ولنبين ما يتعلق بهذا الكلام من النكت، وما فرع عليه المعتزلة وغيرهم من الأقوال الأصولية والمسائل الاعتقادية، ونوضح إنما يدل على صحة ما يذهب إليه أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم الأعلام من بطلان إمامة المتقدمين وأن ليس مرامهم إلا طلب الرئاسة وصرف الأمر عن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حياتهم وبعد مماتهم ?ساء ما يحكمون? ?وإن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون?.
فنقول وبالله التوفيق وبه نصول:
أولاً: ما بلغ عمر في مكة حيث أخبره من يسعى بالنميمة أن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: لو قد مات عمر بايعت علياً لقد كانت بيعة أبي بكر فلتة. فغضب عمر لذلك وانزعج لما هنالك، وأقسم ليقومن هذا المقام عشيته تلك، فأشار عليه عبد الرحمن بن عوف بالتأخير إلى المدينة.
لا وجه لهذا الغضب وقيامه هذا الموقف إلا حرصه على أن لا يصير الأمر بعده إلى أمير المؤمنين عليه السلام كما هو مقتضى قوله: فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم، ولأن قول عمار رضي الله عنه كانت بيعة أبي بكر فلتة قد سلمه عمر، ولكن ادعى أن لا بأس أن تكون بيعة أبي بكر فلتة دون غيره من سائر الأنام كما هو مقتضى قوله: ولقد كانت كذلك ولكن وقى الله شرها وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، فلم يبق وجه لذلك الغضب والحتم على القيام بهذا الموقف إلا ما ذكرناه.
ثانياً: قوله: من بايع من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يُقتلا.
هو عين ما فعله في بيعته لأبي بكر كما قد حكى ذلك في هذا الخبر عن نفسه لكن بزعمه يخصص نفسه هو وأبا بكر بجواز ذلك لهما دون سائر المسلمين.
ثم قوله: فلا يبايع هو ولا الذي بايعه.(1/861)


تحذيراً مما إذا بايع عمار علياً عليه السلام كما قد ذكر عمار رضي الله عنه فلا أحد يبايع علياً عليه السلام ولا يبايع عمار لو طلب البيعة لنفسه، فكلا منهما قد صار عند عمر لا تصح له بيعة بحال، ولا يصح من المسلمين أن يتابعوا عمار على بيعته لعلي عليه السلام بحال من الأحوال على أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " علي مع الحق والحق مع علي "، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك في عمار، فكيف يسوغ لعمر أن يلزم الناس العمل في شأنهما رضي الله عنهما بخلاف ما ألزم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟
ثالثاً: قوله: تغرة أن يقتلا.
كأنه يريد حقيقة أن يقتلا كما في كثير من الروايات ذكر بعضها ابن أبي الحديد: من عاد إلى مثلها فاقتلوه. وهذا أمر لا وجه له في الشرع وإنما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما" فأما إذا بايع رجل كملت له شروط الإمامة فهو مصيب فاعل ما يجب عليه سواء أجابه سائر الناس أو لا، وسواء بسط يده على سائر الناس أو لا، لأن إمامته قد ثبتت بالقيام والدعوة مع كمال الشروط التي من جملته أن لا يكون من جملتها قد سبقه كامل الدعوة، فما قتل من بايع هذا الإمام إلا من تشريعات عمر التي ما أنزل الله بها من سلطان، فكيف بقتل إمام اختاره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم؟!(1/862)


رابعاً: أن عمر حكى الاختلاف في السقيفة، ثم تخلف علي عليه السلام وطلحة والزبير ومن مال معهم من بني هاشم في بيت فاطمة عليها السلام، وقال: وتخلف عنا الأنصار. ولم يحك بعده أو في موقف آخر ما تقوم له به الحجة عليهم ليعلم الكافة إصابته هو وأبو بكر ومن بايعه وخطأ هؤلاء المتخلفين عنهم أو يستطرد في كلامه ما يدل على أنهم بعد ذلك بايعوا طائعين مختارين غير مكرهين، لأنه لو ذكر ذلك لكذبوه حيث أنهم يعلمون من نفوسهم ما قد وقع من حمل عمر الناس على البيعة طوعاً أو كرهاً، فإن قدر أنهم يهابون مجاهرته بالتكذيب فهو يخش أن يتحدثوا به فيما عدا ذلك الموقف أو لعلمه بطلان هذه الدعوى أو لاستغنائه عنها واستكفائه بعقد السقيفة وعدم مبالاته بتخلف من حكى تخلفه، وقد تقدم أن شرط المسألة رضا الباقين بذلك العقد أو وقوع البيعة منهم مختارين غير مكرهين.
خامساً: قول عمر: ثم نزونا على سعد بن عبادة - أي وطيناه - كما في الروايات السابقات ووطئوا سعداً فقال قائلهم: قتلتم سعداً، فقلت: اقتلوا سعداً قتله الله. وفي بعض الروايات: قتله الله إنه منافق.
كل هذا من المحرم لأن قوله: نزونا على سعد يفيد تعمدهم وقصدهم وطيه، وقوله: اقتلوا سعداً. أمر بمنكر، وقوله: قتله الله إنه منافق. سب لصحابي، وقد ذهب الخصوم إلى: أن من سب صحابياً فقد كفر، فإن قيدوا هذا المذهب بان يقولوا: إلا بالحق قلنا: فكذلك مذهبنا فلا تعيبوه، وإن قالوا: هو على إطلاقه. قلنا: فاحكموا بكفر عمر.(1/863)


سادسها: أنه لا ثمرة لقيامه بهذا الموقف والخطب الجسيم لخلوه عن إفادة دينية كما تراه، بل تضمن جملة مفاسد كما ذكرناه، وقد كان يكفيه عند أن بلغته تلك الكلمة عن عمار رضي الله عنه أن يعرض عن الالتفات والتعويل عليها لأنه لا يضره مبايعة عمار علياً رضي الله عنهما بعد وفاته إذ لا ضرر عليه في ذلك ولا كان يريدها لأحد أولاده بعده كما هو المشهور عنه إنكاره من أشار عليه باستخلاف ولده عبد الله، ولأن تلك الكلمة إن كانت حقاً لم يجز له أن يقوم ويسعى في إدحاضها، وإن كانت باطلاً كان الواجب أن يبين وجه بطلانها.
وأما ما فرعه المعتزلة وغيرهم على ما وقع في السقيفة مما حكاه عمر في كلامه هذا وما حكاه غيره كما هو مذكور فيما مر وغيره، فقال النجري رحمه الله تعالى ما لفظه: واعلم أن المعتزلة لما ادعوا الإجماع على أبي بكر وعمر وعثمان قالوا بثلاث مسائل: أحدها: كونهم أئمة. وثانيها: كون الإمامة في قريش. وثالثها: أن طريقها العقد والاختيار. ولما أبطل أصحابنا هذا الإجماع بطلت هذه المسائل انتهى.(1/864)


قلت: وليس للمعتزلة طريق إلى إثبات الإجماع على من ذكروا سوى اعتمادهم على ما وقع من عقد عمر لأبي بكر أو عقده هو وأبو عبيدة أو عقدهما وعقد بشير بن سعد أو عقد هؤلاء الثلاثة وأسيد بن خضير أو عقد هؤلاء الأربعة وسالم مولى أبي حذيفة، وقد ذهب إلى كل من هذه الصور قائل من المعتزلة فمنهم من قال: يكفي بيعة واحد لآخر وإن لم يرض غيره. ومنهم من قال: بيعة اثنين لثالث. ومنهم من قال: ثلاثة لرابع. ومنهم من قال: أربعة لخامس. ومنهم من قال: خمسة لسادس. وهو أكثر ما قيل أخذاً بالأكثر مما حكي في السقيفة ومن كون عمر جعلها شورى بين ستة، ولعل أنه لا يشترط عندهم رضا سائر الناس من أهل الحل والعقد والعلماء وأهل الفضل مهما قد كان العاقدون كذلك، وقد جعلوا ذلك أصلاً من أصول الدين وقاعدة تنبني عليها صحة إمامة الإمام في الطريق إلى ثبوت الإمامة وجعلوا منصب الإمامة قريش وأنكروا حصرها في آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وجعلوا فعل السقيفة أصلاً ودليلاً على أنه لا نص من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أحد لا على الوصي ولا على الحسنين ولا غيرهم من النص الجلي على من قام ودعا من أئمة العترة عليهم السلام كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من بلغه داعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله على منخريه في قعر جهنم "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله " رواه الهادي عليه السلام ذكره عنه في شرح الأساس، وليس على شيء مما ذكروه دليل أصلاً سوى الاعتماد على فعل السقيفة ولله القائل:
وما يستوي الممشى وما ثَمَّ منهجٌ .... وكيف يقوم الظِّلُ والعُودُ أعوجُ(1/865)

173 / 311
ع
En
A+
A-