الفرع الثاني: حكم فدك والعوالي
اعلم أن هذه المسألة يذكرها المتكلمون في علم الكلام ويلحقونها بمباحثه وليست من مسائل الأصول اللازم معرفتها على كل مكلف لكن اتصلت بهذا الفن من حيث أنه لما اختلف الناس في إمامة أبي بكر حسبما مر أن الأمة في ذلك بين معتقد صحة إمامته وبين معتقد بطلانها، وكان من أبي بكر قبضه فدكاً وسائر مخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءته فاطمة عليها السلام تقول: فدك بيدي أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتطلبه ميراثها من مخلفه وسهم ذوي القربى فأبى أن يدفع إليها شيئاً من ذلك، واحتج بما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " نحن معاشر الأنبياء لا نُوْرَث ما تركناه صدقة "، فجرى بينهما من الاحتجاج واللجاج والاختلاف ما أفضى إلى أن غضبت الزهراء عليها السلام وانصرفت باكية إلى قبر أبيها صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله تشكو إليه صلى الله عليه وآله وسلم ما فعل أبو بكر وتنشده:
لو كنت شاهدتها لم تكثر الخُطََبُ
واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا
فغبت عنا فنحن اليوم نُغْتَصَبُ
عليك تنزل من ذي العزة الكتبُ
مذ غبت عنا فكل الخير مُحْتَجَبُ
من البرية لا عُجْمٌ ولا عربُ
منا العيون بهتانهما سربُ

قد كان بعدك أنباءٌ وهينمة
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها
وكان جبريل بالآيات يونسنا
وكنت بدراً ونوراً يستضاء به
تهضّمتنا رجال واستخف بنا
وقد رزينا الذي لم يرزه أحد
فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيتْ(1/896)


فلما كان ذلك كذلك مع ما تواتر من الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغضب لغضبها عليها السلام، فقد وردت أحاديث بلفظ: "يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك "، وقع الاختلاف بين المسلمين هل أصاب أبو بكر بهذا الذي فعله عين الصواب بحسب دلالة الكتاب والسنة، فلا بد أن هذه الأحاديث مقيدة بمن أغضبها عليها السلام تعدياً من دون حق ثابت في حكم الشرع، أم أخطأ بهذا الذي فعل عين الصواب والحكم الثابت في حكم الشرع، فيصدق عليه هذه الأحاديث وما في معناها من الأحاديث الدالة على تحريم أذية أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم وأذية كل مؤمن أو مؤمنة، وتفرع على هذا افتراق الناس في شأن أبي بكر وعمر وعثمان لسيرتهما في ذلك بسيرته وعمر وعثمان لسيرتهما في ذلك بسيرته إلى مصوب له فيوالي، ومخط له يعد ذلك كبيرة فيعادي أو صغيرة أو ملتبسة فيتولى أو يتوقف، فصار لهذه المسألة ارتباط وتعلق بعلم العقائد وأدرجت في مسائل علم الكلام الذي الحق فيها مع واحد.
إذا عرفت ذلك فالكلام في هذه المسألة يقع في مطلبين: المطلب الأول: في حكم فدك في حياته صلى الله عليه وآله وسلم وكيف كان فعله فيها وكيفية مصيرها بيده صلى الله عليه وآله وسلم. والمطلب الثاني: كيف كان النزاع والاحتجاج بين أبي بكر وفاطمة عليها السلام ؟ وبمعرفة هذين المطلبين تحصل النتيجة الصحيحة الشرعية لمن أنصف وبالله التوفيق.(1/897)


أما المطلب الأول: فاعلم أنه لا خلاف أن فدكاً من أراضي الكفار أجلي عنها أهلها بلا إيجاف عليهم من المسلمين، قال ابن هشام وقال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر، قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر إلى قوله: فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وقال ابن أبي الحديد: عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بإسناده إلى محمد بن إسحاق صحاب السيرة عن الزهري قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحقن دماءهم ويسيرهم ففعل، فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك، وكانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
وقد اختلف فيما هذا شأنه فقال أئمتنا عليهم السلام وكثير من علماء غيرهم وهو قول ابن هشام وابن إسحاق من أهل السيرة: إن ما هذا حاله بأن فر عنه الكفار أو صالحوه لمجرد الخوف والرعب منه صلى الله عليه وآله وسلم من دون ايجاف عليهم من المسلمين وتوجه وتجمع لقتالهم، فإنه يكون ملكاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك الإمام بعده، وعليه بنى أبو بكر الاحتجاج لكن زعم أنه لا يورث عنه للخبر الذي رواه.
وقال أئمتنا عليهم السلام وأتباعهم: بل يورث عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الإمام يورث عنه ما صار إليه بمجرد الرعب والخوف منه من دون توجيه الجند وتجميعهم على الكفار، وقال الفريقان: بل يصير للمصالح العامة لجميع المسلمين وليس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا سهمه من الخمس، وعند أئمتنا عليهم السلام لا خمس فيه لأنه ليس بغنيمة للمسلمين لما لم يكن لهم فيه سعي.
حجة أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم:(1/898)


قول الله تعالى: ?وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? {الحشر:6}، فنص الله سبحانه وتعالى أنه أفاءه على رسوله ولم يشرك معه غيره بل أشار أنه لا حق لسائر المسلمين فيه بقوله: ?فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ?، وبين العلة في عدم استحقاقهم وهي أنه لم يكن منهم إيجاف على الكفار ثم أكده بقوله: ?وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ?.
وحجة الفريقين الحنفية والشافعية:
الآية التي بعدها: ?مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ?{الحشر:7}، وجعلوا هذه الآية بياناً للأولى وأن المعنى: ولله ولرسوله ولسائر من ذكر خمسه والأربعة الأخماس لسائر المسلمين تصرف في مصالحهم بنظر الإمام.(1/899)


قلنا: هذا مال آخر غير ما ذكر في الآية الأولى، وهو ما أخذ من الكفار بعد تجمع المسلمين عليهم وإيجافهم بالخيل والركاب فله حكم آخر خلاف ما ذكر في الآية السابقة وهو أنه يخمس ويقسم بين المجاهدين الموجفين ولا يشاركهم غيرهم فيه ممن قعد عن النصرة لهم ولم يكن منه إيجاف معهم يدل عليه ما ذكر في آخر الآية: ? لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ?{الحشر:8}، هم المهاجرون المجاهدون لقوله: ?وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ?، ثم شرك معهم الأنصار بقوله: ?وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ?{الحشر:9}، ثم يبين حكمهم هذين الضربين مما يؤخذ من الكفار فيما بعد عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وهو زمن التابعين فمن بعدهم إلى منقطع التكليف أن حكمهما كذلك بقوله: ?وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ?{الحشر:10}، يعني والذين جاؤوا من بعدهم وهم على منهجهم من الإيمان ونصرة الدين حكمهم كذلك.
ويدل عليه أيضاً:ما ذكره ابن هشام في سيرته ?مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ? قال ابن إسحاق: ما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب وفتح بالحرب عنوة ?فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا?{الحشر:7}، يقول هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين على ما وضعه الله عليه انتهى.(1/900)

180 / 311
ع
En
A+
A-