يمتنع أن اجتماع من اجتمع معه إذ ذاك من المسلمين كالشرط في حصول ذلك الرعب والخوف من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الموجبان للجلاء، والشروط لا تأثير لها في إيجاب الأحكام وإنما توجبها الأسباب المقتضية لها، فأما الشروط فإنما أثرها في اختلال الأحكام وعدمها عند عدم الشرط لا في إيجابها للحكم عند وجود الشرط وذلك كالوضوء في الصلاة فليس بموجب لها وإنما هو شرط في صحتها تختل الصلاة وتعدم بعدمه، فكذلك ما نحن فيه الخوف والرعب سبب الجلاء الموجبان له، وإنما حصلا بتسليط الله تعالى رسوله على الكفار فهما مسببان عن التسليط لا غير فهو سبب السبب، والاجتماع شرط في حصول الرعب والخوف ولا أثر له في وجود الخوف والرعب أو في وجود التسليط وإنما أثره في تخلف الرعب والخوف عند تخلفه وهذا لا إشكال فيه.
فإن قيل: قولكم: إنه يصير ملكاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ينافيه ما رويتم من الأخبار ورواه غيركم أنه لما نزل عليه قوله تعالى:?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ?، دعا فاطمة وأعطاها فدكاً لأنه إذا كان ملكاً له فكيف يكون حقاً لذوي القربى يأمره الله تعالى بتسليمه إليهم ؟(1/903)


قلنا: إنما أمره الله تعالى بإعطاء ذوي القربى من باب صلة الرحم، وذلك صحيح فيما هو ملك للإنسان سواء كان على سبيل الوجوب كما عند ضرورة الرحم ووجوب نفقته عليه أو على جهة الندب فيما عدا ذلك، ومما يؤيد كونه أعني ما أجلى عنه أهله بلا إيجاف يصير ملكاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما نقله ابن أبي الحديد عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بإسناده إلى مالك بن أوس الحدثان: أن عمر بن الخطاب دعاه يوماً بعدما ارتفع النهار وساق خبراً طويلاً إلى قوله: فأقبل على العباس وعلي عليه السلام فقال: أنشدكما الله تعالى هل تعلمان ذلك ؟ قالا: نعم، قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر أن الله تبارك وتعالى خص رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره قال تعالى: ?وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ?{الحشر:6}، وكانت هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما اختارها دونكم ولا استأثر بها عليكم لقد أعطاكموها، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال وكان ينفق منه على أهله سنتهم، ثم يأخذ ما بقي فيجعله فيما يجعل مال الله عز وجل إلى آخر ما ذكره.(1/904)


فصرح عمر أنه صار خاصاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحتج على ذلك بالآية، وذكر أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان ينفق منه على نفسه وأهل بيته، وظاهره إدخال علي والعباس عليهما السلام معهم ينفق على نفسه صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم كفاية السنة، وما فضل عليها أنفقه في سبيل الله تعال،ى وهذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وآله وسلم قد كان أعطاه فاطمة عليها السلام لأن من الجائز أن يفعل ذلك عن إذنها ورضاها أو عن أمرها بذلك قصداً منها التقرب بذلك إلى الله تعالى أو أنه ملكها الرقبة لما بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم واستثناء الغلة مدة حياته صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينافي أيضاً ما رواه أئمتنا عليهم السلام أن عبداً لها جبيراً كان يقبض غلتها وكيلاً لها عليها السلام بعد أن ملكها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبل موته بأربع سنين، إذ من الجائز أن يقبض الغلة ويأتي بها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيعمل بها كذلك حسبما ذكر عمر، وهذا هو الظاهر من حال فدك في حياته صلى الله عليه وآله وسلم، والله أعلم.
وأما المطلب الثاني: وهو في كيفية وقوع النزاع بين أبي بكر وفاطمة عليها السلام، فقال في شرح الأساس: اعلم أنه لا خلاف بين الناس أن فاطمة عليها السلام نازعت أبا بكر في فدك، وأنها جاءت بعلي عليه السلام وأم أيمن رضي الله عنهما شاهدين، وأنها رجعت بغير شيء وأنها دفنت ليلاً ولم يحضرها أبو بكر ولا عمر فهذا مما لا يخالف فيه أحد، وروى أهل البيت عليهم السلام كافة أنها ماتت غضبانة على أبي بكر وعمر، وأنها أوصت أن لا يحضرا جنازتها.(1/905)

181 / 311
ع
En
A+
A-