رجلاً من أشرافهم تشرب أنافهم قبل شفاههم، قال صاحب المنشورات: وهذه هي الشبهة لأبي بكر وعمر وعثمان في تقدمهم، والشبهة لنا في عدم الإقدام إلى تهليكهم وتفسيقهم وإن كانت عندنا غير مبطلة لإمامته، ولا يجوز لأجلها ترك النصوص في وجوب تقديمه واستحقاقه الإمامة بعده صلى الله عليه وآله وسلم، فأقل أحوال هذه الشبهة عدم القطع بهلاكهم وفسقهم، هذا معنى ما ذكروه مع كلام طويل ذكره ابن أبي الحديد عن النقيب أبي جعفر العلوي مع قوله بثبوت النصوص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وتخطية القوم وتأثيمهم وجعله شبهة بل حجة في وجوب موالاتهم والترضية عنهم كما هو قول بعض الزيدية وإطباق المعتزلة العالمين بورود النصوص فيه القاضية بتفضيله على من تقدمه، ومذهبهم أنه لا يصح تقدم المفضول على الفاضل إلا لعذر، فهذا عذر واضح لأجله قالوا بصحة إمامة المتقدمين على علي عليه السلام وتفضيل علي عليه السلام عليهم.(1/886)
والجواب عليهم وبالله التوفيق: إنما كان يصح لهم هذا الاعتذار للمتقدمين لو لم ترد النصوص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام عن الله تعالى وكان ذلك عن رأي رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دون وحي وأمر من الله تعالى حتى يصح لهم قياس ذلك على ما ذكروه من قول السعدين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في نخل المدينة وتأبير النخل وأخذ الفداء من أسارى بدر ونحوها، فقد ظهر لك في تلك الأمور أنها رأي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك عاتبه الله تعالى في أسارى بدر، وليست هذه التي نحن بصددها من هذا القبيل بل هي من أصول الدين التي أوجبها الله تعالى وافترضها خالفة عن النبوة إذ بها حفظ ما جاءت به النبوة وتنفيذه بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وحفظ بيضة الإسلام على الدوام، ولا يمكن حفظها على الوجه الذي أتى به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعده إلا من الإمام العالم بجميع أحكام الشرع الشريف الجارية على محض الدين الحنيف وهم الأئمة المجتهدون من ذريته صلى الله عليه وآله وسلم إلى منقطع التكليف، ولهذا نص الله سبحانه وتعالى بصيغة الحصر بأن أثبت الولاية المرادة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بمعنى ملك الأمر والتصرف بلا خلاف بين المسلمين، ومن أنكره كفر بلا ريب بأن قال سبحانه: ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ?، ثم عطف عليه وعلى رسوله بالمؤمنين الموصوفين بتلك الصفة التي لا توجد إلا في علي عليه السلام وحده، وبَيَّنَّا فيما مر أنه لا يمتنع أن وجه العدول إلى صيغة الجمع الإشارة إلى أن حكم أولاده الأئمة الكاملين حكمه في ثبوت ذلك ما بقي التكليف، وأن الإسناد إليهم عليهم السلام مجاز لما كان فعل أبيهم وعادة العرب نسبة ما فعله الآباء إلى الأبناء ومنه قوله تعالى: ?فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلَُ?{البقرة:91}، مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب بذلك المعاصرين له من(1/887)
اليهود ولم يقتل الأنبياء إلا آباؤهم، وقد أجمع المفسرون وعلماء الأمة أن علياً عليه السلام مرادٌ في الآية، ودع عنك التأويل الباطل بصرف الكلام عن ظاهره وحقيقته لأجل التمذهب العاطل، لأنه لو تم لهم ذلك التأويل وإنكار أن يكون المراد به ملك الأمر والتصرف بالنظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام ما تم بالنظر إلى الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأيضاً فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قام خطيباً يوم الغدير بعد أن أمره الله تعالى بقوله: ?يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ?{المائدة:67}، كما ذكره كثير من المفسرين وأهل التواريخ والأخبار أن المراد بلغ ما أنزل إليك في شأن علي بن أبي طالب وأنها نزلت يوم الغدير أو قبيله، ولأجلها قام فابتدأ بتقرير ولايته صلى الله عليه وآله وسلم، ولا خلاف أنها ثابتة له بمعنى الأمر وملك التصرف، ثم قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". وأكده بالقرائن اللفظية المانعة من التأويل الباطل من قوله أول الكلام: "ألست أولى بكم من أنفسكم". ومن آخره: "اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه" إلى آخره، وغير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي من جملتها أمر الأمة بتسميته أمير المؤمنين قال: "جبريل أمرني بالذي قلت لكم" بخلاف ما ذكروه من تلك الحوادث فليست من أصول الدين المستمرة التكليف، وإنما هي حادثة بنت يومها يجوز فيها اختلاف المصلحة وعدم النص من الشارع عليها إحالة إلى رأيه صلى الله عليه وآله وسلم فإن أصاب فيها أقره الله تعالى على ذلك بعد النكير عليه والعتاب له صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أخطأ نبهه الله تعالى على الخطأ بالعتاب اللطيف من الإبهام وعدم الإجباه في وجهه بأن يذكر ذلك على وجه الإبهام أو ضمير الغيبة مع علمه صلى الله عليه وآله وسلم أنه المراد بها في قوله تعالى: ?مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ? الآية(1/888)
{الأنفال:67}، وكما في قوله تعالى: ?عَبَسَ وَتَوَلَّىoأَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى? الآيات، فأما مسألة الإمامة فهي ركن من أعظم أركان الدين، وأصل من أصوله لا يصح فيها إحالتها على أراء الناس وتفويضهم فيها لما في ذلك من تهاتر الناس عليها وتواثبهم على الطمع فيها كما قد كان من تواثب جبابرة الدولتين الأمويين والعباسيين وغيرهم ممن حارب العترة وقتلهم تحت كل حجر ومدر، وكل يفتي نفسه بجواز ذلك له كما جاز لأبي بكر وعمر تقدمهما على الوصي ويقول لو كان هذا الأمر خاصاً بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما تقدم فيه أبو بكر وعمر وعثمان، على أنا لا نسلم لهم أن العرب كانت سترتد على أعقابها جميعاً لو ولي الوصي عليه السلام بل كان يمكن ارتداد البعض منهم وبقاء البعض وهذا قد وقع مع تقدم أبي بكر، فلم يكن تقدمه عاصماً للدين عن أن يرتد عنه أحد، ولا معلومية أنه كان سيقع مثل ذلك لو بقي الأمر بيد الوصي عليه السلام فضلاً عن أن يدعي أنه سيقع ارتداد جميع العرب، بل لا طريق إلى علم أحد أنه لو ولي عليه السلام أنه سيرتد الجماعة الفلانية أو أنه سيرتد فلان ابن فلان لمعين إلا بوحي ولا وحي بأنه سيرتد لو تولى الوصي عليه السلام أحد، اللهم إلا أن يكون الشخص يخبر بحال نفسه أنه عازم ومنطوية نيته الخبيثة على الردة لو تولى الأمر بعده صلى الله عليه وآله وسلم علي عليه السلام ، فذلك ممكن العلم به في حق ذلك الإنسان وردته لنفسه دون غيره، فلا طريق إلى العلم بذلك إلا التوهم والتجويز وتنزيل ذلك منزلة ما علم الله أنه سيقع من دون علم لأن ذلك من المستقبلات التي لا يعلمها غير الله إلا بوحي، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض ما سيقع من المغيبات، ولم يخبر أنه إن ولي عقيب موته ارتدت العرب بأسرها، بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الأمة ستغدر به وأن ليس بينه عليه السلام وبين ذلك إلا مغيب شخصه،وأن الأمة ستقتل ذريته(1/889)
بعده صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: " أما والله لتقتلنهم أمتي لا أنالهم الله شفاعتي ولا رأوا جنة ربي "، فكان الأمر في ذلك كما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم.
يزيده وضوحاً ما ذكره الإمام نجم آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القاسم بن إبراهيم عليهما السلام في كتاب تثبيت الإمامة في صفة علي عليه السلام بعد ذكره لجملة من فضائله إلى أن قال: مع ما يكون عند الأوصياء من علم حوادث الأشياء وما يلقون بعد الأنبياء عليهم السلام من شدائد الأمور وتعدي كل كفور ودول كل جبار عنيد، ولو كان الأمر في الإمامة كما قال المبطلون فيها ما اختاروا والرأي فيها وبها ما رأوا لكان في ذلك من طول مدة الالتماس ما قد قضوا بقبحه وفساده من إهمال الناس كما لا يخفى على نظرة عين ولا يُسلم معه عصمة دين، والله ما جعل لهم الخيرة فيما خولهم ولا فيما جعل لهم من أموالهم، فكيف لهم الخيرة في أعظم الدين عظماً وأكبره عند علماء المؤمنين حكماً انتهى كلامه والمسك ختامه.(1/890)