وفي كتاب تثبيت الإمامة للهادي عليه السلام : أن أبا بكر كتب إلى أسامة بن زيد أمير الجيش الذي جهزه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه، وكان أبو بكر وعمر من جملة جيشه، فلما دنت وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسلت بعض نسائه تعلمهم ذلك فرجعا وكان ما كان في السقيفة، فكتب أبو بكر: من عبد الله أبي بكر بن أبي قحافة خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أسامة بن زيد أما بعد فانظر إذا أتاك كتابي هذا فأقبل إلي أنت ومن معك، فإن المسلمين قد اجتمعوا علَيّ وولوني أمورهم فلا تتخلفن فتعصيني ويأتيك ما تكره والسلام. فأجابه أسامه بن زيد وكتب: من عبد الله أسامة بن زيد عامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على غزوة الشام إلى أبي بكر بن أبي قحافة. أما بعد: فقد أتاني كتابك ينقض أوله آخره، ذكرت في أوله أنك خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي آخره أن الناس قد اجتمعوا عليك وولوك أمورهم ورضوا بك، واعلم أني ومن معي من المهاجرين والأنصار وجميع المسلمين ما رضيناك ولا وليناك أمرنا، فاتق الله ربك إذا قرأت كتابي هذا واقدم إلى ديوانك الذي بعثك فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا تعصه، وانظر أن تدفع الحق إلى أهله فإنهم أحق به منك وقد علمت ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي يوم الغدير، وما طال العهد فينسى إلى آخره، فلما وصل الكتاب إلى أبي بكر هم أن يخلعها عن عنقه، فقال له عمر: لا تفعل قميص قمصك الله لا تخلعه فتندم، فقال له: يا عمر أكفر بعد إسلام. فألح عليه عمر إلخ ما ذكره عليه السلام وهو في أنوار اليقين.(1/876)
وروى ابن حجر الهيثمي في صواعقه عن الدار قطني أن الحسن عليه السلام جاء إلى أبي بكر وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: انزل عن مجلس أبي، فقال: صدقت والله إنه لمجلس أبيك، قال: ووقع للحسين عليه السلام مثل ذلك مع عمر، وأن علياً عليه السلام قال في الأول: والله ما كان ذلك عن رأيي، وفي الثانية: والله ما أمرت بذلك فصدقه أبو بكر وعمر إلى ما ذكره هناك.
وفي أنوار اليقين: وعن الأعمش قال: خطب عمر بن الخطاب فقال: أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم، فقام الحسين من جانب المسجد فقال: أنصت أيها المتكلم انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك، قال: منبر أبيك والله منبري، أبوك أمرك بهذا؟ قال: وإن كان أمرني بهذا إنه لهادٍ مهتدٍ، تخطأت رقاب بني عبد المطلب ترقى على منبرهم وتقر بالحكم فيهم بكتاب أنزل عليهم لا تحفظ تنزيله ولا تعرف تأويله بِلا بَلاَءٍ كان منك في ديننا ولا من آبائك بل أجلبتم لدين الله الغوائل، فسائلك الله عما أخذت وعما أعطيت، فقال عمر: أمَّرَنا الناس عليهم ولو أمروا غيرنا لأطعنا، فقال له الحسين عليه السلام : من أمرك على نفسك من قبل أن تؤمر أبا بكر على نفسك، إنما أَمَّرت أبا بكر على نفسك ليؤمِّرك على الناس، فسائلك الله عما أخذت وعما أعطيت، فنزل عمر مغضباً ومعه الناس ودخل على علي وعنده الحسن عليهما السلام، فقال له: يا أبا الحسن أدب الحسين فإنه يجهر بالقول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحضض طغام أهل المدينة، فقال الحسن بن علي: الحسين يخصص طعام أهل المدينة على من حضض طغام أهل المدينة لعنة الله، أما والراقصات يوم جمع لولاه ما نلت ما نلت، فقال علي عليه السلام : مهلاً يا أبا محمد ما أنت بسريع الغضب ولا بمشوب الحسب ولا فيك عرق من السودان تعجل بالكلام قبلي، وسكت فقال عمر: يا أبا الحسن أدبهما فإن أدبهما منك شرف لهما، فقال علي عليه السلام : إنما يؤدب أهل الذلة(1/877)
وأهل المعصية، أما من أدبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأدبه فضل فما يؤدب، قال: إنهما أيْهمَان وفي قلوبهما ما لا علم لك به، قال: أدبهما أَدِّ إليهما حقهما يرضى عنك خالقهما، قال: وما حقهما ؟ قال: الرجوع إلى التوبة بعد المعصية، فقام ومعه الناس خارجين من عند علي عليه السلام فلقيه عثمان وعبد الرحمن بن عوف، فقال عثمان: لقد طالت بكما الحجة، فقال عمر: وهل مع علي وشبليه من حجة، فقال له عثمان: هم بنو عبد مناف يسمنون والناس عجاف ولقد رأيتهم في المواقف ظن المكروهات حيث تزهق نفوس الناس يكونون إلى الموت سراعاً، قال عمر: كأنه سرك ما كان!، قال عثمان: كأنك تنكر ما أقول! فقال عبد الرحمن بن عوف: أشربتما قلبي الفتنة لا تقعن بينكما كلمة فانصرفا.
وفيه أيضاً: وعن الربيع بن المنذر الثوري عن أبيه قال: سمعت الحسين بن علي عليهما السلام يقول: إن أبا بكر وعمر عمدا إلى هذا الأمر وهو لنا كله، فجعلا لنا فيه نصيب الجدة والله لتَهُمُّهُمَا أنفسهما في يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا.
وذكر الحسن عليه السلام في خطبته التي خطبها بعد مهادنته لمعاوية لعنه الله: إن الذي ألجأه إلى المهادنة هو الذي ألجأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين فر من فراعنة قريش إلى دخول الغار وألجأ أمير المؤمنين إلى مبايعة أبي بكر وعمر حيث جمعت حزم الحطب إلى داره لتحرق بمن فيها من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يخرج يبايع.
فهذه نبذة من الأخبار والآثار الدالة لمن أراد معرفة الحق وكيفية الاختلاف والشجار والتنازع حين ابتز هذا الأمر عن بيت النبوة ومعدن الرسالة، وأولي الأمر الذين أمر الله تعالى بسؤالهم وإرجاع ما وقع فيه الاختلاف إليهم والرد فيما اسْتُبْهِم من جميع الأمور عليهم، وجعلهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قرناء الكتاب وأمان هذه الأمة من نزول العذاب.(1/878)
وقد علمت أيها الطالب الرشاد أن ما وقع في السقيفة من العقد لأبي بكر على تلك الفلتة متوقف صحته الشرعية وثبوت إمامة أبي بكر به على رضا سائر الأمة به، فأين الرضا؟ وأين التسليم اختياراً؟ وقد رأيت هذه الأخبار كلها قاضية بحمل الناس على البيعة كرهاً وإلجائهم إلى السكوت والتسليم اضطراراً، وإنما أكثرت النقل في ذلك لئلا يغتر مغتر بكثرة ما يفتريه من أراد الانتصار للمتقدمين من اتفاق الأمة على إمامة أبي بكر، وأنهم ما بين مبايع مختار أو مجيز، وساكت عن النكير بلا اضطرار، ولأن ابن حجر الهيثمي (ذكر) في صواعقه: أن أبا بكر بعد بيعة السقيفة صعد المنبر، ونظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فدعا به فقال: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير علياً فدعا به فقال: ابن عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبايعه، مع أنه لم يسند هذه الرواية ولا أرسلها عن أحد من الصحابة وإنما أوصلها بما ذكره عن ابن سعد والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه من صفة الاختلاف والتنازع في السقيفة، فيحتمل إرادة إدراجها في تلك الرواية، ويحتمل عدم إرادة إدراجها، وعلى كلا الحالين فلا ثبوت لها مع أنها مشعرة بمخالفة الزبير وعلي عليه السلام حيث عاتبهما أبو بكر ونسب إليهما إرادة شق العصا مع أن ابن حجر نفسه قد نقض هذه الرواية بما رواه بعدها عن البخاري، وقد نقله غيره عنه وعن مسلم عن عائشة أن فاطمة عليها السلام أرسلت إلى أبي بكر تسأله عن ميراثها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها، وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة عليها السلام فلما توفيت استنكر على وجوه الناس(1/879)
فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر الخ ما ذكره، إلى أن قال: ثم هذا الحديث فيه التصريح بتأخر بيعة علي عليه السلام إلى موت فاطمة، فينافي ما تقدم عن أبي سعيد أن علياً والزبير بايعا من أول الأمر، لكن قد جمع بعضهم بأن علياً قد بايع أولاً، ثم انقطع عن أبي بكر لما وقع بينه وبين فاطمة عليها السلام ما وقع في مخلفه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بعد موتها بايعه مبايعة أخرى، وهذا احتمال باطل وتأويل عاطل فإن رواية الشيخين مصرحة بأنه لا بيعة منه عليه السلام مدة الستة الأشهر أصلاً، ثم وإن سلمناها فهي على ما قد استفاض نقله في الأخبار التي مر نقلها وغيرها أن ذلك بعد ذلك الوعيد والتهديد بالإحراق والقتل فمُدَت يده عليه السلام ومسح بها على يد أبي بكر وهو يقول: اللهم اشهد -أي اللهم اشهد على صنيعهم أو اللهم اشهد أني لم أبايع مختاراً- ومثل هذا لا حكم له في الشرع ولا يثبت به رضاً واختياراً.
فأما ما ذكروه من البيعة من أمير المؤمنين عليه السلام بعد موت فاطمة عليها السلام فإن سلم فهو مدافعة لأن يقع منهم إليه وإلى أهل بيته عليهم السلام من الأذية والتهديد والأمور المنكرة مثل ما قد وقع في حياتها عليها السلام فلا حكم له، والأمر في ذلك كما قال المنصور بالله عليه السلام صنو المؤلف الحسن بن بدر الدين عليهم السلام في منظومته أنوار اليقين بعد أن ذكر من جملة شبه المخالفين أنهم قالوا: سلمنا وقوع الاختلاف في ابتداء الأمر فقد وقع بعده الائتلاف والاتفاق على بيعة أبي بكر ولم يتخلف عنه أحد فقال عليه السلام ولله دره:
هيهات ما أبعدَها مقالَه .... تَعدُّها بأسرها ضلاله
ولا أتى الإجماعُ عن تراضي .... منتقضٌ وأَيَّمَا انتقاض
من دون عهد اشهدوه الرَّبَّا .... أَعظِم به يومَ التنادِ ذنبَا(1/880)