فهات بَيَّن هاهنا الدلالة .... وعترة الحق أُولوا الجلالة
لم يرض من آل النبي راضي .... فقولهم مُهَدِّمُ الأَرْباضِ
ومن روى البيعة مسحاً غصبا .... فقد روي إذاً فحسباً حسبا
فثبت وتقرر أنه لا صحة للإجماع المدعى بل المفترى وببطلانه تبطل إمامة أبي بكر، وببطلانها تبطل إمامة عمر وعثمان لأنه لا قائل بصحة إمامتهما مع بطلان إمامة أبي بكر.
والعجب كل العجب ممن يرى تطافح الروايات وينقل تلك الحكايات من أفعال أبي بكر وعمر المنكرة ووعيدهما وتهديدهما الوصي وأهل بيته وسائر المحبين له والقائلين بإمامته بالتحريق والقتل وإنكارهم أخوته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصايته مع تواترهما عن الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله الغر الميامين، ويعلم ما فعلاه معه من الأذية والإغضاب وتناول مكانه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاغتصاب، ثم يذهب مع ذلك إلى صحة إمامتهما ووجوب موالاتهما كابن أبي الحديد وابن قتيبة وغيرهما من المعتزلة والأشعرية فالله المستعان، والذي لأجله اغتفروا جميع ذلك لهما هو إنكارهم النص جلياً أو خفياً على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام فصار العقد لأبي بكر الواقع في السقيفة عندهم صحيحاً وثبتت إمامته لذلك، فلا ضير فيما فعلاه بعده من الأمور الشنيعة والأهوال الفضيعة بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومتابعيهم ممن أبى البيعة لأبي بكر كما قال قاضي القضاة في حديث التحريف: إن سلم فهو سائغ لعمر فعل ذلك.
فقد أريناك أيها الطالب الرشاد النصوص الواردة في أمير المؤمنين عليه السلام المتواترة لفظاً أو معنىً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبينا كيفية دلالتهما القطعية وإشارتهما اللفظية والمعنوية، فماذا بعدها من نصوص تطلب وماذا غيرها لمنصفٍ من مأرب ؟(1/881)


وقد رووا عن عمر أنه لما أدركته الوفاة قالوا له: استخلف لا تدع الناس هملاً، فقال: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح لاستخلفته فإذا قدمت على ربي فسألني قلت: أي رب سمعت عبدك ونبيك يقول: أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته فإذا قدمت على ربي فسألني قلت: أي ربي سمعت عبدك ونبيك يقول: إن معاذ بن جبل يأتي يوم القيامة بين يدي العلماء، ولو أدركت خالد بن الوليد لوليته فإذا قدمت على ربي فسألني قلت: أي رب سمعت عبدك ونبيك يقول: خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله على المشركين، هكذا رواه ابن قتيبة وغيره، وفي بعض الروايات: ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً استخلفته، وفي رواية: ما خالجتني فيه الشكوك - أي في صلاحيته للإمامة - فإذا سألني ربي قلت: أي رب سمعت نبيك يقول: إن سالماً شديد الحب لي.
فانظر رحمك الله تعالى وإيانا كيف جعل عمر هذه الأحاديث التي زعم أنه سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دالة على إمامة هؤلاء المعدودين أو صلاحيتهم، وصوبه أشياعه وأتباعه ولم يعترضوا استدلاله بها، ولم يجعل هو ولا أحد من أتباعه وأشياعه من المعتزلة وغيرهم شيئاً مما ورد في أمير المؤمنين عليه السلام دالاًّ على إمامته مع أن الوارد فيه عليه السلام مثل هذه الألفاظ وأصرح منها في الدلالة، وكيف سوغوا أن يموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دون استخلاف ويترك الأمة هملاً، ولم يسوغوا ذلك في أبي بكر وعمر وجعلوا نص أبي بكر على عمر وجعل عمر الأمر شورى بين ستة دليلاً على فراستهما وحسن تدبيرهما ونظرهما للأمة، وكأن الرسول عندهم صلى الله عليه وآله وسلم ليس معه ما معهما من الفراسة وحسن التدبير والسياسة من النظر للأمة فيما هو صلاح لها في أمر دينها ولا دنياها، ولله القائل رحمه الله تعالى:(1/882)


يقولون ما أوصى النبي إلى امْرءٍ .... إليه أمور المسلمين تَؤُولُ
أيا عجباً أبقى الرسولُ عظيمةً .... .... وعلَّمَنَا المختارُ كيف نبولُ
وأين دلالة هذه الألفاظ التي هي: أبو عبيدة أمين هذه الأمة، خالد سيف من سيوف الله، يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء، إن سالماً شديد الحب لي، من دلالة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ألست أولى بكم من أنفسكم الخ ما ذكره في خبر الغدير؟! وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " سلموا على علي بإمرة المؤمنين "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " وهو وليكم بعدي وهو ولي كل مؤمن بعدي "، وآية: ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُه?، وآية المباهلة، وآية المودة، وآية ?إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ?{الأحزاب:33}، وخبر المنزلة، وأخبار الوصاية، وأخبار المحبة والبغاضة وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر من رواية الموالف والمخالف، مع أن هذه الأحاديث التي ذكرها عمر في هؤلاء لا تكاد تعرف عند أحد من أهل العلم سوى من طريقته لولا رفضهم للدليل القطعي الصحيح وشغفهم بالقول الباطل الفضيح وربنا الرحمان المستعان على ما يصفون، ?وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ? {الشعراء:277}.(1/883)


وأعجب من ذلك وأغرب ما يذكره بعض من يحسن بالمتقدمين على الوصي من المعتزلة وبعض الزيدية كما ذكره ابن أبي الحديد في الشرح عن النقيب أبي جعفر العلوي نقيب العلوية بالبصرية، ونقله عنه صاحب المنشورات فذكره الإمام عز الدين بن الحسن في المعراج شرح المنهاج للقرشي، وذكره السيد هاشم بن أحمد الشامي وفي تعليقه على حاشية الجلال على شرح النجري للقلائد، وهو أنهم كانوا يعني الخلفاء يعملون بآرائهم فيما يجري مجرى الولايات والتأمير والتدبير وتقرير قواعد الدولة وما كانوا يقفون على نصوص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتدبيراته إذ رأوا المصلحة في خلافها كأنهم كانوا يقيدون نصوصه المطلقة بتقييد غير مذكور لفظاً وكأنهم كانوا يفهمونه من قرائن أحواله وتقدير ذلك القيد افعلوا كذا إن رأيتموه صلاحاً، قال: فأما مخالفتهم له فيما هو محض الشرع والدين وليس متعلقاً بأمور الدنيا وتدبيراتها فإنه يقل نحو أن الوضوء شرط في الصلاة فإنه يقل مخالفتهم في ذلك فيجمعون على رد ذلك ويجيزون الصلاة من غير وضوء، إذ لا غرض لهم فيه ولا يقدرون على إظهار معصية وقفوا عليها خفيت عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيما هو شرع محض، وإنما كانوا يفعلون ذلك أي مخالفتهم له صلى الله عليه وآله وسلم فيما هو من باب الولايات وتدبير الحروب ومصالح الدنيا، واحتجوا على وقوع ذلك منهم مع ظهور مصلحته بما قد كان فعله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الأحزاب من مصالحة قريش على ثلث غلة المدينة، فاعترضه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قالا: يا رسول الله إن كان ذلك عن وحي فلا بأس، وإن كان عن رأي رأيته فلا نعطيهم ذلك، وكنا لا نعطيهم اليسير إلا عن مسألة ومنة وقد أعزنا الله بك وبالإسلام، فترك ذلك وكان صواباً وصلاحاً، وكذلك فيما أخذه صلى الله عليه وآله وسلم من الفداء من أسارى بدر، فاعترض عمر وأشار عليه أن الأولى عدم أخذ الفداء منهم فكان صواباً، وأنزل الله تعالى عتابه صلى(1/884)


الله عليه وآله وسلم في ذلك وتصويب رأي عمر، وكذلك في شأن تأبير النخل قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تفعلوا. فلم يؤبروا النخل تلك السنة فأخلف ثمره، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أنتم أعرف بدنياكم وأنا أعرف بدينكم. فأبروها فصلحت" وكذلك لما أمر صلى الله عليه وآله وسلم أبا هريرة ينادي في الناس: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فلقيه عمر فوكسه فألقاه على ظهره وقال: إذاً يتكلمون ويتركون العمل، فرجع أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشكو ما صنع به عمر وهو يبكي كما أخرجه البخاري في صحيحه، وغير ذلك من نظائر هذه المذكورة، قالوا: فكذلك رأوا فيما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم من النصوص الدالة على إمامة أمير المؤمنين وفضائله الموجبة تقديمه أن الصلاح في تقديم غيره، لأنه لما كان قد وتر قبائل العرب وما من قبيلة إلا ولقريش والمهاجرين منهم وغيرهم له فيها رحم قد فعل فيها الوصي عليه السلام النكاية البالغة وكانت العرب لا تترك ولا ترضى عمن وترها، فالقلوب عنه نافرة والطباع عن تأمره عليهم وطاعتهم له مستكبرة، فالمصلحة في تأمير غيره ممن لم يصدر منه إلى العرب شيء من ذلك فالقلوب والطباع أطوع وأميل إليه، فعدلوا عن الوصي عليه السلام وإن ثبتت النصوص على إمامته ووصايته إلى أبي بكر فكان هو الصواب والصلاح لأنه لو سلم الأمر إلى أمير المؤمنين لارتدت العرب عن دينها، قالوا: فأي الأمرين أصلح وأولى تأمير الوصي مع ارتداد العرب عن دينها، أو تأمير أبي بكر مع بقاء العرب على دينها وكفرها بعد إيمانها؟ لا جرم كان تأمير أبي بكر هو الأصلح والأولى واستظهروا على ذلك، وصحة ما اعتذروا به لأبي بكر ومن أعانه فيما فعله من التقدم على أمير المؤمنين بما روي عن عثمان بن عفان لما جرى بينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام عتاب، فقال له عثمان: ما ذنبي إذا كانت العرب لا تريد تأمركم عليها أو معناه وقد قتلتم منهم سبعين(1/885)

177 / 311
ع
En
A+
A-